(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
مقدمّة
مِن المعروف للجميع أنّ البابا لاوُن الرابع عشر قد زار الأراضي الإسبانيّة (مدريد، وبرشلونة، ودير مونتسِرّات، وجزر الكناري)، من الـ6 إلى الـ12 من يونيو/حزيران للعام الجاري (2026).
 
وقد وَصف قداسته إسبانيا بأنّها «بلدٌ أوروبيّ له تقليد كاثوليكيّ عريق وغنيّ جدًّا». ووفقًا للمختصّين والمتابعين لشؤون الكنيسة الكاثوليكيّة وحاضرة الفاتيكان، كانت هذه الزيارةُ تاريخيّةً من نواحٍ عدّة. ولستُ بصدد تناوُل هذه النواحي المتنوّعة التي جعلتْ زيارةَ قداسة البابا لإسبانيا حدثًا تاريخيًّا.
 
وإنّما قد راق لي –وربّما يستحسن القارئُ العزيز هذا!– أن أُقدّم حُزمةً مختارة من رسائل البابا لاوُن الرابع عشر التي نادى بها –بجراءةٍ ومحبّةٍ للحقيقة– في الأراضي الإسبانيّة. وهذه الرسائلُ بدورها صالحةٌ للمسيحيّين أجمعين، وربّما لجميع الناس "ذوي النوايا الحسنة" أيضًا. وسأعرض هذه الرسائلَ الحَبريّة متّبِعًا الترتيب الزمنيّ لمحطات هذه الزيارة الرسوليّة.
 
وعلينا ملاحظة أنّ هذه الزيارة الرسوليّة التاريخيّة للأراضي الإسبانيّة، لهي بحقٍّ "مظاهرةُ إيمانٍ ومحبّة" من قِبل الشعب الإسبانيّ. فهي مظاهرةُ "إيمانٍ" بالإله الأحد-الواحد-الثالوث، الذي هو جوهرُ الإيمان المسيحيّ؛ وكذلك مظاهرةُ "محبّةٍ" للكنيسة والبابا. وبهذا المعنى، وكما قِيل، قد أظهرتْ جليًّا هذه الزيارةُ الحَبريّة أنّ الشعب الإسبانيّ بتاريخه المسيحيّ العريق، لديه ركائزُ ثلاث مهمّة للغاية. وهذه الركائزُ مرتبطةٌ بإيمانِ الإسبانيّين بالربّ يسوع المسيح؛ وتشكّل بدورها أبعاد ثلاثة في نفوس المؤمنين الإسبانيّين وأرواحهم وروحانيّتهم: الإفخارستيا، والعذراء مريم، وبابا الكنيسة الكاثوليكيّة.
1. قدّيسو إسبانيا، والحوارُ بين المسيحيّين والمسلمين واليهود في إسبانيا
 
في كلمة البابا لاوُن الرابع عشر، في لقائه مع "السُّلُطات وممثّلي المجتمع المدنيّ والسّلك الدّبلوماسيّ"، في القصر الملكيّ بمدريد (6 يونيو/حزيران 2026)، تحدّث قداسته: عن القدّيسين يوحنّا الصليب وتيريزا الأفيليّة وأغناطيوس دي لويولا؛ وعن التواصل والحوار بين المسيحيّين والمسلمين واليهود في الأراضي الإسبانيّة؛ وعن نصوص الفلاسفة ابن رشد المسلم (1126-1198) وموسى بن ميمون اليهوديّ (1138-1204). فقال: 
 
«أودّ أن أشير إلى شخصيَّتَين من هذا البلد، تغذّيان، منذ خمسة قرون، حياة الكنيسة والبحث الرّوحي للكثيرين، حتّى خارج حدوده المرئيّة. إنّهما يوحنّا الصّليب وتيريزا الأفيليّة، اللذان صارا صديقَين في حبّهما للسّرّ الإلهيّ. الخبرة الصّوفيّة في هذين الشّخصَين هي خبرة صوفيّة أعينها مفتوحة، أي أنّها ليست غريبة عن التّاريخ، بل العكس، تقود إلى جذور الأسئلة، وإلى قلب الواقع. على وجه الخصوص، فإنّ موضوع الليل، الذي كان عزيزًا جدًّا على قلب القدّيس يوحنّا الصّليب، الذي نحتفل بسنته اليوبيليّة، يساعدنا في تفسير التحوّلات وتحمّل التّوترات التي تجعل عصرنا مظلمًا جدًّا.
 
ففي عطشه إلى النّور، تعلَّم، على نحوٍ يبدو متناقضًا، أن يقدّر الظّلمة، واصفًا إيّاها بأنّها "ليلٌ مبارك" (الليل المظلم، 3)، لأنّها الزّمن الذي تتحرّر فيه النّفس من كلّ ما كانت تظن أنّها تعرفه أو تمتلكه. واليوم أيضًا، ما يخيفنا أكثر من غيره، وما يثير لدى الكثيرين ظلمة العقل والعنف في المشاعر، هو المجهول، الذي قد يسيطر علينا الشّعور أمامه بعدم وجود خرائط تهدينا، وبأنّنا ضللنا الطّريق. ولهذا السّبب، نحن بحاجة، في الحياة العامّة أيضًا، إلى رجال ونساء
 
يستطيعون أن يلمحوا النّور في قلب الظّلمة، وأن يروا في النّهاية بدايةً ممكنة، كأنّها انبثاق حقيقةٍ تُعمِي بشدّة نورها، لكن، إن قويت ثقتنا وبلغنا السّلام، رفعنا نظرنا إليها: "يا ليلًا هديتَنا! يا ليلًا أحبَّ وأبهى من الفجر! يا ليلًا وحَّدتَ الحبيب بمحبوبته، وحوَّلتَ المحبوبةَ إلى الحبيب!" (المرجع نفسه، 5).
عصرنا هذا، الذي يبدو أنّه يهتز بسبب اختلالات وصراعات رهيبة، يصرخ في أعماقه من أجل السّلام، ومن أجل معرفة جديدة للإنسان وكرامته التي لا تُنتَهك، ومن أجل حضارة المحبّة (راجع رسالة بابويّة عامّة، الإنسانيّة الرّائعة، 186).
 
القدّيسة تيريزا وصفت هذا المسار نفسه بصورة القلعة الدّاخليّة. بالتّقدم من غرفة إلى غرفة نحو أعمق أجزائها، أي بتقدم كلّ واحد في أجزاء ذاته نحو قلبه، ذلك المَقدِس الذي تسكن فيه الحقيقة، يتسع الفضاء، وينفتح العقل، وتُحَلّ التّناقضات، وتذوب التّوترات، ويجد الآخرون فيه مكانهم، ويصير الكون بيتًا. ليس الأمر هروبًا انطوائيًّا، بل هو انفتاح جذري على ”الآخر الكلّي والمختلف تمامًا، والجديد دائمًا" (totus Alius et semper Novus)، الذي يتحقّق عندما نعود إلى أنفسنا. هذا البعد من أبعاد الإنسان هو السّبب الذي يجعل من الضّروريّ حماية الحرّيّة الدّينيّة وحرّيّة الضّمير. [...]
 
فقد شكّل وجود الإسلام في شبه الجزيرة الأيبيريّة، مثلًا، حقيقة سياسيّة وثقافيّة ودينيّة طويلة الأمد. خلال تلك الفترة، لم تكن هناك مواجهة فحسب، بل جرت محاولات لخلق أماكن للتواصل والحوار حول معنى الحقيقة بين المسيحيّين والمسلمين واليهود.
 
في مدرسة المترجمين التي أسّسها ألفونسو العاشر الحكيم، تعاون خبراء من الأديان الثّلاثة في ترجمة التّراث الغنيّ العربيّ واليونانيّ والعبريّ، ما ساهم في نشر نصوص مثل نصوص الفلاسفة ابن رشد (1126-1198) وموسى بن ميمون (1138-1204). على وجه الخصوص، صارت مدن مثل قرطبة وطليطلة مكانًا للحوار بين اللغات والأديان والمعارف. وهذه هي الحقيقة التي ترويها المدن الأوروبيّة، بتراكيبها التّاريخيّة، ونسيج التّضامن الذي كوَّن اختلافاتها على مرّ القرون، فحوّل الصّراعات الحتمية إلى نقاط انطلاق.
 
وقد علّمنا ابن نبيل آخر من هذه الأرض، أنّه يمكننا في المحن والفشل، أن نعيد نظرنا في كلّ شيء: كان أغناطيوس دي لويولا يتحلّى بهذه الجرأة، فأعطى مصداقيّة لأحزان قلبه وأفراحه، وممارسته للتمييز الرّوحيّ والخيال جعلته يفضّل السّلام على السّلاح، ويفضّل القدّيسين على أصحاب السُّلطة. أدرك أنّ الخير الذي كان ينجذب إليه لم يكن خياليًا، فتحولّت أزمته إلى نعمة. ويمكن أن يحدث الشّيء نفسه مع "المستجدات" التي تقلقنا اليوم والتي ينقسم حولها احساسنا».
 
2. يسوعُ الناصريّ والكنيسة والفقراء
أثناء زيارة البابا لاوُن الرابع عشر إلى العاملين والمرضى في المشروع الاجتماعيّ «Cedia 24 Horas»، في مركز الخدمات والاستقبال بمدريد (6 يونيو/حزيران 2026)، أكّد قداسته على أهمّيّة اتّباع الكنيسة والمؤمنين للربّ يسوع وإنجيله، ولا سيّما فيما يتعلّق بالفقراء، على غرار مركز «Cedia 24 Horas». وقد علّل قداسته هذا، مشيرًا إلى أُسس كريستولوجيّة وإنجيليّة وإكليزيولوجيّة:
 
«وهكذا يسير مركز "Cedia" على طريق الإنجيل، ويتبع آثار يسوع، ابن الله الذي صار إنسانًا ليس فقط ليشفي أمراضنا وبؤسنا، بل ليجعلهما أمراضه وبؤسه – ما عدا الخطيئة -، وعاش كأنّه واحدًا منّا في الضّعف وساوى نفسه مع كلّ إنسان متألّم، إلى درجة أنّه قال لنا: "كُلَّما صَنعتُم شَيئًا مِن ذلك لِواحِدٍ مِن إِخوَتي هؤُلاءِ الصِّغار، فلي قد صَنَعتُموه" (متّى 25، 40). [...]
 
في الواقع، إن فكّرنا في الأمر جيّدًا، "في كثير من المناسبات، المسيحيّون أيضًا يتأثّرون بمواقف مشبعة بالأيديولوجيّات الدّنيويّة أو التّوجّهات السّياسيّة والاقتصاديّة التي تؤدّي إلى تعميمات غير عادلة واستنتاجات مضلّلة.
 
إنّ احتقار ممارسة المحبّة أو الاستهزاء بها، كما لو أنّها هَوَس بعض الأشخاص وليست جوهر رسالة الكنيسة المتّقد، يدفعني إلى القول إنّه يجب علينا أن نقرأ من جديد الإنجيل، حتّى لا نوشك أن نستبدله بعقليّة دنيويّة.
 
لا يمكن أن ننسى الفقراء إن كنّا لا نريد أن نخرج ونبتعد عن تيّار الكنيسة الحيّ الذي ينبع من الإنجيل ويُخصِب كلّ لحظة تاريخيّة" (الإرشاد الرّسوليّ، لقد أَحبَبتُكَ، 15)». 
 
3. الشبابُ وشهادتهم للمسيح في العالَم المعاصر، من أجل "إنسانيّةٍ جديدة" 
في عشيّة صلاة البابا لاوُن الرابع عشر مع الشبيبة، في ساحة ليما بمدريد (6 يونيو/حزيران 2026)، دعا قداسته جميعَ الشباب والشبات إلى اتّباع "الربّ المعلّم" في نواحي حياتهم برمّتها، من أجل "إنسانيّةٍ جديدة"، ومن أجل تغيير التاريخ والمجتمع:
 
«إنّه يسير بخطواتنا وينير طريقنا. اتبعوا مثال الرّبّ المعلّم: هكذا أدعوكم إلى العمل، كرعاة ومربّين وأصدقاء. إن صلّيتم بحبّ، فسوف يقدّر الشّباب أهمّيّة الصّلاة. وإن اتّقدتم بالإيمان، فسوف تنقلون ناره المشتعلة. [...]
 
من هذا المنظور، أنتم أيّها الشّباب والشّابات، مدعوّون بشكل خاصّ إلى أن تعطوا اتّجاهًا جديدًا للمجتمع، فتصيروا عاملين رئيسيّين للتغيير انطلاقًا من علاقاتكم اليوميّة، وما تعيشونه في العائلة وفي الجامعة وفي العمل. عندما أراكم، أيّها الشّباب والشّابات الأعزّاء، ممتلئين بهذا الحماس الذي يحرّكه الإيمان، يملؤني الأمل عندما أفكّر في قدرتكم على الشّهادة للمسيح في العالم، بما في ذلك في الواقع الرّقمي، من أجل إيصال قِيَم الإنجيل وجماله (راجع الإرشاد الرّسوليّ ما بعد السّينودس، المسيح يحيا، 105؛ تحيّة في يوبيل المرسلين الرّقميّين، 29 تموز/يوليو 2025)».
[يُتبَع]