​بقلم/ جمال رشدي
​في الوقت الذي يخوض فيه رئيس الجمهورية معركة شرسة لبناء "الجمهورية الجديدة" على ركائز من الشفافية والرقمنة وحفظ كرامة المواطن، يصرّ بعض القائمين على المؤسسات التنفيذية على العيش في جلباب الماضي البغيض، بل وإعادة إنتاج أسوأ صور البيروقراطية والتعالي التي كانت – ولا تزال – الوقود الحقيقي لأي احتقان مجتمعي. وأنا هنا لا أرفع هذه الاستغاثة العاجلة إلى فخامة رئيس الجمهورية بصفتي مواطنًا وقع في شباك "صندوق التنمية الحضرية"
 فحسب، بل بصفتي كاتبًا صحفيًا يحمل أمانة الكلمة، ويرى كيف يُهدم جهد الدولة في بناء الثقة مع مواطنيها بسبب ممارسات موظفين أدمنوا "التحدث من أطراف أنوفهم".

​لقد بدأت المأساة مع مشروع "دارة" للإسكان، الذي يديره الصندوق تحت الإشراف المباشر لرئيس مجلس الوزراء، حيث تم تسويق المشروع في مختلف المحافظات – ومنها محافظتي المنيا – تحت مظلة إيحاءات تُشعر العميل بأن المشروع يخضع لإدارة وتأمين القوات المسلحة الباسلة. ولأن اسم القوات المسلحة يمثل في وجدان كل مصري قدسية وطنية، وضمانة حقيقية للالتزام والنزاهة والاحترام، تدافع المواطنون وضخوا مئات الآلاف من مدخراتهم وهم مطمئنون، دون أن يدروا بالفخ البيروقراطي الذي ينتظرهم.

​وتجلت الصدمة الأولى عقب دفع مقدم ضخم بلغ 405 آلاف جنيه؛ إذ رفض القائمون على المشروع عرض صيغة العقد قبل الدفع، وبعد فترة جلبوا لنا عقودًا ابتدائية "إذعانية" وكارثية بكل المقاييس الشروط. لقد صُمم العقد ليكون سيفًا مصلتًا على رقبة المواطن وحده، حيث تفرض بنوده غرامات يومية قاسية بواقع 150 جنيهًا لمجرد تأخير يوم واحد حتى لو كان الأمر خارجًا عن إرادة العميل، وتقتطع 5% من إجمالي قيمة الوحدة في حال التنازل، في حين يخلو العقد تمامًا من أي بند يرحم العميل أو يدعمه في حالات الوفاة أو العجز الإنساني.

​ولم تكن مرارة الشروط هي الأقسى، بل إن غياب أي وسيلة تواصل حقيقية حوّل حياة حاجزي "دارة" إلى رحلة عذاب مستمرة؛ ففي عصر التحول الرقمي، هل يعقل أن يضطر مواطن للسفر من أقصى الصعيد في المنيا إلى مقر الصندوق بالقاهرة خمس مرات لمجرد الحصول على استفسار؟ وهناك، في أروقة الصندوق، تجد المعنى الحقيقي للبيروقراطية العفنة التي تفجر المجتمعات: غياب دائم للموظفين، تعامل مهين يخلو من أي تقدير، وتعالٍ غير مبرر وكأن المواطن يتسول حقاً وليس صاحب حق أصيل.

​وتصل ذروة المأساة والتعنت عندما قمت بإنهاء إجراءات التنازل الرسمي عن الشقة لصالح الصندوق في مقرهم بالقاهرة في 6 أبريل الماضي، حيث أفادني الموظف المختص بصلف شديد أن أموالي (البالغة مليون و95 ألف جنيه) ستُرد خلال 60 يومًا، وطلب مني متابعة الأمر عبر "الواتساب" مع الإدارة المالية بالعاصمة الإدارية. ومنذ ذلك التاريخ، تحولت رسائلي إلى ما يشبه التوسلات لإفادتي بمصير طلبي، ولكن دون رد أو مجيب، ليطبق الصندوق صمتًا مريبًا يثير التساؤلات.

​واليوم، وبعد انتظار دام 80 يومًا وأمام غياب الإجابات، اضطررت للسفر مجددًا إلى القاهرة ليكون الرد الصادم من موظف يزعم أنه "غير مختص" بعد أن اتصل بالمالية: "لقد نقلنا الشقة للصندوق، ولكن أموالك لن تُرسل الآن إلا بعد إغلاق السنة المالية، وربما يكون ذلك في منتصف أغسطس القادم!". وهنا أتساءل بأي حق وبأي قانون يُحجز مبلغ يتجاوز المليون جنيه يخص مواطنًا لأكثر من أربعة أشهر؟ وكيف يسترد الصندوق أصوله العقارية في لمح البصر، بينما يماطل في رد أموال الناس بحجة الموازنات والسنة المالية؟ وهل يدرك هؤلاء المسؤولون كم الكوارث والالتزامات المادية التي تقع على كاهل الأسر بسبب هذا الاحتجاز غير القانوني؟

​سيدي الرئيس، إن كنت أنا الكاتب الصحفي، الذي أمتلك أدوات الكتابة وصوتًا يستطيع المقاومة والوصول، أتعرض لكل هذا التنكيل والتعنت والتعالي على مدار شهور، فماذا يفعل المواطن البسيط واللاهث وراء قوته اليومي إذا وقع في هذه الدوامة؟ كم من المرارة يشعر بها المواطن وهو يرى مؤسسة حكومية تخلف وعودها وتضرب بالمرونة الإدارية والقانون عرض الحائط؟ إنني أطالب فخامتكم، وأطالب الأجهزة الرقابية بالدولة، بفتح تحقيق عاجل وموسع في آليات عمل "صندوق التنمية الحضرية"، والتحقيق في واقعة احتجاز أموالي المستحقة والمماطلة فيها؛ فبناء الأوطان لا يستقيم طالما بقي بيننا موظف يرى في الكرسي سلطة للتعالي لا ساحة للخدمة.. إنها حكاية وطن يبني، وبيروقراطية تهدم، ونحن نربأ بعهدتكم أن يضيع فيها حق أو تُهان فيها كرامة مصري.