بقلم الأب أغسطينوس بالميلاد ميلاد سامي ميخائيل بطرس طوس... ــــــــ F Oghos Melad
أنت تستحق أن تقرأ وتفهم مشروع الله لك
الجزء الأول:
الإفخارستيا
سر الشكر والشركة:
قراءة لاهوتية وإنسانية في أبعاد الإفخارستيا وحياة الجماعة
مقدمة:
ليست الإفخارستيا طقساً عابراً يعبر في ساعات الصلاة ثم ينتهي بانطفاء الشموع وخروج المؤمنين من أبواب الكنيسة، بل هي نبض الحياة المسيحية العميق، والسر الذي تتلاقى فيه السماء بالأرض، والزمن بالأبدية، والإنسان بالله. إنها المائدة التي لا يجلس حولها الغرباء، بل الأبناء؛ حيث ينكسر الخبز، لا ليُشبع الجسد فقط، بل ليعيد ترميم الروح المتعبة، ويجمع القلوب التي مزقتها الأنانية والانقسام.
ففي عالم يزداد قسوة وتفككاً، تبقى الإفخارستيا دعوة إلهية هادئة إلى الشركة والمحبة والغفران. إنها المدرسة التي يتعلم فيها الإنسان كيف يخرج من سجن ذاته الضيق، ليدخل إلى رحابة “نحن”؛ حيث لا يعود الآخر خصماً أو منافساً، بل أخاً يشترك معه في الخبز الواحد والكأس الواحدة والرجاء الواحد.
إن سر الشكر لا يبدأ عند المذبح وينتهي عنده، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة كلها. فالمؤمن الذي يقترب من الجسد المقدس مدعو لأن يصير هو نفسه خبزاً مكسوراً لأجل الآخرين، ورحمةً للمتعبين، وسنداً للضعفاء، وصانع سلام وسط عالم يتقن صناعة الخصام.
ولهذا، لم تنظر الكنيسة عبر تاريخها إلى الإفخارستيا كفكرة لاهوتية مجردة، بل كحياة تُعاش. فمن المائدة المقدسة خرجت المحبة الأخوية، وخدمة الفقراء، واحتمال الضعفاء، والعمل الجماعي، وروح الجماعة الواحدة التي ترى في اختلاف أعضائها غنىً لا تهديداً، وتكاملاً لا انقساماً.
إن الإفخارستيا، في عمقها الحقيقي، ليست فقط سر حضور المسيح، بل أيضاً سر حضور الإنسان لأخيه الإنسان. فمن يتناول من الجسد الواحد، ولا يحمل في قلبه اتساعاً للآخر، يبقى بعيداً عن فهم السر وإن اقترب من المذبح ألف مرة.
ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة، التي تحاول أن تقرأ الإفخارستيا قراءة لاهوتية وإنسانية وروحية، لا تقف عند حدود الطقس، بل تمتد إلى أثره في بناء الجماعة، وتشكيل الوعي، وصناعة الإنسان الجديد القادر على المحبة، والصفح، والشركة، وبذل الذات.
إنها محاولة للتأمل في سر الشكر، لا كعقيدة تُشرح فقط، بل كحياة تتجسد في الفرح، والوحدة، والعمل المشترك، واحتمال الآخر، والغفران، وإخلاء الذات، حتى تتحول الكنيسة كلها إلى ليتورجيا حية تسير وسط العالم شاهدةً للمسيح الذي كسر ذاته خبزاً من أجل حياة الجميع.
✍️: بقلم الأب أغسطينوس بالميلاد ميلاد سامي ميخائيل بطرس طوس...
_______________________
الجزء الأول:
الإفخارستيا
سر الشكر والشركة:
قراءة لاهوتية وإنسانية في أبعاد الإفخارستيا وحياة الجماعة
إن سر الإفخارستيا (سر الشكر) ليس مجرد ممارسة طقسية مقتطعة من الزمن، بل هو المحور اللاهوتي والوجودي الذي يعيد صياغة الكيان الإنساني ويدمجه في جسد المسيح السري (1).
ففي الإفخارستيا، يتلاقى اللاهوت الفائق بالواقع الإنساني المعاش، حيث تتحول ذبيحة المذبح إلى دستور حياة للجماعة المؤمنة (2). إنها دعوة للعبور من "الأنا" الفردية المنغلقة إلى "الجميع" المشتركين في الخبز الواحد، بروح الفرح، والصفح، وإنكار الذات، وتقبل الآخر لخير الجماعة وبنيانها (3).
1 ـ التأسيس اللاهوتي:
روح الفرح والبهجة الخلاصية يرتبط سر الإفخارستيا لاهوتياً بفرح القيامة ووليمة العرس السماوي. فالإفخارستيا في جوهرها اللغوي والطقسي هي "صلاة شكر" ممتدة، والشكر المسيحي لا ينفصل عن البهجة الداخلية بالخلاص والحضور الإلهي الدائم. هذا الفرح يحرر الإنسان من إحباطات الواقع ويمنحه طاقة متجددة لخدمة الجماعة.
أ ـ الشاهد الإنجيلي: «وَكَانُوا كُلَّ يَوْمٍ يُواظِبُونَ فِي الْهَيْكَلِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ. وَإِذْ هُمْ يَكْسِرُونَ الْخُبْزَ فِي الْبُيُوتِ، كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ الطَّعَامَ بِبَهْجَةٍ وَبَسَاطَةِ قَلْبٍ» (أعمال الرسل 2: 46).
ب ـ البُعد الآبائي: يؤكد القديس يوحنا ذهبي الفم على هذا الفرح الفائق بربطه بجود الله الممتد على المائدة قائلاً: "أي لسان يمكنه التعبير عن إحسانات الله؟
إنه يجعلنا شركاء في مائدته، ولا يمنعنا بسبب خطايانا، بل يملأ نفوسنا بهجة وسلاماً يتجاوز كل عقل" (4).
2 ـ السر والجسد:
الاشتراك والمشاركة الجماعية في المنظور الأكاديمي للاتحاد السرائري (Sacramental Union)، لا يعود المؤمنون مجرد أفراد تجمعهم عقيدة واحدة، بل يصبحون أنطولوجياً (وجودياً) أعضاء في جسد واحد (5).
الخبز الواحد الذي يُكسر ويُوزع، يلاشي التباينات الطبقية والاجتماعية ليعيد صياغة الهوية الإنسانية في المسيح (6).
أ ـ الشاهد الإنجيلي: «فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ، جَسَدٌ وَاحِدٌ، لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ» (1 كورنثوس 10: 17).
ب ـ البُعد الآبائي: يعمق القديس كيرلس الكبير هذا المفهوم برؤية لاهوتية دقيقة تفيد بأن الاتحاد بالإفخارستيا يفوق الاتحاد الفكري ليصبح اتحاداً حقيقيًا: "لكي يجمعنا الرب معاً في وحدة، على الرغم من تميزنا كأفراد بأجسادنا ونفوسنا، فإنه دبر وسيلة بحكمته؛ إذ يقدس المؤمنين بجسده الواحد في المناولة السرية، ويجعلهم جسداً واحداً معه ومع بعضهم البعض"(7).
3. لاهوت الوحدة:
تقبل الآخر واحتواء الاختلاف تتجلى القيمة الإنسانية والروحية للإفخارستيا في قدرتها الفائقة على استيعاب التنوع وتقبل الآخر(😎.
الجماعة الإفخارستية ليست جماعة متجانسة في الآراء، أو الطباع، أو الخلفيات الثقافية؛ بل هي كنيسة جامعة تضم المتنوعين تحت مظلة الرأس الواحد.
إن قبول الآخر المختلف فكرياً وسلوكياً هو المحك الحقيقي لصدق المشاركة في جسد الرب. فالمائدة المقدسة تتسع للجميع، ومن يرفض أخاه بسبب اختلاف في الرأي أو الطبع، يكسر وحدة الجسد السري.
أ ـ الشاهد الإنجيلي: «قَبِلُوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً كَمَا قَبِلَكُمُ الْمَسِيحُ أَيْضاً لِمَجْدِ اللهِ» (رومية 15: 7). ب ـ البُعد الآبائي: يصيغ القديس أغسطينوس هذا المفهوم في عبارته الشهيرة التي توازن بين الوحدة والحرية: "في الأساسيات وحدة، في غير الأساسيات (الآراء والطباع) حرية، وفي كل شيء المحبة" (9).
ويضيف في تأمله عن الخبز الإفخارستي: "تذكروا أن الخبز لا يُصنع من حبة قمح واحدة، بل من حبات كثيرة اجتمعت معاً وطُحنت وعُجنت بالماء لتصير خبزاً واحداً. هكذا أنتم، تقبلوا اختلافكم لكي تصيروا واحداً بالمحبة" (10).
4. البُعد الأخلاقي:
مدرسة الصفح والغفران من الناحية المنهجية، تعتبر الإفخارستيا شرطاً ومصدراً للمصالحة الروحية والاجتماعية (11).
المائدة الإلهية هي امتداد لغفران الصليب، وبالتالي، فإن الاقتراب منها بقلب يحمل ضغينة يُعد تناقضاً جوهرياً مع طبيعة السر.
الصفح هنا ليس خياراً عاطفياً بل ضرورة لاهوتية لشفاء العلاقات الإنسانية داخل الجماعة.
أ ـ الشاهد الإنجيلي: «فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ، فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ» (متى 5: 23-24).
ب ـ البُعد الآبائي: يحذر القديس يوحنا ذهبي الفم بشدة من عزل الطقس عن السلوك الأخلاقي والصفح تجاه الإخوة قائلاً: "ما المنفعة من أن تتقدم لمائدة الرب وأنت ممتلئ عداوة؟
إن المسيح بذل نفسه ليصنع صلحاً بين الأرض والسماء، فكيف تقترب من ذبيحة السلام والصلح وأنت في حرب مع أخيك؟ اغفر أولاً، لكي تنال الغفران من المائدة" (12).
5. إخلاء الذات:
تقدمة الأتعاب لبنيان الكنيسة تقتضي المشاركة في سر المسيح تبني منهج "الإخلاء" (Kenosis)؛ أي إنكار الذات والتخلي عن الأنانية المتمركزة حول "الأنا" (13).
يتحول المؤمن من مستهلك للنعم إلى تقدمة حية، حيث تُرفع الأتعاب اليومية، الآلام، والمواهب الشخصية على مذبح الحب الأخوي لخير الجماعة العام.
أ ـ الشاهد الإنجيلي: «فأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ اللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ، عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ» (رومية 12: 1).
ب ـ البُعد الآبائي: يربط القديس أغسطينوس بين ذبيحة المسيح وذبيحة الجماعة التي تقدم ذاتها قائلاً: "هذا هو سر المسيحيين: نحن الكثيرون نصير جسداً واحداً في المسيح. والكنيسة في هذا السر الذي تقرّبه، تُقدّم هي نفسها ذبيحة لله من خلال الجسد الذي تنتمي إليه" (14).
6. الامتداد العملي:
الإفخارستيا والحياة والعمل الجماعي في الكنيسة لا تتوقف الإفخارستيا عند حدود الطقس داخل الجدران، بل هي المحرك الأساسي للعمل الجماعي والخدمة المشتركة في الكنيسة والمسيحية (15).
ولاهوتياً، العمل الجماعي ليس مجرد تنظيم إداري، بل هو انعكاس لسر الشركة (Koinonia) المتدفق من المائدة المقدسة.
فمن يشترك في جسد الرب الواحد، يندفع تلقائياً لخدمة الجماعة بروح الفريق الواحد، حيث تتكامل المواهب وتتضافر الجهود لخير الجميع دون منافسة أو صراع (16).
إن المسيحية تاريخياً ترجمت هذا السر إلى عمل مجتمعي وتنموي؛ فالمناولة ألهمت المؤمنين عبر العصور لإنشاء الملاجئ، المستشفيات، وخدمة الفقراء والمهمشين كجزء لا يتجزأ من عبادتهم. العمل الجماعي الكنسي يصبح هكذا امتداداً حياً للمذبح، حيث يمثل تقديم الوقت والجهد والفكر لخير الآخرين استمراراً لسر بذل الذات وإخلاء النفس.
أ ـ الشاهد الإنجيلي: «وَالعِلِّينَ آمَنُوا كَانُوا مَعًا، وَكَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا. وَالأَمْلاَكُ وَالْمُقْتَنَيَاتُ كَانُوا يَبِيعُونَهَا وَيَقْسِمُونَهَا بَيْنَ الْجَمِيعِ، كَمَا يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ احْتِيَاجٌ» (أعمال الرسل 2: 44-45).
ب ـ البُعد الآبائي: يربط القديس يوحنا ذهبي الفم بين تكريم المذبح السرائري وتكريم المذبح البشري المتمثل في الفقير والعمل الجماعي بقوله: "تريد أن تكرم جسد المسيح؟ لا تهمله وهو عريان في الإخوة. ولا تكرمه هنا في الكنيسة بأثواب حريرية، بينما تتركه في الخارج يموت برداً وعرياً. لأن الذي قال: هذا هو جسدي، هو نفسه الذي قال: رأيتموني جائعاً فلم تطعموني" (17).
7 ـ هل يحق أو مسموح للرهبان أو الراهبات تناول جسد ودم الرب بأيديهم؟
الإجابة المباشرة هي: لا
لا يُسمح للرهبان أو الراهبات (غير الحاصلين على رتبة كهنوتية) بتناول جسد ودم الرب بأيديهم في الكنائس التقليدية (الأرثوذكسية والكاثوليكية الشرقية)، بل يتلقون الأسرار المقدسة من يد الكاهن أو الأسقف مباشرة كبقية العلمانيين.
8 ـ التقييم القانوني والطقسي لطريقة مناولة الرهبان والراهبات في التقليد الكنسي
تخضع الممارسات الليتورجية في الكنائس التقليدية (الأرثوذكسية والكاثوليكية الشرقية) لمنظومة صارمة من القوانين الكنسية والتقاليد الآبائية التي تنظم إدارة الأسرار المقدسة.
وفيما يخص السؤال حول مدى جواز تناول الرهبان والراهبات لجسد ودم الرب بأيديهم، فإن الإجابة القانونية والطقسية المعاصرة هي المنع، حيث يتلقى الرهبان والراهبات (غير الحاصلين على درجات كهنوتية) الأسرار بالفم من يد الكاهن كبقية أعضاء الكنيسة (19).
ويستند هذا التنظيم إلى اعتبارات لاهوتية وتطورات تاريخية وقوانين مجمعية محددة.
9 ـ التمييز اللاهوتي بين الحريّة الرهبانية والدرجة الكهنوتية
من الناحية القانونية، لا تُعد الرهبنة درجة من درجات الكهنوت (Order)، بل هي رتبة توبة ونسك وسلوك كمالي مسيحي (20).
بناءً على هذا التمييز الأنطولوجي في الوظائف الكنسية، فإن الراهب العادي أو الراهبة لا يملكان السلطان الكهنوتي الذي يمنح حق لمس الأسرار المقدسة أو توزيعها (21).
أما في حالة "الراهب القس" (Hieromonk)، أي الراهب الذي نال السيامة الكهنوتية بوضع اليد، فإنه يتناول بيده داخل الهيكل المقدس؛ ولكن هذا الحق يمارسه بصفته حاملاً للسر الكهنوتي وليس لكونه راهباً (22).
فالأديرة والمذابح تخضع لذات الترتيب الطقسي الذي يقصر التعامل المباشر مع الأواني المقدسة على ذوي السيامة (23).
10 ـ التطور التاريخي للمناولة باليد وقوانين المجامع
شهدت الكنيسة الجامعة تحولاً منهجياً في طريقة تقديم المناولة عبر القرون. ففي العصور الأولى، كان التقليد المستقر يسمح لجميع المؤمنين، بمن فيهم الرهبان في البراري، بتلقي الجسد المقدس بأيديهم (24).
وكان المتناول يضع كفه الأيمن فوق الأيسر على شكل صليب ليتلقى الجسد، وهو ما وثقته المأثورات الآبائية المبكرة (25).
ومع ذلك، أدى اتساع الكنيسة ودخول جماهير غفيرة إليها إلى ظهور مخاوف لاهوتية وعملية؛ مثل خوف سقوط أجزاء صغيرة (جواهر) من الجسد على الأرض، أو تعرض الأسرار للإهانة أو التدنيس أو السحر (26).
وبناءً على ذلك، أصدرت الكنيسة تشريعات حاسمة لمنع التناول باليد: مجمع ترولو (المجمع الخمس مائدي المكمل للمجمعين الخامس والسادس سنة 692م): أصدر هذا المجمع القانون رقم 101، الذي شدد على كرامة الإنسان كأيقونة لله، ولكنه في ذات الوقت أسس للتنظيم الذي يحظر على العلمانيين (والرهبان من ضمنهم) أخذ الأسرار بأيديهم إذا كان الكاهن حاضراً، منعاً لأي تجاوز (27).
وبحلول القرن التاسع الميلادي، اختفت المناولة باليد تماماً في الشرق المسيحي، واستُبدلت باستخدام "الملعقة المقدسة" (المستير) للمزج، والتلقي بالفم مباشرة لضمان التوقير المطلق (28).
11 ـ التدبير الاستثنائي لرهبان البراري (الأنكوريتس)
يكشف تاريخ الرهبنة القديم في البراري المصرية والفلسطينية عن استثناء قانوني طقسي كان يُعرف بـ"تدبير الضرورة" (Oikonomia) (29).
فقد كان الرهبان المتوحدون والنساك الذين يعيشون في مغاير نائية جداً، ويعتزلون العالم لشهور أو سنوات دون وجود كاهن أو كنيسة، يحصلون على إذن خاص بأخذ أجزاء من الجسد المقدس (المسبق التقديس) معهم إلى قلاليهم (30).
وكان هؤلاء الرهبان يتناولون بأيديهم في أيام محددة من الأسبوع بروح من الخوف والارتعاد النسكي (31).
غير أن القوانين الكنسية اللاحقة ألغت هذا التدبير استناداً إلى انتفاء الضرورة بعد تأسيس نظام الأديرة المشتركة (Cenobitic) وبناء الكنائس داخل الأسوار الديرية، حيث يُقام القداس الإلهي بانتظام بواسطة رهبان قساوسة (32).
12 ـ التباين القانوني بين الشرق والغرب (الكاثوليكية اللاتينية)
يظهر تباين تشريعي واضح بين العائلات الكنسية في العصر الحالي: في الكنائس الشرقية (الأرثوذكسية والكاثوليكية الشرقية): لا يوجد أي سماح للرهبان أو الراهبات بالتناول باليد، والالتزام بالصيغة الليتورجية (بالفم عبر الملعقة أو من يد الكاهن) هو أمر حتمي وقانوني لا يُستثنى منه أحد (33).
في الكنيسة الكاثوليكية الغربية (اللاتينية): تغير الوضع القانوني بعد المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965).
إذ أصدرت الجمعية المقدسة للعبادة الإلهية قرارها الشهير "Memoriale Domini" عام 1969، والذي فتح الباب للمجالس الأسقفية المحلية لطلب السماح بالمناولة باليد كخيار متاح إلى جانب التناول بالفم (34).
بناءً على هذا التشريع الغربي، يُسمح للرهبان والراهبات الكاثوليك في الغرب بالتناول باليد وفقاً للتدبير المعمول به في إبراشياتهم (35).
تأمل روحي:
الكنيسة كليتورجيا مستمرة في العالم إن الليتورجيا (الخدمة الجماعية) لا تنتهي بانصراف المؤمنين من الكنيسة، بل تمتد لتصبح "ليتورجيا بعد الليتورجيا" (18).
الخبز السماوي يعطي المؤمن القوة ليتحول هو نفسه إلى خبز مكسور لإشباع احتياجات الآخرين النفسية والمادية.
إن قبول الاختلاف، واحترام طباع الآخرين، والعمل بروح الفريق الواحد في الكنيسة والمجتمع، هو الامتداد الحقيقي للقداس الإلهي في مجالات الحياة اليومية.
عندما ننكر ذواتنا ونصالح إخوتنا، نتحول من مجرد "متناولين" للسر إلى "شهود" فاعلين لقوة القيامة في عالم يمزقه الانقسام.
صلاة ختامية ليتورجية:
أيها الرب يسوع المسيح، يا من جعلت من مائدتك المقدسة ينبوعاً للوحدة والشفاء، نسألك أن تفيض بنعمتك الإفخارستية في قلوبنا.
أنعم علينا بروح الفرح الخلاصي، واغرس فينا اتضاعك الإلهي لنقبل إخوتنا بروح المحبة والاتساع، مقدّرين تنوع طاقاتهم واختلاف طباعهم وأفكارهم تحت مظلة جسدك الواحد.
طهر عقولنا من كبرياء الرأي ومن الانغلاق حول ذواتنا، ووفق خطواتنا في العمل الجماعي لخدمة اسمك القدوس وبنيان شعبك.
هبنا قلوباً سريعة الصفح والغفران، واجعل من أتعابنا اليومية وتضحياتنا بصمت تقدمة شكر مقبولة أمام جلالك لخير وبنيان كنيستك المقدسة. لكي نكون، بكسر الخبز وبساطة القلب، أيقونة حية لملكوتك، لك المجد مع أبيك الصالح والروح القدس المحيي، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع والأدلة الأكاديمية والقانونية، مع ترجمة للمراجع الأجنبية
ـ الكتاب المقدس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ ** Zizioulas, John D.** Being as Communion: Studies in Personhood and the Church. Crestwood: St Vladimirs Seminary Press, 1985, p. 115.
1 - ** زيزيولاس، جون د. ** الوجود كشركة: دراسات في الشخصية والكنيسة. كريستوود: مطبعة معهد القديس فلاديمير اللاهوتي، 1985، ص 115.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2 ـ ** Schmemann, Alexander. ** For the Life of the World: Sacraments and Orthodoxy. Crestwood: St Vladimirs Seminary Press, 1973, p. 27.
٢ - ** شميمان، ألكسندر. ** من أجل حياة العالم: الأسرار المقدسة والأرثوذكسية. كريستوود: مطبعة معهد القديس فلاديمير اللاهوتي، ١٩٧٣، ص ٢٧.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
3 ـ ** Dix, Dom Gregory. ** The Shape of the Liturgy. London: Dacre Press, 1945, p. 12
٣ - ** ديكس، دوم غريغوري. ** شكل الليتورجيا. لندن: دار داكر للنشر، ١٩٤٥، ص ١٢
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
4 ـ ** القديس يوحنا ذهبي الفم. ** العظات على رسالة كورنثوس الأولى، العظة 24. تعريب: مركز دراسات الآباء، القاهرة، 2005، ص 182.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
5 ـ ** Afanasiev, Nicholas. ** "The Church Which Presides in Love," in The Primacy of Peter. London: Faith Press, 1963, p. 74.
5 ـ ** أفاناسييف، نيكولاس. ** "الكنيسة التي ترأس بالمحبة"، في كتاب أولوية بطرس. لندن: دار فيث برس، 1963، ص 74.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
6 ـ ** الراهب متى المسكين. ** الإفخارستيا: عشاء الرب، أساس وحدة الكنيسة. وادي النطرون: دير القديس أنبا مقار، 1977، ص 245.
7 ـ ** القديس كيرلس الكبير. ** تفسير إنجيل يوحنا، الكتاب الحادي عشر، الفصل الحادي عشر. ترجمة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، القاهرة، 2011، ص 304.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
8 ـ ** Congar, Yves. ** The Mystery of the Church. London: Geoffrey Chapman, 1960, p. 89
٨ - ** كونغار، إيف. ** سر الكنيسة. لندن: جيفري تشابمان، ١٩٦٠، ص ٨٩
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
9 ـ ** القديس أغسطينوس. ** رسائل القديس أغسطينوس، الرسالة 86 (تُنسب إليه تاريخياً كقاعدة عامة للمصالحة والحرية في الكنيسة).
10 ـ ** القديس أغسطينوس.** العظات، العظة 227 (عظة للموعوظين الجدد حول سر الإفخارستيا). ترجمة مطرانية طنطا، 2014، ص 45.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
11 ـ ** Meyendorff, John. ** Byzantine Theology: Historical Trends and Doctrinal Themes. New York: Fordham University Press, 1979, p. 201.
11 - ** مايندرف، جون. ** اللاهوت البيزنطي: الاتجاهات التاريخية والمواضيع العقائدية. نيويورك: مطبعة جامعة فوردهام، 1979، ص 201.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
12 ـ ** القديس يوحنا ذهبي الفم. ** العظات على إنجيل متى، العظة 50، الفصل الثالث. منشورات النور، بيروت، 1998، ص 142.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
13 ـ ** Moltmann, Jürgen. ** The Church in the Power of the Spirit. London: SCM Press, 1977, p. 252.
13 - ** مولتمان، يورغن. ** الكنيسة في قوة الروح. لندن: دار نشر إس سي إم، 1977، ص 252.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
14 ـ ** القديس أغسطينوس. ** مدينة الله، الكتاب العاشر، الفصل السادس. ترجمة: دار المشرق، بيروت، 2003، ص 412.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
15 ـ ** Yannaras, Christos. ** The Freedom of Morality. Crestwood: St Vladimirs Seminary Press, 1984, p. 138.
15 - ** ياناراس، كريستوس. ** حرية الأخلاق. كريستوود: مطبعة معهد القديس فلاديمير، 1984، ص 138.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
16 ـ ** اللاهوتي كوستي بندلي. ** الإفخارستيا والالتزام الاجتماعي. طرابلس: منشورات النور، 1981، ص 58-63.
17 ـ ** القديس يوحنا ذهبي الفم. ** العظات على إنجيل متى، العظة 50، الفصل الرابع. مصدر سابق، ص 145.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
18 ـ ** Bria, Ion.** The Liturgy after the Liturgy: Mission and Witness from an Orthodox Perspective. Geneva: WCC Publications, 1996, p. 19.
18 - ** بريا، أيون. ** الليتورجيا بعد الليتورجيا: الرسالة والشهادة من منظور أرثوذكسي. جنيف: منشورات مجلس الكنائس العالمي، 1996، ص 19.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
19 ـ ** Meyendorff, John. ** The Orthodox Church: Its Past and Its Role in the World Today. New York: Pantheon Books, 1962, p. 144.
19 - ** مايندرف، جون. ** الكنيسة الأرثوذكسية: ماضيها ودورها في العالم اليوم. نيويورك: بانثيون بوكس، 1962، ص 144.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
20 ـ ** Chitty, Derwas J.** The Desert a City: An Introduction to the Study of Egyptian and Palestinian Monasticism under the Christian Empire. Oxford: Basil Blackwell, 1966, p. 88.
20 ـ ** تشيتي، درواس ج. ** الصحراء مدينة: مدخل لدراسة الرهبنة المصرية والفلسطينية في ظل الإمبراطورية المسيحية. أكسفورد: باسل بلاكويل، 1966، ص 88.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
21 ـ ** جلال، الأرشمندريت أديب. ** مجموعة القوانين الكنسية (مجمع ترولو والمجامع المسكونية). بيروت: منشورات المكتبة البولسية، 1995، ص 312.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
22 ـ ** Taft, Robert F.** The Byzantine Rite: A Short History. Collegeville: Liturgical Press, 1992, p. 57.
22 - ** تافت، روبرت ف.** الطقوس البيزنطية: تاريخ موجز. كولجفيل: دار النشر الليتورجية، 1992، ص 57.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
23 ـ ** المشري، القمص صموئيل. ** القوانين الطقسية لإدارة الأسرار الإلهية. الإسكندرية: دار نشر الكنيسة، 1988، ص 119.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
24ـ ** القديس باسيليوس الكبير. ** الرسائل، الرسالة 93 (إلى العذراء قيصرية حول التناول المستمر). ترجمة: مركز دراسات الآباء، القاهرة، 2008، ص 76.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
25 ـ ** القديس كيرلس الأورشليمي. ** المقالات التعليمية للموعوظين (المقالة الخامسة عن الأسرار)، الفصل 21. ترجمة: مطرانية بورسعيد، 2002، ص 195.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
26 ـ ** Dix, Dom Gregory. ** The Shape of the Liturgy. London: Dacre Press, 1945, p. 592.
26 - ** ديكس، دوم غريغوري. ** شكل الليتورجيا. لندن: دار داكر للنشر، 1945، ص 592.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
27 ـ ** Percival, Henry R.** The Seven Ecumenical Councils of the Undivided Church. (Nicene and Post-Nicene Fathers, Vol. 14). Grand Rapids: Wm. B. Eerdmans, 1956, p. 407.
٢٧ - ** بيرسيفال، هنري ر. ** المجامع المسكونية السبعة للكنيسة غير المنقسمة. (آباء نيقية وما بعد نيقية، المجلد ١٤). غراند رابيدز: ويليام ب. إيردمانز، ١٩٥٦، ص ٤٠٧.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
28 ـ ** Mateos, Juan. ** Le Typicon de la Grande Église. Roma: Pontificium Institutum Orientalium Studiorum, 1962, p. 210.
28 ـ ** ماتيوس، خوان. ** Le Typicon de la Grande Église. روما: المعهد البابوي الشرقي Studiorum، 1962، ص. 210.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
29 ـ ** Harmless, William. ** Desert Christians: An Introduction to the Literature of Early Monasticism. Oxford: Oxford University Press, 2004, p. 231.
29 - ** هارملس، ويليام. ** مسيحيو الصحراء: مقدمة في أدب الرهبنة المبكرة. أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد، 2004، ص 231.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
30 ـ ** الراهب متى المسكين. ** الحياة الرهبانية الأولى في البرية المصرية. وادي النطرون: دير القديس أنبا مقار، 1982، ص 340-342.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
31 ـ قيدار، يوحنا. (تاريخ الرهبان في مصر)، (Historia Monachorum in Aegypto). لوفان، 1971، ص 105.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
32 ـ ** فؤاد، الدكتور أسعد. ** التشريع الرهباني والقوانين الباخومية. القاهرة: دار الفكر اللاهوتي، 1999، ص 167.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
33 ـ ** Schmemann, Alexander. ** Introduction to Liturgical Theology. Portland: American Orthodox Church Books, 1966, p. 94.
33 - ** شميمان، ألكسندر. ** مقدمة في اللاهوت الليتورجي. بورتلاند: منشورات الكنيسة الأرثوذكسية الأمريكية، 1966، ص 94.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
34 ـ ** Sacred Congregation for Divine Worship. ** Instruction Memoriale Domini (May 29, 1969): AAS 61 (1969), pp. 541-545.
34 - ** المجمع المقدس للعبادة الإلهية. ** (نصب تذكاري لتعليمات الرب) (Instruction Memoriale Domini) (29 مايو 1969): AAS 61 (1969)، ص 541-545.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
35 ـ ** Flannery, Austin. ** Vatican Council II: The Conciliar and Post Conciliar Documents. New York: Costello Publishing Company, 1996, p. 152.
35 ـ ** فلاني، أوستن. ** المجمع الفاتيكاني الثاني: وثائق المجمع وما بعد المجمع. نيويورك: شركة كوستيلو للنشر، 1996، ص 152.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
✍️: بقلم الأب أغسطينوس بالميلاد ميلاد سامي ميخائيل بطرس طوس... ــــــــ F Oghos Melad





