بقلم الأب يسطس الأورشليمى

في وسط ظرُوف الأمة الحالكة الظلام، والفساد الذي دبّ على كُل المستويات من قادة سياسيين، ودينيين، ومدنيين، وعامة الشعب يكشف النبيّ عن حُب الله للإنسان مشتاقاً إلى تقديسه..

إن كان اسم النبيّ يكشف عن رسالته، ميخا يعني مَن مثل يهوه، فإن السفر في مجمله يتحدث عن:
ليس مثل الخطية في بشاعتها وتدميرها، لكن نعمة الله أعظم..
ليس مثل الأمة المُستعبدة للخطية، لكن مدينة الله تنتظرها..
ليس مثل القائد الشرّير مُحطم نفسه، لكن الله هُو قائدنا..
ليس مثل كنيسة العهد الجديد المرتفعة في السماويات..
ليس مثل الله غافر الخطايا المُحب للبشرّية كُلها..
كلمة ميخا اختصار لكلمة ميخاياهُو، وتعني مَن مثل الله..
ميخا النبيّ كارز ريفي، عاش في مُورشة جت، التي تبعد 20 ميلاً جنُوب أورشليم على حدُود فلسطين..

كان ميخا النبيّ معاصراً لإشعياء في أورشليم، ولعامُوس وهُوشع في المملكة الشمالية، تنبأ في منطقة أورشليم وصهيون لهذا جاءت نبواته منصبة عليهما، واستمرت 50 عاماً..

عاش في وقت صعب، فقد فتح الله عن عينيه ليرى معاصي يعقُوب، وخطايا إسرائيل، وأدرك برُوح النبُوة ما سيحل بإسرائيل كما بيهُوذا، فالظُلم في داخل الأسوار، والأعداء قادمُون من الخارج، وفي أيامه أخذ إسرائيل إلى السبي، وترك فرصة ليهُوذا..

التوبة هي الطريق للخلاص مما يحل من كوارث بسبب الخطية، بدُون توبة حتماً سيحل الدمار بهُم..
شجع المُؤمنين للتطلع إلى الله العامل وسط البشرّية، وأنه حتما يُخلّص من الظُلم الذي يسود المجتمع..
وبخ الأغنياء الظالمين، وشجع الفقراء برفع الظُلم عنهُم، فهُو: نبي الفقراء، لا يشغل ذهنه بالسياسة..

أشار إلى السبي البابلي، وذكر بابل بالاسم، وذلك قبل حدُوثه بقرن ونصف، كما دعي الشعب الراجع من السبي إلى إعادة بناء أسوار أورشليم، راجع الكتاب (مى10:4؛ 11:7).. 

يتسم سفر ميخا بالتحرك السريع من أسلوب إلى آخر، فيستخدم أسلُوب السؤال والإجابة والرثاء، ويُشير إلى العبادة الطقسية الواردة في أسفار مُوسى الخمسة، مُوضحاً غاية الله منها..

سفر ميخا حافل بالمفارقات، تارة يتحدث عن أورشليم التي تسقط تحت السبي فتتحطم، وأخرى يرفعنا إلى أورشليم الجديدة التي تجذب الأمم إلى الرّب وتخرج منها كلمة الله إلى جميع البشر، وبالنسبة للأمم، تارة يتحدث عنهُم، وقد سقطُوا تحت الغضب الإلهي، وأخرى وهُم قادمُون إلى الإيمان، ليتمتعُوا بالبركات الإلهية السماوية..

لم يستخدم ميخا النبيّ أية حجج لتأكيد نبُوته، ومع بساطته ككارز ريفي يحمل أعماقاً رُوحية فريدة، يتطلع إلى الأغنياء وظُلمهم للفقراء، ويحسب أنهم مصابين بمرض عديم الشفاء..

بدأ ميخا نبُواته بعد أن بدأ إشعياء بـ 18 عاماً، بينما كان ما يشغل إشعياء النبيّ هُو العاصمة أورشليم، كان ميخا النبيّ مُتعاطفاً بجاذبية خاصة نحو بيت لحم، فكان نبي الشعب..

كان إشعياء النبيّ رجلاً أرستقراطياً مُرتبطاً بقوة بالعاصمة، ملماً بالعمل السياسي الخاص بأمته، شاعراً قديراً، أما ميخا النبيّ فكان قروياً أقل رقة منه يميل أسلوبه إلى الخشُونة والقسوة..

الخطية في ذهن إشعياء هي تدنيس هيكل الرّب، أما بالنسبة لميخا فهي سلب الفقير المدين رداءه، وطرد نساء شعب الله بيوتهن المُبهجة، كان إشعياء كارزاً بالإيمان الذي يتطلب حفظ ما يليق بقداسة الله، أما ميخا فكان نبياً للعدالة الإلهية لحفظ حقُوق المساكين..

ليس فقط أن ميخا عاش في منطقة مجاورة لبيت عامُوس، إنما شابهه في أشياء كثيرة، لقد تأثر برُوح عامُوس حتى دُعي مبعُوث عامُوس إلى الحياة، كُل من النبيين الريفيين هاجم الفساد، والظُلم الاجتماعي في أيامه، حيثُ كان الأغنياء يُسيئُون استغلال الفلاحين..

لم تقف رسالتهما عند مقاومة الظُلم، وإنما هاجما أيضاً الوضع الديني المُؤلم، حيثُ دبت الرشُوة بين الكهنة، والأنبياء الكذبة، والقضاة، وتوقفت العبادة عند الشكل الخارجي، وتقديم ذبائح حيوانية، وتقدمات بدُون حياة مُقدسة، واهتمام بالوصية الإلهية، لقد تطلع أغلب الدارسين إلى السفر، بكُونه من وضع ميخا النبيّ، بوحي الرُوح القُدس..

القسم الأول: نبُوات تأديبية (1-3)، حيثُ يُركز على صدُور حكم الله الوشيك حدوثه مع لوم موجه ضد قادة اليهُود، إذ سقطت إسرائيل وحل بها الخراب في السنة السادسة لحزقيا، كما حلّ بها الخراب بواسطة أشُور بكُونها أخطر عدُو لإسرائيل في ذلك الحين، كما سقطت يهُوذا في الشرّ، لم يرد الرّب تأديبهما إلا بعد أن يُشهد الشعُوب عليهما، مع التأديب يكشف الله عن سبب الداء ليشفي، يجرح ويعصب..

القسم الثاني: نبُوات مسيانية (4؛ 5)، حيثُ تعمل النعمة الإلهية، يكشف عن الجانب الإيجابي الخاص بإصلاح صهيون، إن كان إسرائيل ويهُوذا قد فسدا، فالحاجة إلى المسيّا المُخلّص لإصلاحهما، وقد كشف عن الأمراض التي حلت بهما، المسيّا هُو الجبل المُقدس، عليه تقُوم المدينة المُقدسة، أي الكنيسة بكُونها أساس إيماننا، يفتح الباب للأمم، ويهب السلام الداخلي، يملك على صهيون (القلب) أبدياً..

القسم الثالث: دعوى قضائية (6؛ 7)، تتحول القضية إلى ضد إسرائيل بسبب كسرهم العهد الإلهي، ويُؤكد لهُم أنه لا يُسر بحرفيات العبادة في ذاتها، إنما يطلب القلب، ويوضح أن شرّنا هُو علة التأدب..

بدأ السفر بتأديب الأمة المُنقسمة وانتهي بشعب واحد مجيد..
ينتهي السفر بصلاة لأجل إصلاحهُم وإعلان مراحم الله..