القمص يوحنا نصيف
    يكشف لنا القدّيس بولس الرسول سرًّا جميلًا عندما يقول أنّنا "نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ لِأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ ٱللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا" (أف2: 10)

    ربّنا يسوع المسيح هو حكمة الله الأزليّة، الذي به كان كلّ شيء، وبغيره لم يكُن شيء مِمّا كان. فنحن مخلوقون به وفيه ولأجله، وقد أعدّ لنا خطّة تتضمّن أعمالًا صالحة ومجيدة، لكي نسلك فيها..

    فالله له خِطّة جميلة في حياة كلّ إنسان. مبارك هو الإنسان الذي يعيش بتسليم واستعداد لتنفيذ خطّة الله في حياته!

    ومع وجود الإرادة الحُرّة التي وهبها لنا نستطيع برغبتنا أن نعيش وِفقًا لهذه الخطّة الإلهيّة العظيمة لنا، ونستطيع أيضًا بالطبع أن نرفضها بنسبة كبيرة أو صغيرة.. وندفع ثمن اختياراتنا الخاطئة!

    وإذا كُنّا مخلوقين لأعمال صالحة سبق الله فأعدّها لنا لنسلك فيها.. فهذا يمنحنا رجاءً كبيرًا في حياة فاضلة ومثمرة تمجّد الله إن كان هو القائد الحقيقي لحياتنا، بينما لا ينبغي أبدًا أن نسمح لشهواتنا أو لتيّارات أخرى هذا العالم المضطرب أن تتحكّم فينا.

    نحتفل غدًا 27 يونيو بتمام خمسين سنة من عمل الله العظيم في حياة أبينا الحبيب القمّص صموئيل ثابت. 

    هناك العديد من المحطّات والتحدّيات التي مَرّ أبونا صموئيل بها، وكان بنعمة وحكمة من الله ينجح فيها جميعًا.. فهو من البداية تتلمذ داخل الكنيسة، وخضع لعمل الروح القدس في حياته، وسلّم كلّ تفاصيل حياته لقيادة الله التي دائمًا تصنع أعمالًا عظيمة فينا نحن الضعفاء.. فكما يقول الرسول العظيم بولس: "لَنَا هَذَا الْكَنْزُ فِي أَوَانٍ خَزَفِيَّةٍ، لِيَكُونَ فَضْلُ الْقُوَّةِ لِلهِ لَا مِنَّا مُكْتَئِبِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لَكِنْ غَيْرَ مُتَضَايِقِينَ. مُتَحَيِّرِينَ، لَكِنْ غَيْرَ يَائِسِينَ. مُضْطَهَدِينَ، لَكِنْ غَيْرَ مَتْرُوكِينَ. مَطْرُوحِينَ، لَكِنْ غَيْرَ هَالِكِينَ. حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا.. لِذَلِكَ لَا نَفْشَلُ، بَلْ وَإِنْ كَانَ إِنْسَانُنَا الْخَارِجُ يَفْنَى، فَالدَّاخِلُ يَتَجَدَّدُ يَوْمًا فَيَوْمًا" (2كو4: 7-16).

    فالحقيقة أنّ أبانا صموئيل لم يَختَر الكنيسة التي نشأ وخدم فيها كشمّاس، وهي كنيسة مارجرجس سبورتنج بالإسكندريّة، حيث تتلمذ لسنوات طويلة على يديّ الأب القدّيس القمّص بيشوي كامل؛ وهو لم يختَر أيضًا الكنيسة الناشئة التي سِيمَ عليها كاهنًا عام 1976، وكانت كنيسة السيّدة العذراء والقدّيس كيرلّس السكندري بكليوباترا بالإسكندريّة. ثمّ نال بركة الوضع في السجن بواسطة الرئيس السادات بدون أيّ ذنب، في أحداث سبتمبر 1981م، وقَبِلَ تلك المحنة بشكر وتسليم.

    وبعد ذلك كان مُطيعًا عندما أُرسِل للخدمة بالولايات المتّحدة بواسطة المتنيّح قداسة البابا شنودة الثالث في عام 1983م. وبعد خدمة متميّزة في فيلادلفيا، ونظَرًا لكفاءته، نَقَلَهُ قداسة البابا شنودة في عام 1990م إلى خدمة كنيسة مار مرقس بشيكاجو، والتي كانت تمرّ بظروف عصيبة في ذلك الوقت، فنجح في إحلال السلام والاستقرار فيها، ونمت الخدمة على يديه وزاد عدد الآباء الكهنة، وازدهرَت الكنيسة من كلّ جهة. وبعد سنوات طويلة وفي يناير من عام 2018م تمّ اختياره -بدون أيّ ترتيب أو سعي من جهته- ليكون وكيلًا لقداسة البابا تواضروس الثاني في منطقة شيكاجو وسِتّ ولايات حولها، وهو لا يزال سبب سلام واستقرار للمنطقة كلّها، بأبوّته الجميلة وقيادته الحكيمة لكافّة الأمور.

    إنّها رحلة طويلة قاده فيها الله وتمجّد معه فيها، كما يقول المزمور: "يسيرون من قوّة إلى قوّة، يتجلّى إله الآلهة في صهيون" (مز84: 7)، أي يتجلّى في كنيسته وفي حياة أولاده الأمناء.

    من أجل هذا، على الرغم من التقدّم في العُمر يَظلّ أبونا صموئيل دائما الأب المشجع، القويّ الشجاع، المتفاهم الحكيم، صانع السلام والشاهد للحقّ..
    نسأل المسيح إلهنا الذي اختاره ليكون إناء مقدّسًا لخدمته، أن يسنده دائمًا بنعمته، ويمتّعه بموفور الصحة والسلام، ويبارك كلّ أعماله، ليتمّ فيه قول المزمور: "الصِّدِّيقُ كَالنَّخْلَةِ يَزْهُو، كَالْأَرْزِ فِي لُبْنَانَ يَنْمُو. مَغْرُوسِينَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ، فِي دِيَارِ إِلَهِنَا يُزْهِرُون. أَيْضًا يُثْمِرُونَ فِي الشَّيْبَةِ. يَكُونُونَ دِسَامًا وَخُضْرًا، لِيُخْبِرُوا بِأَنَّ ٱلرَّبَّ مُسْتَقِيمٌ. صَخْرَتِي هُوَ وَلَا ظُلْمَ فِيهِ" (مز92: 12-15).

    ولربّنا المجد الدائم في كنيسته، إلى الأبد. آمين.
القمص يوحنا نصيف
يونيو 2026م