د.ماجد عزت إسرائيل
شهد محيط دير رئيس الملائكة غبريال بجبل النقلون بالفيوم، الشهير بدير أبي خشبة، حالة من القلق عقب ما تم تداوله فجر الجمعة 26 يونيو 2026م، بشأن واقعة اعتداء وإطلاق أعيرة نارية في أرض مجاورة للدير، وما تردد عن إصابة الراهب يُسطس النقلوني ونقله لتلقي العلاج.وإذ ننتظر البيان الرسمي من وزارة الداخلية والجهات المختصة لتوضيح ملابسات الواقعة بدقة، فإن ما حدث يفتح من جديد ملفًا مهمًا يتعلق بضرورة حماية المناطق الأثرية والتراثية المجاورة للأديرة، ومنع أي زحف عمراني أو نزاعات عشوائية حولها.

فدير الملاك غبريال بجبل النقلون، الواقع على بُعد نحو 16 كم جنوب شرق مدينة الفيوم بمركز إطسا، ليس مجرد دير عامر بالصلاة، بل هو أحد المعالم القبطية العريقة التي تمتد جذورها إلى القرون الأولى للمسيحية في مصر، ويرتبط تاريخه بالحياة الرهبانية المبكرة في برية النقلون.وتشير التقاليد الكنسية والمراجع التاريخية إلى أن الحياة الرهبانية في هذه المنطقة بدأت منذ القرن الرابع الميلادي، كما ارتبطت بزيارة القديس الأنبا أنطونيوس الكبير لرهبان برية النقلون، وهي الزيارة التي أشار إليها قداسة البابا شنودة الثالث، وورد ذكرها في دراسات عن الرهبنة في مصر. كما تُذكر المنطقة في سياق تأسيس الحياة الرهبانية بجبل النقلون، حيث أقيم القديس ببنوده أبًا روحيًا للرهبان.

أما تسمية الدير بدير أبي خشبة، فترتبط بما ورد في التراث الكنسي والسنكسار الحبشي عن وجود خشبة في سقف الكنيسة كانت تُعد علامة مرتبطة بفيضان النيل، إذ كانت تظهر منها المياه وقت القداس بحسب ما يُروى في التقليد، وقد وردت إشارات مشابهة في مخطوط محفوظ بالمتحف القبطي.ومن هنا، فإن الاعتداء أو النزاع حول محيط مثل هذه الأديرة لا يجب أن يُنظر إليه كواقعة محلية عابرة، بل كتنبيه إلى أهمية صون هذا التراث الديني والأثري، وحماية الأراضي والمناطق المحيطة بالأديرة التاريخية، وتقنين الأوضاع القانونية حيث يلزم، بما يمنع تكرار الأزمات أو استغلالها من جانب المغرضين وأعداء الدولة. فالأديرة القبطية جزء أصيل من ذاكرة مصر الروحية والحضارية، وحمايتها هي حماية لتراث وطني مصري قبل أن تكون شأنًا كنسيًا فقط.

نثق في أن الأمن المصري بخير، وأن مؤسسات الدولة قادرة على كشف الحقيقة، وحماية المواطنين والرهبان والمنشآت الدينية والأثرية، واحتواء أي أزمة بحكمة وعدل، بما يحفظ هيبة القانون وسلام المجتمع. حفظ الله مصر وشعبها وكنيستها وأديرتها من كل سوء، ونسأل الله الشفاء العاجل للراهب المصاب، وأن تمر هذه الأزمة بسلام.