بقلم الأب يسطس الأورشليمى
ترك الحديث عن المعلمين الكذبة بعدما حذرنا منهُم، وعاد يوجه أنظارنا إلى حياتنا الداخلية، لئلا في دوامة الجهاد من أجل الإيمان المستقيم ننسى بناءنا الرُوحي الداخلي، فيقُول: فابنُوا أنفسكُم على إيمانكُم الأقدس..

وأساس الحياة الرُوحية: أن تقُوم على إيمان أقدس مستقيم، بلا انحراف هذا الإيمان يلزم أن يكُون مرتبط به الأعمال: فابنُوا، وهُنا يظهر ضرُورة الجهاد والعمل من جانبنا بقُوة الرُوح القُدس الساكن فينا..

مُصلّين في الرُوح القُدس، إذ كُل عمل أو جهاد يقُوم على غير الصلاة يكُون باطلاً، فهُناك نُوع من الوحدة المُشتركة غير المنفصلة بين الاثنين، فالصلاة الدائمة والفضائل، وكمال الصلاة هُو تاج بنيان كُل الفضائل..

فإذا لم تتحد كُل فضيلة اتحاداً مُحكماً بالصلاة بكُونها تاجها لا يكُون لها قُوة وثباتاً، ودوام الهدُوء في الصلاة وثباته لا يمكن أن يكُون أكيداً وكاملاً ما لم تسندها الفضائل، ولا يمكن اقتناء الفضائل التي تضع أساساتها اقتناءً كاملاً ما لم تثبت في الصلاة..            (القديس ما إسحق السرياني)

واحفظُوا أنفسكُم في محّبة الله، وكأن محبّة الله هي المظلّة التي نحتمي فيها ونستتر خلال الصلاة بالرُوح، وهذا يتطلب الجهاد والمثابرة..

من المفيد لنا أن نتأكد أنه بالرغم من أننا نجاهد في الفضائل جهاداً غير باطل، لا نستطيع بلُوغ الكمال بجهدنا وغيرتنا، فلا يكفي نشاط الإنسان وجهاده المجرد للبلُوغ إلى عطية النعمة الغنية ما لم يصُون جهاده التعاون مع الله وتوجيهات الله للقلب نحُو الحقّ..         (الأب بفنُوتيُوس)
مُنتظرين رحمة رّبنا يسُوع المسيح للحياة الأبدية..

ويكُون جهادنا في الصلاة، والتستر في محّبة الله غايته ترجى رحمة رّبنا يسُوع المُعلنة لنا بتقديمه الحياة الأبدية، لأنه ما هُو نفع إيماننا أو جهادنا بغير رجاء أو حُب للقاء مع العريس إلى الأبد؟!

هذا الرجاء هُو الذي ينزع عن عقُولنا محبة الأمُور الزمنية، محتقرين كُل الملذات الجسدية مقابل ما ننتظره من البركات السماوية.. 
 
ويربط الرجاء بالحُب، فلا يوجد حُب بدُون رجاء، ولا رجاء بدُون حُب ولا حُب أو رجاء بدُون إيمان، فيثبت الإيمان والرجاء والمحّبة، هذه الثلاثة ولكن أعظمهُن المحبّة، فلماذا المحّبة يا ترى؟! (1كو13:13)..

يحوّل الرسُول أنظار شعبه عن التفكير في الأحداث الجارية إلى التأمل في عمل نعمة الله داخلهُم خلال الإيمان، والرجاء، والمحّبة، فيقُول:
متذكّرين بلا انقطاع عمل إيمانكُم، وتعب محبتكُم، وصبر رجائكُم، رّبنا يسُوع المسيح، أمام الله وأبينا، أنظر (1تس2:1)..

كأنه يسألهُم ألا ينشغل فكرهُم في شيء غير هذه الأمُور، متذكّرين بلا انقطاع عمل الله فيهُم، ناسباً للإيمان العمل، وللمحّبة التعب، وللرجاء الصبر فمَن يُؤمن يحتمل الكثير، لأن إيمان الإنسان يُظهر خلال أعماله..

تعب محبتكُم، يُشير إلى ما ورد في سفر الأعمال، عن ياسُون وأهل بيته كيف احتملُوا الكثير من أجل محبتهُم للرسُولين بُولس وسيلا، ومحبتهُم للإنجيل، عندما ثار الأشرار عليهُم، راجع (أع5:17-7)..

عمل إيمانهُم، تعب محبتهُم، صبر رجائهُم، هذه الأمُور الثلاثة تُمثل وحدة واحدة لا يمكن تقسيمها عن بعضها البعض، فإن كان الإيمان بكلمة الحقّ يدفع المُؤمن للعمل لحساب الملكُوت الأبدي، فإنه يفتح القلب بالحُب لله والناس، فيشتهي المُؤمن أن يحمل صبر المسيح الذي من أجل السرُور الموضُوع أمامه احتمل الصليب مستهيناً بالخزي (عب2:12)..

حقاً أنه تأتي الأبدية فيزُول الإيمان، إذ نرى الله وجهاً لوجه، وينتهي الرجاء إذ ننعم بما كُنا نترجاه ونأخذ الميراث، لكن تبقى المحبّة التي لا تسقط أبداً، هذه المحّبة التي قامت على أساس الإيمان، وانطلق لهيبها خلال الرجاء، وفي بقاء الحُب الأبدي تكريم للإيمان وتتُويج للرجاء، لذلك يثبُت الإيمان، والرجاء، والمحّبة، هذه الثلاثة ولكن أعظمهن المحبّة..

وارحمُوا البعض مُميّزين..

إذ لنا رجاء في محّبة الله مُنتظرين الأبدية، يلزمنا ألاّ نيأس من جهة الآخرين بل نترفق بهُم، وهذا الترفق يكُون بتمييز وحكمة، فالبعض يحتاج إلى اللين في معاملته، والآخر نترفق به خلال التأديب والحزم معه حتى يرتدع، وذلك كقُول الآباء القديسين في معاملاتهُم:
يقُول القديس أغريغُوريُوس: لتكن المحبّة ولكن بدُون رخاوة، ولتكن القسُوة ولكن بدُون شدة، والشفقة غير مغالٍ في التسامح.. 

ويقُول القديس امبرُوسيُوس: يجب أن تكُون هُناك معايير حقيقية لكلماتنا وتعاليمنا حتى لا تأخذ مظهر اللين الزائد، أو القسوة المغالي فيها.. 

والقديس يُوحنا الدرجي يقُول: مَن يرعى الخراف لا ينبغي أن يكُون أسداً ولا نعجة، فلا تكن جامداً فتنكسر، ولا ليناً فتنعصر..

 وخلصُوا البعض بالخُوف، مُختطفين من النار، مُبغضين حتى الثوب المُدّنس من الجسد..

اجتهدُوا في إنقاذ تلك النفُوس بالخُوف، أي خلال التأديبات والإنذارات وذلك بالنسبة للمستهترين إلى حزم، إذ يقُول:
مُختطفين من النار، يُعلن عن ضرُورة الإسراع في اختطاف هذه النفُوس بغير توان من وسط النار المُشتعلة فيهُم..

وقُوله: مُبغضين حتى الثوب المُدنس من الجسد، تعني أننا في سعينا لخلاصهُم، نحذر لئلا ننجرف معهُم بدلاً من إنقاذهُم..

والقادر أن يحفظكُم غير عاثرين، ويُوقفكُم أمام مجده بلا عيبٍ في الابتهاج، الإله الحكيم الوحيد مُخلّصُنا، له المجد والعظمة والقُدرة والسلطان، الآن وإلى كُل الدهُور. آمين..

هكذا يختتم الرسُول رسالته بكلمة تملأ النفس رجاء، خاصة وأن أغلب الرسالة تحدثت عن المعلمين المخادعين الذين يتخفُون تحت اسم المسيح، ثم يعُود فيحدثهُم عن ضرُورة جهادهُم ومثابرتهُم وبحثهُم عن كُل نفس مع الحذر من الانحراف معهُم عن الإيمان المُسلّم مرةً للقدّيسين..

القادر أن يحفظكُم، مشجعاً إيانا ألاّ نخاف في الخدمة، لأن الله يستطيع أن يحفظنا بغير عثرة، ويهبنا حياة مُقدسة بلا عيب في الابتهاج، أي في يوم الدينُونة المُفرح، ويذّكرنا بالمجد الدائم والبهجة المُنتظرة الأمر الذي يُعطي للنفس أن تحمل الصليب بفرح، كما يذكّرنا بالإله الحكيم مُخلّصُنا، فهُو الله الواحد يعرف بحكمته كيف يُخلّص، وكيف ينقذ من المهالك؟!  

وأخيراً يذّكرنا بالتسبحة التي ينشدها أولاد الله، الذين ذاقُوا حلاوة العشرة مع المُخلّص، وسينشدُونها بفرح أيضاً إلى الآبد آمين..