بقلم الأب يسطس الأورشليمى
لسفر ملاخي مركز خاص، فهُو يُمثل عند اليهُود آخر أسفار الكتاب، وكأنه جاء ليُقدم الوصية الختامية التي تحوي غاية كُل الكتاب المُقدس، إنها وصية الله المُقدمة لشعبه التي يُعلن فيها:
الله يُحبهُم ويحب كُل البشرّية، فحُبه لهُم المجاني لا يعني محاباته لشعبٍ معينٍ على حساب بقية الشعُوب..
رفضه لذبائحهُم، لأنهُم حرفيُون في فهمهم للشرّيعة وفي حياتهُم، يُمارسُون العبادة بقلبٍ يرفض الشركة مع الله..
إذ أخطأوا على كُل المستويات، فالحل الوحيد هُو الرجُوع إلى الله بالتوبة، التي بابها مفتُوح للجميع على الدوام..
يختم السفر بإشراق شمس البرّ على الجالسين في الظُلمة، لكي يتمكن مَن يُريد أن يتمتع بالشفاء بأجنحتها (الصليب)..
إنه سفر محّبة الله التي لا تعرف المُحــــــــــــــــــاباة..
سفر نعمة الله الغنية التي تفتح أبوابها للجميع..
سفر الرجُوع إلى الله الذي يُسر بكُل مَن يأتي..
سفر كُل نفس بشرّيةٍ جادةٍ في طلب خلاصها..
لا تُوجد شهادة قُوية عن تحديد دقيق لتاريخ كتابة هذا السفر، دُعي السفر ملاخي بالعبرّية يعني رسُولي، ويلاحظ أن الخطايا التي يُندّد بها ملاخي النبيّ هي ذاتها التي كانت في أيام عزرا ونحميا، وقد قام بخدمته بعد عودة البعض إلى أرض الموعد، ويُقدر عدد الراجعين من السبيّ البابلي حوالي ستين ألفاً، بهذا يكُون الشعب قد أنقسم إلى فريقين:
أولاً: فريق رفض العُودة إلى أرض الموعد بعد أن شعر بأنه قد استقر مادياً واقتصادياً في بابل، وهُو يُمثل الغالبية العظمى، يُمثلُون من أحبُوا العالم وإن عاشُوا في سبي كعبيد للأمميين، فلم يتمتعُوا بالأرض التي وهبها الله لآبائهم، ولا انشغلُوا بالقيام بالعبادة كما قدمها النامُوس، ومع هذا لا ننكر أنه وُجد قلة قليلة مُقدسة للرّب مثل دانيال، والثلاثة فتية، ومُردخاي، وأستير وحزقيال النبي، قد عاشُوا في السبي..
ثانياً: فريق عاد إلى أرض الموعد ليبنُوا أسوار أورشليم ويُعيدُوا بناء الهيكل، ويُقيمُوا العبادة الطقسية حسب الشريعة، ومن بين هؤلاء مَن انشغلُوا ببناء بيُوتهُم عوض الاهتمام ببناء بيت الرّب، قائلين إنه لم يحن الوقت للبناء، فجاءت رسالة ملاخي النبي لهذه الفئة، لكي تختبر العبادة الحّية خلال العبادة المُقدسة للرّب وإعادة بناء الهيكل..
ملاخي النبيّ لم ينادِي بإزالة المرتفعات والعبادة الوثنية كما فعل الأنبياء في عصر الملُوك، ولا مناشدة الشعب للعُودة إلى أرض الموعد كما فعل عزرا الكاتب، ولا ناشدهُم بإعادة بناء الأسوار مثل نحميا، إنما ما كان يشغل ملاخي هُو الدخُول إلى العمق للتمتع بالحياة المُقدسة المُرتبطة بالعبادة الحّية وهُو بهذا يهيء الشعب لانتظار ذاك القادر أن يدخل بنا إلى العبادة بالرُوح والحقّ خلال رّبنا يسُوع المسيح..
يبدُو أن الراجعين من السبيّ كانُوا يتوقعُون فيضاً من البركات الزمنية، وأن ما ورد على ألسنة الأنبياء يتحقق، كأن يُقيم الله خيمة داود الساقطة، وتكُون لهُم مملكة عظيمة، وسُلطان..
قدم ملاخي النبيّ صُورة رائعة للكاهن المُقدس الذي يُقدم تقدمة مُقدسة للرّب من أجل تقديس الشعب، كما حذر الكهنة من السلُوك في شكليات قاتلة، وتقيم ذبائح غير لائقة بالله القدُوس..
أكد التزام المُؤمن بتقديم العشُور بقلب طاهر نقي (7:3)، وقد جاء السفر مسيانياً يُقدم صورة حيّة عن عمل السيد المسيح شمس البرّ الذي يُشرق على كُل الأمم، والقبائل، والشعُوب..
أفتتح العهد القديم بتقديم صورة بهية لخلقة الإنسان ليحيا في جنّة عدن، يتمتع بمحبة الله الفائقة في سعادة لا يُعبر عنها، ويختتم في آخر عبارة بحلول اللعنة بسبب الخطية والعصيان، وكأن العهد القديم يُعلن في نهايته عن الحاجة إلى ذاك الذي يحول الأرض سماء، وينزع عنا اللعنة لننعم بالبركات الإلهية الفائقة في العهد الجديد..
ينقسم سفر ملاخي النبيّ إلى:
أولاً: التقدمة المقبُولة.............. ص(1)
ثانياً: الكاهن المُقدس............. ص(2)
ثالثاً: الشركة مع الله.............. ص(3)
رابعاً: إشراق شمس البرّ........... ص(4)





