✍️ بقلم: الأب أغسطينوس بالميلاد ميلاد سامي ميخائيل بطرس طوس...
حين يكتشف المتألِّم أن الحياة لا تتوقف عند ضفة الألم، ولا عند باب الموت، بل تمضي في سبيلها حاملةً الأحياء والراحلين إلى مصائرهم المرسومة...
كأنَّ المرض، حين يحلُّ بالإنسان، لا يكتفي بأن ينهش الجسد ويستنزف قواه يومًا بعد يوم، بل يتسلل إلى أعماق النفس كما يتسلل الشتاء إلى غابةٍ عاريةٍ من أوراقها، فيغمرها بصمتٍ ثقيلٍ ووحشةٍ لا يبددها حديث.
عندئذٍ تصبح الراحة أمنيةً كبرى، لا يطلب المرء معها مالًا ولا جاهًا ولا مجدًا، بل يطلب ساعةً يهدأ فيها الألم، أو ليلةً ينام فيها الجسد دون أن توقظه أنياب الوجع من أحلامه.
وفي تلك الساعات الطويلة، حيث يتسع الزمن حتى يبدو كأنه لا ينتهي، يلتفت الإنسان إلى الوجوه التي أحبها.
يرى الحزن في عيونهم، والقلق في أصواتهم، ويرى كيف تفيض قلوبهم شفقةً عليه.
فيخال، وهو غارق في ضعفه، أن العالم قد وقف عند سريره، وأن حركة الأيام قد أبطأتها آلامه.
لكن الأيام، في حكمتها القاسية، تعلِّم الإنسان ما لم يكن يريد أن يتعلمه في حياته.
فما هي إلا فترة قصيرة حتى يعود كل شيء إلى مجراه.
يعود الناس إلى أعمالهم، إلى أحاديثهم المعتادة، إلى ضحكاتهم التي كانت تملأ البيوت قبل أن يطرق المرض بابها.
يعود المسافر إلى رحلته، والتاجر إلى تجارته، والطفل إلى لعبه، والعاشق إلى أحلامه.
وتظل الشمس تشرق كل صباح، وتظل الطيور تغني على الأغصان، وتظل الأسواق تضج بالحياة، كأن شيئًا لم يحدث.
وهنا قد يتسلل إلى النفس شعورٌ مرير، فتظن أن الناس نسوك، أو أن محبتهم لم تكن بقدر ما كنت تتصور. غير أن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير.
فالإنسان لا يملك أن يحمل أوجاع الآخرين إلى الأبد، كما لا يملك أن يوقف نهر الحياة عند ضفة حزنٍ واحدة.
إنه يبكي معك ساعةً، ويتألم لأجلك حينًا، ثم يستدعيه عبء حياته إلى المضي.
فله جراحه التي لا تراها، وأحماله التي لا يعرفها سواها، ومخاوفه التي يخفيها وراء ابتسامته.
إننا كثيرًا ما نبالغ في تقدير موقعنا في مسرح الحياة.
نظن أن غيابنا سيترك فراغًا لا يُملأ، وأن سقوطنا سيوقف المسير من حولنا.
ثم تأتي التجارب لتكشف لنا أن الحياة أوسع من أفرادها، وأقدم من أحزانهم، وأقوى من رغباتهم.
فهي لا تتوقف عند موت ملك، ولا عند سقوط حكيم، ولا عند دمعة أم، ولا عند أنين مريض.
إنها تمضي في طريقها الأزلي، تحمل الراحلين إلى صمتهم، وتحمل الباقين إلى أيامهم القادمة.
ولعل أكثر ما يكشفه الألم للإنسان هو حقيقة الوحدة الكامنة في أعماق الوجود.
فمهما أحاطتنا المحبة، ومهما التفَّ حولنا الأهل والأصدقاء، يبقى هناك جزء من المعاناة لا يستطيع أحد أن يشاركنا فيه.
هناك طريقٌ داخلي يسلكه كل إنسان وحده؛ طريق الخوف، والرجاء، والانتظار، والمواجهة.
وحين يبلغ المرء تلك العتبة يدرك أن البشر، على كثرة ما بينهم من روابط، ليسوا إلا مسافرين متجاورين؛ يلتقون عند بعض المنعطفات، ويتبادلون الزاد والكلمة الطيبة، ثم يفترق كل منهم إلى دربه الخاص.
غير أن في هذا الإدراك عزاءً خفيًا. فإذا كانت الحياة لا تتوقف لأجلنا، فهذا يعني أيضًا أنها لم تتوقف يومًا لأجل غيرنا.
وما نحن إلا حلقة في سلسلة طويلة من الراحلين والعابرين.
لقد بكى الناس على من سبقونا، ثم عادوا إلى أعمالهم.
وسيبكي من بعدنا أناسٌ علينا، ثم يعودون هم أيضًا إلى حياتهم.
وليس في ذلك جفاء، بل هو قانون الرحلة الكبرى التي اسمها الحياة.
لهذا ربما كان أجمل ما يتعلمه الإنسان من الألم أن يخفف من تعلقه بوهم المركزية، وأن يتصالح مع حقيقة العبور.
فليس المطلوب أن نجعل الدنيا تتوقف لأجلنا، بل أن نترك فيها أثرًا من محبة، أو كلمةً من نور، أو ذكرى طيبة في قلب إنسان.
فهذه وحدها هي الأشياء التي تبقى قليلًا بعد أن نمضي، قبل أن تواصل الحياة سيرها الهادئ نحو آفاقٍ لا تنتهي.
وهكذا يقف المرء يومًا أمام مرآة التجربة، فيرى أن الحياة لم تكن يومًا قاسية ولا رحيمة، بل كانت ماضية فحسب.
وأن البشر لم يكونوا ناكرين ولا أوفياء على الدوام، بل كانوا منشغلين بحمل صلبانهم الخاصة.
وعندئذٍ يفهم أن الحكمة ليست في أن يطلب من النهر أن يتوقف، بل في أن يتعلم كيف يصغي إلى خريره وهو يمضي.
✍️ بقلم: الأب أغسطينوس بالميلاد ميلاد سامي ميخائيل بطرس طوس...
F Oghos Melad





