كمال زاخر 
الخميس ٢٤ يونيو ٢٠٢٦ 
ما يحدث بين ظهرانينا اليوم غير منبت الصلة بما تشكل ورُسم عبر القرنين الفائتين، والذى تبلور فى النصف الأخير من القرن العشرين، في تجربتي جماعة الأمة القبطية ومدارس الأحد؛ واللتان يحتاجان لإطلالة عليهما، النشأة والرؤية والصدام، وما آلت إليه كل من التجربتين، ومن يتوقف عندهما تتجمع عنده العديد من الأسئلة، لكنها تبقى مفتقرة لاجاباتها الحقيقية، ربما لأن من يملكون الإجابة قانعون بصمتهم، أو لأن الإجابات تضع اصحابها في مرمى نيران الفرقاء، أو لأن طيف منهم قد رحل بسلام عن عالمنا ومعه أسرار المرحلة، وليس من بين خياراتنا “ثقافة المذكرات” أو حتى تسجيل “شهادات على العصر”.

ولعل جيلي مازال يتذكر ذلك النفور الذي كان يحكم العلاقة بين الشمامسة و”بتوع” مدارس الأحد، وكان الإكليروس المحلي ينحاز في الغالب لإخوتنا الشمامسة، لكن الأمر تبدل إلى النقيض بعد أن جلست مدارس الأحد على الكرسي المرقسي، في شخص قداسة البابا شنودة الثالث، أحد أهم رموز الرعيل الأول، والذي نحت هذا التعبير في احتفاء الكلية الإكليريكية باختياره للموقع البطريركي.

ولم يقترب أحد من تقييم التجربة بجملتها، رغم مرور قرن كامل على ولادتها، ولم نشهد توثيقًا موضوعيًا لسنوات القلق الممتدة من اربعينيات القرن العشرين وحتى إطلالة سبعينياته، والتي شهدت أحداثاً وتقلبات غاية في الأهمية والتأثير على الصعيدين الكنسي والعام، ومازلنا نعتمد على روايات قيادات مدارس الأحد، دون غيرها، ربما لأنها تسجلت على صفحات مجلة مدارس الأحد، في الفترة من 1948 وحتى 1954، ومؤخرًا تسجلت في سفر كبير صدر في احتفالية الكنيسة بمئوية مدارس الأحد.

اللافت أن ما استقر في الذهنية القبطية عن فترة البابا يوساب الثاني (1946 ـ 1956)، وهو البطريرك السابق للبابا كيرلس السادس مباشرة، وهو “فساد الإدارة الكنسية”، وتم الترويج لهذا على مستويات متعددة وظهرت أصوات عديدة تطالب بالإصلاح، تراوحت بين حدة القول، ونموذجه “مجلة مدارس الأحد” وبين حدة الفعل، ونموذجه ما قامت به جماعة الأمة القبطية باختطاف البابا يوساب، عشية الإحتفال بعيد الثورة، وإيداعه أحد أديرة الراهبات بمصر القديمة، وبعد تحريره بواسطة قوات الأمن وعودته لمقره بالبطريركية، يبادر “مجمع الأساقفة” بإيداعه دير “المحرق” بأسيوط، ويتعرض لأزمة صحية تعيده للقاهرة لكن ليس إلى كرسيه بل إلى المستشفى القبطي (21 يونيو 1956) ليرحل عن عالمنا بين جدران المستشفى في (13 نوفمبر 1956).

وتقفز أمامنا أسئلة عديدة : كيف اجتمع الفرقاء على الرجل؟، وما هي ملابسات تأسيس وحل جماعة الأمة القبطية (1952 ـ 1954)، وسر اقترابها من اللواء محمد نجيب رئيس الجمهورية آنئذ، ودعوته لها للمشاركة بالرأي في وضع دستور 54؟، ثم انقلاب القيادة السياسية الجديدة عليها، إلى درجة تقديم قيادات الجماعة لمحاكمة عسكرية، بسبب المذكرة التي تقدموا بها الى لجنة وضع الدستور؟، وهل لهذا علاقة بصراعات الأجنحة داخل قيادة ثورة يوليو؟، وماذا عن توجة المجلة وتصعيد مدير تحريرها الأستاذ نظير جيد إلى رئاسة التحرير، بعد صدام الأستاذ مسعد صادق ـ رئيس تحريرها ـ مع توجه الثورة؟، وهل لهذا امتدادات تضعه على أبواب الدير طالبًا للرهبنة؟، وهل تقف الإمتدادات ـ في اتجاه معاكس ـ وراء الاعتراض على ترشحه للكرسي البابوي (1957)، والأسئلة ممتدة، لكنها شائكة ومحيرة.

والسؤال الغائب الحاضر هل كان البابا يوساب ضعيفًا ومتهاونًا في إدارة الكنيسة؟، بحسب رصد المؤرخة الأستاذة إيريس حبيب المصرىوالذي تذكر فيه أنه كان لمجمع الكنيسة “مطالب إصلاحية” من هذا البطريرك ـ بحسب البيان الصادر عن اجتماعه (سبتمبر 54) ـ من أهمها (إبعاد حاشية غبطته وخادمه “مِلك جرجس”)، وبين شد وجذب ينتهى الأمر إلى استبعاد الحاشية وكف يد البطريرك عن إدارة شئون الكنيسة وإبعاده للدير ثم وفاته، كما أسلفنا!!.

على أن للمشهد جوانب أخرى فيما يتعلق بهذا البابا، ربما تجعلنا نعيد قراءة هذه المرحلة وما تواتر عنها، ومعها يظل السؤال الإفتتاحى قائماً كيف اجتمع الفرقاء على الرجل؟.

فهذا البابا كان عالمًا ذهب وهو بعد راهبًا شابًا إلى اليونان في بعثة دراسية امتدت لعامين في جامعة أثينا، (1903 ـ 1905)، وعاد محملاً برؤية مستنيرة، انعكست على قراراته حين أُختير لقيادة الكنيسة، فيذكر عنه اهتمامه بالأديرة وسعيه لرفع مستوى الرهبنة، ودعمه لمدرسة الرهبان بحلوان، والتي كانت تُعِد وتؤهل الرهبان المرشحين للخدمة خارج أسوار الدير، على اختلاف درجات خدمتهم، واجتمع بالمجلس الملي وانتهى معهم إلى قرار بنقل الكلية الإكليريكية من مقرها بمهمشة إلى المبنى الجديد بالأنبا رويس بالعباسية (1953) وكانوا قد اختلفوا حوله، داخل المجلس الملي: بين من يريدونه مدرسة للتمريض وبين من يرون تخصيصه لخدمات الكنيسة)، فتُرك بلا استخدام، حتى أن وزارة التربية والتعليم رأت الاستيلاء عليه والإستفادة منه، وضمه لمستشفى الدمرداش المتاخمة له الأمر الذي عجل باستدعاء البابا للمجلس وقراره المشار إليه، وافتتح معه القاعة اليوسابية، والتي بقيت على اسمها، حتى بداية السبعينيات، لتتغير إلى القاعة المرقسية، وافتتح المعهد العالي للدراسات القبطية (1954).

وشهدت حبريته صدور العديد من الكتب والمجلات القبطية، وامتدت خدمته إلى جنوب إفريقيا وأثيوبيا والسودان ولبنان، وسعى لدى الدولة لمنح الأقباط من موظفي الحكومة إجازات رسمية في أعيادهم، ونجح في إقرار خمسة أيام متفرقة إجازة لهم في مناسبات دينية مسيحية مختلفة، وإقرار السماح لهم بالتأخر ساعتين صباح كل يوم أحد لحضور القداس.

ويأتي تعيينه للقمص متى المسكين وكيلاً للبطريركية بالأسكندرية ودعمه له، في سياق اهتمامه بضبط الإدارة الكنسية هناك، وهي وقائع يرصدها الدكتور ماجد عزت إسرائيل في كتابه (الأب متى المسكين الراهب المستنير)، ويتميز الرصد باحتشاده بالوثائق المحفوظة بمكتبة دير السريان، وهي بدورها، إضافة إلى ما كتبه الدكتور وليم سليمان قلادة في مجلة مدارس الأحد (يونيو 1955)، تدحض الكثير من المرويات التي تشوه صورة الرجلين، البابا يوساب والقمص متى المسكين.

هل خشى الفرقاء من نجاح هذا البطريرك في استنهاض الكنيسة، الأمر الذي يتعارض مع توجهات كل فريق بشكل ما؟

هل دراسته باليونان مثلت تحديًا للمتقدمين فى المشهد الكنسى وقتها فدبت الغيرة بينهم منه؟، وخشوا ان تعقد المقارنات بين الأطروحات الجديدة وبين ما يقولون به؟.

مع تسليمنا بعلامات الإستفهام التي أحاطت بالحاشية، هل كانت كافية للتصعيد ضده وتكتل الفرقاء على هذا النحو؟ وهي علامات استفهام تحتاج مراجعة خاصة مع تميز الأساقفة الذين اختارهم بالعلم والتقوى والحزم وهم أربعة عشر مطرانا أبرزهم الأنبا ميخائيل مطران أسيوط، والأنبا ثاؤفيلس أسقف دير السريان الذي قدم للكنيسة رهبانا صاروا علامات بارزة منهم الأنبا شنودة أسقف التعليم والبابا فيما بعد والأنبا صموئيل أسقف الخدمات والأب متى المسكين، والأنبا بنيامين الأول مطران المنوفية، والأنبا ارسانيوس أسقف دير البرموس.، وأسقفان للسودان، إضافة إلى كل هؤلاء قدم ستة أساقفة لكنيسة أثيوبيا وأسقف لجنوب أفريقيا.

هذه أسئلة لا أملك إجاباتها لكنها تلح علىَّ، وقد قفزت إلى ذهني بفعل طيف من الأحداث الجارية اليوم والتي تتماس معها بقدر، والتي تبدو في شقها الظاهر أنها مواجهات فكرية وصراعات عقائدية، بينما خلف الأبواب أمور أكثر تعقيدًا وأكثر إيلامًا.