رغيف العيش... خوف مشروع
حنان فكري
ما بين مد وجذر تضيق وتنفرج العيشة، ويظل لسان حالنا يتذمر ويشكر ثم يتذمر على »العيش والعيشة وإللى عايشينها« تحت هذا العنوان كتبت ست مقالات سابقة وها أنا أكتب من جديد، بعد أن أعلنت الحكومة بدء تحويل الدعم العينى إلى نقدى، بكل ما يحمله من مخاوف استبعاد شرائح عديدة، ورعب المستوردين قبل المعوزين من تحرير منظومة الخبز من الدعم العينى وتحولها للنقدى، وهو ما يهدد أساس الغذاء »رغيف العيش«.
فالحديث المتصاعد هذه الأيام عن حتمية تحويل الدعم العينى إلى دعم نقدى يحرك الخوف فى النفوس، والخوف على الرغيف خوف مشروع، فعندما نتحدث عن رغيف العيش، نحن لا نتحدث عن منتج من الدقيق والماء يخضع لمعادلات العرض والطلب، نحن نتحدث عن حياة الناس فى شكل رغيف.
كان الدعم العينى دائمًا هو الملاذ الآمن والشبكة الأخيرة التى تحمى الأسر من غدر السوق. لكن بتحويل هذا الرغيف الملموس إلى »بضعة جنيهات« تودع فى بطاقة أو تصرف نقدًا، يعنى ببساطة أن الحكومة ترفع يدها عن مسئولية تدبير السلعة، ليجد المواطن نفسه وحيدًا فى مواجهة حوت السوق الحرة وجشع التجار، لذلك فإن الرغيف العينى يضمن وصول »اللقمة« مهما تلاعبت الأسعار، أما النقدى؟ فهو مجرد رقم مرشح للتبخر قبل أن يصل إلى جيوب مستحقيه.
فالتجربة اليومية تخبرنا بأن الأسعار تتحرك أسرع من أى زيادة نقدية أحيانًا. المواطن الذى يحصل على رغيف مدعوم يعرف قيمته، لكن عندما يتحول هذا الدعم إلى مبلغ مالى، يصبح السؤال: هل سيظل هذا المبلغ قادرًا على شراء نفس الكمية من الغذاء بعد عام أو عامين؟
وهنا تكمن العقدة الأساسية: المشكلة ليست فى »نقدى أم عينى« فقط، بل فى القدرة على تصميم منظومة تحمى الفقير من تقلبات السوق. إن تحويل الدعم من عينى إلى نقدى فيما يخص منظومة الخبز، ليس مجرد تغيير طريقة صرف الأموال، لكنه إعادة صياغة لعقد اجتماعى قديم بين الدولة والمواطن نجاح التجربة لا يتوقف على توفير المال أو تقليل الهدر، بل على قدرتها على الحفاظ على الهدف الأساسى للدعم: ألا يفقد المواطن محدود الدخل قدرته على الحصول على احتياجاته الأساسية، وفى مقدمتها الخبز، ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين »رغيف نقدى« و»رغيف عينى«، لكنها بين دعم يصل فعلاً إلى الناس ودعم يتآكل قبل أن يصل إليهم. لذلك لو تم المساس بالرغيف ستكون ضربة موجعة، على ظهور الغلابة والمعدمين والساقطين من الحسابات وكشوف الدعم.
وهنا علينا طرح تساؤل آخر، كيف سيؤثر ذلك على سعر الخبز السياحى، وكل المخبوزات التى خارج الدعم، فمنذ عامين وفى اليوم التالى لإعلان رفع سعر العيش من خمسة قروش إلى عشرين قرشًا، اختفى الخبز من بعض الأفران بحجة عدم وصول حصة الدقيق، وفى بعضها تقلص حجم الرغيف ليصير خبزة صغيرة لا ترتقى أن تسمى رغيفًا، سواء من ناحية الوزن أو الحجم، وبالتالى فإن الزيادة لم تكن 300٪ فقط، من ناحية السعر، لكنها تعدت ذلك، إذا احتسبنا الخصم من الوزن والذى هو أمر شبه مستحيل السيطرة عليه، وفشلت وزارة التموين فيه فشلاً ذريعًا خلال الأعوام الماضية واستسلم الناس للحجم والوزن ولصالح غش وجشع التجار من جهة وتقصير الجهات الرقابية من جهة أخرى.
والآن إذا تم تحرير سعر العيش سيتم تحريك القلق فى النفوس، فرجاء لا تحبطوا الغلابة ولا تضغطوا على المستورين الذىن لا يمدون أياديهم بالعوز حتى الآن، رجاء اتركوا الرغيف فى حاله، ونتمنى أن يتم التحول للدعم العينى بلا خسائر فيما يخص منظومة الخبز المدعم بوزن وحجم وجودة مناسبة لأنه ترمومتر الرحمة فى المجتمع، هذه الرحمة التى صارت فريضة غائبة فى ظل توحش الغلاء على الناس. وكفى الناس كربًا من العيش والعيشة وإللى عايشينها.
نقلا عن وطنى





