محرر الأقباط متحدون
في تأكيد جديد على الترابط الوثيق بين الإيمان والوعي المدني، شدّد أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان على أن الإيمان الحقيقي لا ينفصل عن المسؤولية الاجتماعية، بل يشكل معها ركيزة أساسية لبناء مجتمعات أكثر عدلاً وإنسانية. جاء ذلك خلال مشاركته في الجلسة الرسمية لتنصيبه عضواً شرفياً جديداً في أكاديمية المملكة المغربية بالعاصمة الرباط.
في كلمته التي حملت عنوان "المؤمنون والمواطنون: بناء الأخوّة الإنسانية معاً بعد خمسين عاماً من العلاقات الدبلوماسية بين الكرسي الرسولي والمغرب"، أكد نيافته أن العلاقة بين الإيمان والمواطنة ليست علاقة تناقض بل هي علاقة تكامل تُفضي إلى ترسيخ ثقافة الأخوّة والعيش المشترك.
وأشار الكاردينال بارولين إلى أن هذا العام يشكل مناسبة خاصة، إذ يوافق اليوبيل الذهبي لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين المملكة المغربية والكرسي الرسولي، التي بدأت عام ١٩٧٦، واصفاً هذه المسيرة بأنها مثال على الاحترام المتبادل والتفاهم العميق بين مؤسستين عريقتين في التاريخ.
واستعرض المسؤول الفاتيكاني بعدها أبرز المحطات التي ساهمت في تعزيز هذه العلاقة، بدءاً من زيارة الملك الراحل الحسن الثاني إلى الفاتيكان عام ١٩٨٠، مروراً بزيارة البابا القديس يوحنا بولس الثاني إلى المغرب عام ١٩٨٥، والتي شكلت أول لقاء بين حبر أعظم وشباب مسلمين، وصولاً إلى الزيارة الرسولية التي قام بها البابا فرنسيس إلى المملكة في العام ٢٠١٩.
وأكد أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان أن الدين ينبغي أن يكون سداً منيعًا في وجه التطرف والانقسام، لا ذريعة لتبرير الكراهية أو العنف، مشيراً إلى أن هذا المبدأ يشكل أرضية مشتركة تجمع بين المغرب والكرسي الرسولي.
في هذا السياق، ذكّر نيافته بوثيقة الأخوّة الإنسانية التي تؤكد أن جميع البشر متساوون في الكرامة، ومدعوون للعيش معاً كإخوة. وقال إن هذه الحقيقة تفرض على الدول اعتماد ما وصفه بـ"الرحمة الفاعلة"، القائمة على الاحترام المتبادل والتضامن في مواجهة الأزمات العالمية. كما شدد بارولين على أن الأخوّة الإنسانية لا يمكن أن تستمر من دون جذور روحية، لأن غياب هذا البعد يحوّلها إلى مجرد مفهوم نفعي يخضع للمصالح الآنية. وأضاف أن الإيمان، حين يترجم إلى خدمة فعلية للمجتمع، يصبح الأساس الذي تُبنى عليه العدالة والسلام.
بعدها دعا نيافته إلى تجاوز مفهوم "التسامح" بمعناه الضيق، الذي يكتفي بقبول الآخر، نحو مفهوم أعمق يقوم على الأخوّة الحقيقية والاستقبال الصادق للآخر باعتباره شريكاً في الإنسانية. وأشاد في هذا الإطار بإعلان مراكش الصادر عام ٢٠١٦، الذي أكد على حماية حقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي، ضمن رؤية قائمة على المواطنة والكرامة الإنسانية.
وتوقف الكاردينال بارولين بعدها عند أهمية الحوار بين الأديان، معتبراً إياه أداة أساسية لتعزيز السلام والاستقرار الدولي، مشيداً بالنموذج المغربي الذي يجسد التعايش من خلال حضور المساجد والكنائس والمعابد اليهودية جنباً إلى جنب في مدنه. كما تناول التحديات الكبرى التي يواجهها العالم اليوم، وعلى رأسها ملف الهجرة، مشيراً إلى أهمية "ميثاق مراكش" بوصفه خارطة طريق لضمان استقبال المهاجرين وحمايتهم وإدماجهم بكرامة.
فيما يتعلق بملف البيئة، أثنى نيافته على جهود المغرب في مجال الطاقات المتجددة، معتبراً أنها تنسجم مع رؤية الكنيسة حول العناية بالبيت المشترك. أما على صعيد التحولات التكنولوجية المتسارعة، فشدد نيافته على ضرورة أن تبقى كرامة الإنسان في صلب أي تطور علمي أو تقني.
في ختام كلمته، أكد الكاردينال بيترو بارولين أن التقاء الإيمان بالمسؤولية المدنية يمكن أن يصنع تحولاً اجتماعياً عميقاً، داعياً إلى ثقافة حقيقية للحوار والعمل المشترك، لأن السلام، كما قال نيافته، لا يُبنى باتفاقات عابرة، بل بصبر وإرادة ثابتة لصون حقوق الإنسان وتعزيز الحرية والكرامة للجميع.




