ماهر فرغلى
بحلول سبعينيات القرن العشرين أصبحت الصحوة شبكة تضم العديد من المجموعات الدينية التي تبنت مجموعة واسعة من وجهات النظر الدينية والاجتماعية، بعضها أكثر محافظة، وأصبح الإسلامويون المصريون الأكثر تأثيراً وتطويرا في صناعة الصحوة بشقيها الخاص أو الشعبي العام، بداية من رشيد رضا الذي أقام بمصر فترة من الوقت، وحسن البنا، وسيد قطب، أو الأجيال الأخرى التي ساهمت في هذا مثل المصري عبد القادر عبد العزيز، وهو سيد إمام الشريف، أمير جماعة الجهاد، ومؤلف كتاب العمدة في إعداد العدة، صاحب التأثير الأكبر في أفكار بن لادن وكثير ممن حوله، وحتى في مفكريّ السلفية الجهادية مثل أبو محمد المقدسي وغيره، وقادة الجهاديين الآخرين مثل عبد العزيز المقرن وآخرين.

(1)  التعبئة الفكرية المصرية للصحوة
كان المصريون الإسلامويون الذين قاموا بالتعبئة الفكرية طبقات ثلاث، الأولى القدماء مثل حسن البنا وسيد قطب، وكانت كتبهم وتنظيراتهم لها التأثير الأكبر في نشوء الصحوة، والطبقة الثانية وهم القدماء المعاصرون للأوئل مثل محمد الغزالي والقرضاوي، ومحمد قطب، وحسن أيوب، والثالثة وهم المعاصرون، مثل سيد إمام والظواهري، وعبد الآخر حماد، وكانت تفسيراتهم المحافظة والمتشددة والمؤصّلة للشريعة والتاريخ الإسلامي تتوافق إلى حدٍ كبير مع الطرح الجهادي.

يُعتبر سيّد قُطُب هو الشخص الأكثر تأثيراً في الطبقات الثلاث، لكن المثير للاهتمام أن تفسيره للقرآن (في ظلال القرآن) هو الذي كان مرجعاً رئيسيا، وليس كتابه الحركي (معالم في الطريق)، ويليه عبد القادر بن عبد العزيز وهما جزءٌ من المجموعة المتفرعة عن المنظرين الجهاديين المتنامية، التي يطلق عليها "الاستراتيجيين الجهاديين".

كان من أبرز الشخصيات علي جريشة من مصر، الذي عمل في الجامعة الإسلامية، وسيد سابق المؤلف الشهير لكتاب «فقه السنة» الذي ترأس قسم القضاء في جامعة أم القرى بمكة، ومحمد الغزالي الذي ترأس قسم الدعوة وأصول الدين بمكة، والدكتور محمد الراوي، وجميعهم من الشخصيات الإخوانية القيادية، فيما كان يعمل في ذات الوقت رجال الدين التقليديين والسلفيين مثل مقبل بن هادي الوادعي، الذي أحاطه رجال من مصر أيضاً، ومنهم أسامة القوصي، وأبو الحسن مصطفي إسماعيل، والأخير كان قريب من جماعة جهيمان، مع مصري آخر وهو عبد الله بن عمر.

ولعل أبرز نماذج المصريين محمد قطب، الذي كان لوجوده دور مهم في تقريب أفكار المنهج القطبي وترسيخها، والدفاع عن أفكار أخيه سيد، وإزالة مواطن الإشكاليات واللبس التي اعترتها، وكان منهجه يتسم بعدم الانعزال عن المجتمع، و«بناء قاعدة إسلامية صلبة» تكون النواة الرئيسة الأولى للمواجهة مع السلطة القائمة، وعدم الاستعجال في التحرك من أجل التمكين، وارتياد طريق التربية، وعدم وضع أي مدى زمني لعملية الإعداد والتربية.

وكما ذكرت الكاتبة هدى الصالح قدم محمد قطب شرحاً تفصيلياً لنظرية «الحاكمية» وهي الركيزة الأساسية لمنهج المدرسة القطبية، التي ذاعت وانتشرت في مجمل الحركات الأصولية الإسلاموية، التي تسعى لتحقيق الحاكمية إما بالمواجهة الانقلابية العنيفة أو على المنهج الحركي المتدرج، حيث تفضي كل خطوة إلى الأخرى، ثم إلى تحقيق الهدف الأخير، وهو الوصول للسلطة، وتدمير «الجاهلية الحديثة".

ووفق ما ذكره الباحث عبد الله الرشيد فقد كان المصري يوسف القرضاوي أيضا هو أحد أهم منظري الصحوة، فإضافة إلى ما كتب فيها مساهمة منه في ترشيدها، فقد تميز دوره على الخصوص في مشاركاته في ملتقيات الفكر الإسلامي التي كانت تعقد خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وقد جاء الرجل في حقبة ازدواج الإسلام الراديكالي أو الصحوي، وحقبة الفضائيات ووسائل الاتصال، وناقش فكرة الدولة في كتابه “فقه الدولة في الإسلام” في خمسة فصول مختلفة، ولم يختلف مع جيل الصحوة بكامل صنوفه في جواز الخروج على الحاكم المسلم إذا لم يحكم بما أنزل الله، ولا في نظرتهم لطبيعة المجتمع والحاكم، خاصة ما يتعلق منه بمسائل العقائد والولاء والبراء، ليس فقط فيما يتعلق بالعلاقة مع غير المسلم الذي لا يجوز وفقاً لهذا المبدأ موالاته أبدًا، وكان هذا بالطبع منطلق التيار الصحوي في موقفه من حرب الخليج الثانية.

يذكر أحد مؤسسي جماعة الإخوان في حقبة السبعينات أبو العلا ماضي في تصريح صحافي أنه من ناحية التأسيس يعتبر الشيخ محمد الغزالي من أهم موجهي الحركة الصحوية، بل مرشد مسارها الفكري، إذ اضطلع بشكل خاص بتصحيح المفاهيم، وتطهير ما علق بها من رؤى انحطاطية ألصقت بالدين والنص الشرعي، والدخول في حوار علمي مع أصحاب المشاريع المنافسة، وهو ينتمي إلى مدرسة الإخوان، ويقر بانتسابه المبكر لها، ولقائه بالبنا وتلمذته عليه.
يقول الباحث بلال التليدي رغم أن دور الغزالي كان إصلاحيا لكنه ساهم بقوة في دفع الاعتقاد بكون حسن البنا هو أول من رفع راية المقاومة في القرن السابق.

في ذات التأثير كان الشيخ المصري حسن أيوب له جهود كبيرة صحوية، فقد انتقل للعمل بدولة الكويت كواعظ وخبير ومؤلف، ثم انتقل للعمل في المملكة العربية السعودية؛ فَعُيِّنَ أستاذًا في الثقافة الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز، ثم أستاذًا بمعهد إعداد الدعاة بمكة المكرمة، وقد تتلمذ على يديه كثير من دعاة الصحوة، وأثمرت حركته الدائبة على الرجوع للأصول من أجل مواجهة ما أسماه المد التغريبي، وتأسيسه للعديد من المشروعات، وفي مقدمتها “لجنة زكاة العثمان” التي تُعد من أشهر لجان الزكاة بالعالم العربي.

(2) إخوان مصر والحركية الصحوية
بعد فشل الجهاز السري لجماعة الإخوان في اغتيال الرئيس المصري جمال عبد الناصر، هاجر العديد منهم إلى العديد من الدول ومن ضمنها دول الخليج، وكان منهم سعيد رمضان الذي ساهم في إنشاء التنظيم الدولي، الذي عمل على الترويج لفكر الإخوان، والترويج لمؤلفات سيد قطب ويوسف القرضاوي، ونشر مؤلفات الجماعة في المكتبات المدرسية والجامعية ووسط الطلاب والطالبات، وأيضا مصطفى مشهور، الذي ذهب للكويت لصناعة بناؤ حركي صحوي.

وفي يناير 1973 انتهز الهضيبي فرصة الحج فعقد أول اجتماع موسع لجماعته في مكة المكرمة، وكان هذا الاجتماع هو الأول من نوعه منذ 1954، وفيه نظّم العمل الحركي عبر ثلاث لجان: لجنة جدة، ولجنة الرياض، ولجنة الدمام، وفي دول الخليج: نظّم العمل في ثلاث لجان كذلك: لجنة الكويت، ولجنة قطر، ولجنة الإمارات، وورد في وثيقة لاجتماع آخر له، باسم مسؤول الاتصال (أبو عبد الرحمن)، رسم سياسة العضوية وشؤون الدعوة والمسؤولين عنها في الخليج، ودور قيادات الخارج المؤسسين، الذين فروا إلى خارج البلاد، وكيفية تمدد الجماعة، ومنها المكتبات ودور النشر، وحلقات التلاوة بالمساجد، وغيرها من الوسائل الأخرى، التي يعقبها فيما بعد ما يسمى (الربط)، وكان من الواضح من سياق الوثيقة أن الصبر والمثابرة والبناء الهادئ هو مرحلة من مراحل العمل الإخواني، إلا أنها تتطور فيما بعد لتشمل التنسيق مع الجماعات الأخرى والعاملين في الحقل نفسه، وهو ما أكدته الورقات.

وكان هناك دور في هذه الفترة لرموز أخرى مثل محي الدين هلال، وعبد الرحمن أبو الخير، ولذلك نشأت (الصحوة الخاصة) وهي الخاصة بالسعودية، و(الصحوة العامة) وهي الصحوة التي تعني عودة نسبة من المسلمين في العالم أجمع إلى التدين وفقًا لمفاهيم واجتهادات شرعية معينة، والتي أسهمت الإخوان في صياغتها وصناعتها، وأصبح في هذه الحقبة للجماعة قادة حركيون منهم: سالم نجم، والدكتور محمد طلبة زايد بالكويت، مناع القطان بالسعودية، القرضاوي بقطر، عز الدين إبراهيم بالإمارات، ومحمد المأمون، المشرف على الدعوة بعمان واليمن، وكان مصريون آخرون على رأسهم "عبد الرحمن عبد الخالق" المصري الأصل، ينشرون السلفية الحركية في الكويت وما جاورها.

وضمن محاولات كثيرة للإخوان في هذا المضمار جاءت وثيقة التجديد التي كتبها الإخواني المصري عبد الحليم أبو شقة، بغرض طرح رؤية للتنسيق الفكري بين عناصر الصحوة، وهي خطوة كان المقصود منها بناء كيان شامل للتنسيق وتوحيد الجهود على الأرض، وبمعنى أدق احتواء كل الجهود، والتنسيق ثقافيا وفكريا ودعويا، وترقية التعاون بين الجماعات التي أطلقوا عليها العاملة، والتعاون وتبادل التجارب، والتشاور النظري والعملي، والتعاون في مجالات العمل كافة.

وأما الوسائل فهي عقد اللقاءات العامة والمتخصصة لأغراض أو بين فئات معينة، وإقامة المؤتمرات تحت عنوان شئون الإسلام وقضايا المسلمين، وتبادل الرسائل والزيارات وتكثيف الاتصالات، وهنا يتبين أن هناك فعاليات تعقد تحت عنوان هذا الغرض لكن المقصود منها التنسيق وإجراء الدراسات ونشر إصدارات الصحف والكتب والبيانات، وعقد الاتفاقات وتكوين النظم والمؤسسات والمشروعات، بين الحركات الإسلامية الشاملة، الجماعات والمنظمات الإسلامية السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية، المنظمات الإسلامية الفئوية المستقلة (طلاب، نساء، عمال، علماء.. إلخ).

ويبدو مما سبق أن الدور الرئيسي في نشأة الصحوة كان للمصريين الإخوان، الذين انخرطوا في تجربة منظمة لصناعة صحوة حركية وأخرى شعبية، لكنها بعد سنوات طوال خرجت من دائرة الدعوة إلى دائرة البحث عن الدولة والحكم، فأنتج ذلك تنظيمات ترى أن التغيير الفوقي للأنظمة خير من التغيير السفلي المعني باختراق الشعوب والمؤسسات، ومرّ ذلك بطرائق حركية جديدة، لعب المصريون فيها الدور الأكبر المركزي، الذين عملوا على صياغة وسائل جديدة في مشروع تربوي حركي مفصّل قابل للتطبيق العملي.