بقلم الأب يسطس الأورشليمى
ذلك بالاتحاد بالرّب القُدوس والإقتداء والتمثل به، فلا يلمسنا فساد العالم الذي بالشهوة، إنها دعوة ثمينة أن تنعكس علينا إشعاعات الصفات الإلهية من حُب وقداسة ووداعة... حتى نكون مثله (1يو2:3)..
ما فائدة الدعُوة الثمينة التي دفع فيها ثمناً هذا قدره، وقدمت لننال مجداً سماوياً وفضائل رُوحية بغير إمكانية للتنفيذ؟ لهذا يقُول: أن قدرته الإلهية قد وهبت لنا كُل ما هُو للحياة والتقوى، فما هُو عذرنا بعد أن كان الله قد قدم لنا بقدرته الإلهية كُل ما هُو للحياة والتقوى!!
قدم لنا ميلاداً جديداً سماوياً به نُولد رُوحياً، لنتمثل بالله القُدوس..
تكريساً للأعضاء والحُواس والعُواطف والغرائز بسرّ الميرُون..
غسلاً لأقدامنا مع التلاميذ، وهذا في سرّ التُوبة والاعتراف..
تثبيتنا فيه وهُو فينا خلال التناول من الأسرار المُقدسة..
وهبنا تعليماً رُوحياً لنمُونا يرضعنا به الرُوح في الكنيسة..
يُقدم لنا الرُوح كُل ما نحتاج إليه من ثمار وبركات رُوحية..
هل يمكن للإنسان أن يخلص بغير جهاد؟ لابد من حمل الصليب بنعمة الله، لهذا يقُول الرسُول: “لهذا عينه وأنتُم باذلون كُل اجتهادٍ...قدّمُوا في إيمانكُم فضيلةً، وفي الفضيلة معرفةً، وفي المعرفة تعففاً وفي التعفف صبراً، وفي الصبر تقوى، وفي التقوى مودةً أخويةً، وفي المودة الأخوية محّبةً” (2بط5:1-7)..
أن الفضائل عبارة عن سلسلة مُترابطة بطريقة لا تنفصل، فيُطالبنا أن نُقدم في الإيمان أعمالاً حتى لا يكُون ميتاً (يع26:2)..
معرفة، مَن يسير في الفضيلة بغير معرفة، يكُون كمَن يسير بلا هدف ومَن يدعي المعرفة بغير سلوك في الفضيلة يكُون مُتكبراً..
تعفف، مَن له معرفة عملية، تعف نفسه الخطية، بل وكُل ما هو زمني مشتاقاً إلى الأبديات، ويستند ضبط النفس على المعرفة..
صبر، ضبط النفس والتعفف النابع عن محّبة السماويات يبعث في النفس قُدرة على الصبر، وبدُونه لا يقدر أن يضبط نفسه..
تقوى، الاحتمال من أجل السماويات يهب للنفس تقوى، أي يبعث فيها الورع والمخافة، وهذه التقوى تُعينه فيحتمل صابراً..
المودة الأخوية، مَن يخاف الله ويتقيه يُعامل إخوته بلطف وحنان، وهذه المودة الأخوية أيضاً تملأ القلب ورعاً وتقوى..
المحّبة، مَن يحب فقد اقتنى كُل الفضائل، ولا تقوم فضيلة ما بغير محّبة، وبقدر ما يتسع القلب للمودة الأخوية يحب الله والناس..
افترض أن الدائرة هي العالم، ومركزها هُو الله والأشعة من المركز إلى المُحيط هي طريق البشر، وبقدر ما يتحرك القديسُون في داخل الدائرة تجاه المركز راغبين في الاقتراب من الله، يقترب كُل منهما للآخر..
فأرسل شعاعاً وابتهاجاً حيثما سرت، وافرش أزهار الأخلاق الطيبة وساعد الغير برُوحك البهجة وكلماتك الحلوة، بحبك ولطفك وعطفك وحنانك، فليس البؤس أن تكون فاقد البصر، لكن البؤس ألاّ تستطيع احتمال فقد البصر، فعناية الله لنا كاملة الذي يُحصي شعر رأسك، ويحفظ دموعك، ويُسجل كلماتك ويسمع تنهداتك وزفراتك، وتذّكر أن السعادة ليست مسألة داخل بل خارج، وعلى قدر ما تستطيع أن تجعل الآخرين سعداء، تكون أنت في سعادة وهناء، ومغبُوط هُو العطاء أكثر من الأخذ..
هذا ينطبق على تسلق الجبال الرُوحية، فلكي تصعد النفس إلى قمة جبل تابور، وترى هناك مسيحها المُتجلي (مت1:17-9)، وتدرك أسرار الكنيسة المُمتدة في العهدين القديم والجديد، وتدخل في حوار مع مُوسى، وإيليا وبُطرُس، ويعقُوب، ويُوحنا، فعلى النفس أن تُثبّت:
أولاً: يديها وقدميها على المسيح صخر الدهور، وتتحرك بحركات هادئة ثابتة بقيادة الرُوح القدُس، وتثبت في تدريب روحي لفترة ما، ثم تتحرك صاعدة وهي مُلتصقة بالرّب يسُوع قائدها، فترتفع في أمان..
ثانياً: في صعُودنا رُوحياً لا نتحرك وحدنا بفكر فردي مُنعزل، بل نتحرك مع أخوتنا بفكر جماعي، فإن سقط أحد يُقيمه الآخرُون..
أمسك بيميني وقدني لأرى مجدك، وأنعم ببهائك، وأقُول: جيد يارّب أن نكُون ههنا، قوّموا الأيدي المسترخية والرُكب المُخلّعة..





