بِقَلَمِ: ✍️ الِأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ طُوسْ...

يُمْنَحُهُمُ الْعَالَمُ الْوَقْتَ، لَكِنَّهُ لَا يُغَيِّرُهُمْ.
عِنْدَمَا يَحِينُ وَقْتُ الِاخْتِبَارِ، يَسْقُطُ الْقِنَاعُ، وَلَا يَبْقَى إِلَّا الْجَوْهَرُ، وَلَا تَدُومُ إِلَّا الْحَقِيقَةُ، وَلَا يَثْبُتُ إِلَّا الأَصِيلُ، وَلَا يَنْتَصِرُ إِلَّا الْحَقُّ.

لَيْسَ الزَّمَنُ سِتَارًا يُخْفِي وَجْهَ الإِنْسَانِ، وَلَا سِحَابًا يَمْحُو مَعَالِمَ نَفْسِهِ، بَلْ هُوَ مِرْآةٌ بَطِيئَةُ الْحَرَكَةِ، تَكْشِفُ مَا لَا تُظْهِرُهُ اللَّحْظَةُ، وَتُظْهِرُ مَا يَخْفَى خَلْفَ الْكَلِمَاتِ وَالْمَوَاقِفِ. فَفِي زِحَامِ الْأَيَّامِ، يَتَشَكَّلُ الإِنْسَانُ حَقِيقَةً لَا صُورَةً، وَيَصِيرُ مَا فِي دَاخِلِهِ أَكْثَرَ صَوْتًا مِنْ مَا يُعْلِنُهُ خَارِجُهُ.

وَمَهْمَا تَزَيَّنَتِ الْوُجُوهُ بِالْمُسَامَحَةِ الْمُصْطَنَعَةِ، أَوِ انْتَظَمَتِ الْأَقْوَالُ عَلَى إِيقَاعِ الْمُجَامَلَةِ، فَإِنَّ الْحَيَاةَ تَبْقَى تَمْتَحِنُ الْأَعْمَاقَ، لَا الْمَظَاهِرَ. وَتَأْتِي اللَّحْظَةُ الَّتِي يَنْكَشِفُ فِيهَا الْإِنْسَانُ لِنَفْسِهِ قَبْلَ غَيْرِهِ، فَيَرَى مَا كَانَ يُحَاوِلُ إِخْفَاءَهُ، وَيَسْمَعُ صَدَى مَا كَانَ يَظُنُّهُ صَمْتًا.

فَالِاخْتِبَارَاتُ لَيْسَتْ عُقُوبَةً، بَلْ هِيَ مَوَازِينُ الْحَقِيقَةِ، بِهَا يُمَيَّزُ الثَّابِتُ مِنَ الْمُتَغَيِّرِ، وَالْأَصِيلُ مِنَ الْمُزَيَّفِ، وَالْقَلْبُ الصَّادِقُ مِنَ الْقَلْبِ الَّذِي تَعَوَّدَ الِاخْتِفَاءَ خَلْفَ الْأَقْنِعَةِ. وَمَا أَصْعَبَ أَنْ يَسْقُطَ الْقِنَاعُ دُفْعَةً وَاحِدَةً، فَيَبْقَى الإِنْسَانُ وَحِيدًا أَمَامَ حَقِيقَتِهِ دُونَ زِينَةٍ وَلَا ادِّعَاءٍ.

وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْحَقَّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى صَوْتٍ عَالٍ لِيَثْبُتَ، وَلَا إِلَى زَمَنٍ طَوِيلٍ لِيَنْتَصِرَ، لِأَنَّهُ مَزْرُوعٌ فِي طَبِيعَةِ الْوُجُودِ نَفْسِهِ. وَكُلَّمَا زَادَتِ الظُّلُمَاتُ، ظَهَرَ النُّورُ أَكْثَرَ وَضُوحًا، وَكُلَّمَا تَعَقَّدَتِ الطُّرُقُ، اتَّضَحَ مَعْنَى الصِّدْقِ أَكْثَرَ.

إِنَّ الْأَصِيلَ لَا يُقَاسُ بِمَا يَقُولُهُ النَّاسُ عَنْهُ، بَلْ بِمَا يَظْهَرُ مِنْهُ عِنْدَ الِاخْتِبَارِ، حِينَ تَسْقُطُ الْمَجَامَلَاتُ، وَتَتَكَلَّمُ الْحَقِيقَةُ بِصَوْتٍ لَا يُشْتَرَى وَلَا يُقَاوَمُ. وَهُنَا فَقَطْ، يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَا يَبْقَى لَيْسَ الْمَظْهَرَ، بَلِ الْجَوْهَرُ، وَلَيْسَ الِادِّعَاءَ، بَلِ الْفِعْلُ، وَلَيْسَ الْقَوْلَ، بَلِ الْمِيزَانُ الدَّاخِلِيُّ الَّذِي لَا يُخْطِئُ.

وَفِي النِّهَايَةِ، يَبْقَى الدَّرْسُ وَاضِحًا: أَنَّ الزَّمَنَ لَا يَخْدَعُ، وَأَنَّ الْحَيَاةَ لَا تَنْسَى، وَأَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ هُوَ حَقِيقَتُهُ حِينَ يُوضَعُ أَمَامَ مِرْآةِ الِاخْتِبَارِ.

بِقَلَمِ: ✍️ الِأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ طُوسْ...