هاني دانيال
انشغلت بعض المواقع المصرية بإطلاق عناوين مثيرة حول مباراة مصر وإيران في سياتل، بحثًا عن التفاعل والجدل أكثر من البحث عن الحقائق القانونية والتنظيمية. ومثل هذا الخطاب لا يخدم المنتخبين أو الجماهير، بل قد يساهم في تشتيت اللاعبين وإعادة إنتاج المشهد الذي عاشه المنتخب الألماني في كأس العالم قطر 2022، عندما طغت القضايا الخارجية على الاستعدادات الفنية داخل الملعب.
والواقع أن كثيرًا مما يُثار يتعلق بفعاليات ومبادرات محلية تُقام خارج الاستاد، وليست جزءًا من المباراة نفسها أو من التزامات اللاعبين والمنتخبات. فلا توجد في لوائح الفيفا أي مادة تجبر لاعبًا على ارتداء شارة أو تبني رسالة لا يؤمن بها، كما أن مسؤولية اللاعبين تبقى داخل حدود المنافسة الرياضية فقط.
صحف محلية فى سياتل تنظر إلى المباراة باعتبارها منصة لقضايا ثقافية وسياسية تتجاوز كرة القدم، وهو ما يفرض ضرورة الفصل بين الأنشطة المجتمعية خارج الملعب وبين المباراة داخله.
قانونيًا، تمتلك اللجنة المنظمة المحلية صلاحية إعداد كود سلوك الملعب (Stadium Code of Conduct)، كما تعتمد لوائح الفيفا على تقييم المخاطر الأمنية (Security Risk Assessment) لتحديد الإجراءات الكفيلة بحماية الجماهير ومنع الاحتكاكات داخل المدرجات. وفي هذا الإطار، جرى التعامل بحزم مع العلم الإيراني القديم "الأسد والشمس" فى بعض الملاعب، حيث مُنع ظهوره داخل المنشآت الرسمية المرتبطة بالمباراة استنادًا إلى اعتبارات أمنية وخشية وقوع توترات سياسية بين الجماهير.
وهنا يبرز السؤال الذي يضع الفيفا أمام اختبار حقيقي: إذا كان الاتحاد الدولي لكرة القدم قد وافق على منع رمز سياسي أو تاريخي بدعوى الحفاظ على الأمن والنظام العام، وإذا كان قد تدخل في كأس العالم بقطر 2022 لمنع شارة "One Love" مهددًا بعقوبات رياضية، فهل يملك اليوم الجرأة على تطبيق المعيار نفسه إذا اعتبرت السلطات المحلية أو تقييمات المخاطر أن رفع أعلام قوس قزح داخل المدرجات قد يؤدي إلى احتقان أو استقطاب جماهيري؟
فالحديث هنا ليس عن تأييد هذا الرمز أو رفض ذاك، بل عن اتساق المعايير. إذ يملك الاتحادان المصري والإيراني، وفق لوائح الفيفا الخاصة بالأمن وإدارة المخاطر وحياد المنافسات، الحق في المطالبة بتطبيق معايير موحدة على جميع الرموز التي قد تؤثر في سلامة الجماهير أو تحول المدرجات إلى ساحة نزاع، بدلا من اقتصار الاحتجاج على عدم توافق الاحتفالات المزعومة مع العادات والتقاليد الدينية والثقافية للبلدين. حتى الان لم يعلن الفيفا ان وجود أعلام قوس قزح ضمن البروتوكول الرسمي للمباراة، لم يكشف المدير الفنى للمنتخب المصري استلامه أى معلومات عن وجود العلم فى الراية الركنية أو ضمن قواعد دخول الملعب أو وجود العلم مع اعلام البلدين أثناء النشيد الوطني. هذا المر خض للفيفا وقواعده الصارمة وليس حكرا على اللجنة المحلية في سياتل.
المطلوب ليس الدخول في مواجهة مع اللجنة المنظمة التي تدير الحدث منذ عقود، بل مطالبة الفيفا بالخروج من المنطقة الرمادية التي يقف فيها بين قطر 2022 وأمريكا 2026. فالمباريات تُحسم داخل المستطيل الأخضر، أما الصراعات السياسية والثقافية فيجب أن تبقى خارج أسوار الاستاد.





