(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
أواصل تقديمَ حُزمة مختارة من رسائل البابا لاوُن الرابع عشر التي نادى بها –بجراءةٍ ومحبّةٍ للحقيقة– في الأراضي الإسبانيّة. وأعرض هذه الرسائلَ الحَبريّة متّبِعًا الترتيب الزمنيّ لمحطات هذه الزيارة الرسوليّة.
10. محبّةُ الله وحُلمُه لنا جميعًا، والعذراء مريم، وكرامةُ كلِّ إنسان
في تحيّته أثناء زيارته مركز بريانس 1 (Brians 1) الإصلاحيّ (السّجن) ببرشلونة (10 يونيو/حزيران 2026)، أكّد البابا لاوُن الرابع عشر لكلِّ إنسانٍ مهما كان وضعه وظروفه، ما يلي:
«كلّ إنسان له كرامته لمجرّد أن "الله أراده وخلقه وأحبّه" (رسالة بابويّة عامّة، الإنسانيّة الرّائعة، 52). لذلك، لا توجد أيّ حالة تدفع الله إلى أن يُبعد نظره عنّا. إنّها حقيقة معزّية ترافقنا في كلّ حين، وتذكّرنا بأنّ محبّته الرّحيمة تبقى دائمًا أسمى من كلّ ما قد نكون صنعناه من خير أو شرّ [...]
إنّ الله يحبّك كما أنت، ويحلم لك بما هو أفضل! فالله يسمح لنا جميعًا بأن نبدأ دائمًا من جديد، لأنّ أن تكون إنسانًا وأن تكون مسيحيًّا لا يعني ألّا تخطئ أبدًا، بل أن ننمو في القدرة على التّوبة والارتداد، وعلى إصلاح الذّات، وفوق كلّ شيء على المصالحة والمغفرة».
في كلمته أثناء "صلاة السُّبحة الورديّة"، في دير سيِّدتنا مريم العذراء سيِّدة مونتسرّات (Montserrat) ببرشلونة (10 يونيو/حزيران 2026)، تحدّث البابا لاوُن الرابع عشر عن أُمومة العذراء مريم ودورها الذي تؤدّيه في حياتنا الروحيّة المسيحيّة، وكذلك عن ابنها وقوّة محبّته "المجرَّدة من السّلاح والتي تجرِّد من السّلاح". فقال قداسة البابا في هذا الصدد:
«بهذا الموقف البنويّ نفسه، أدعوكم اليوم إلى أن تقبلوا دعوة مريم العذراء: "مَهما قالَ لَكم فافعَلوه" (يوحنّا 2، 5). هذا الكلام الذي قيل في قانا الجليل يتضمّن برنامجًا حقيقيًّا للحياة المسيحيّة، لأنّ مريم تقودنا إلى المسيح وتعلّمنا أن نصغي إلى صوته، وأن نطيع كلمته، وأن ندعه يغيّرنا. مشيئة يسوع واضحة: "ما أُوصيكُم بِه هو: أَحِبُّوا بَعضُكم بَعضًا" (يوحنّا 15، 17). إنّها محبّة تجد مقياسها ومنبعها فيه هو نفسه: "كما أَحبَبتُكم" (الآية 12). لذلك، عندما تقول لنا مريم: "مَهما قالَ لَكم فافعَلوه"، فإنّها تدعونا إلى أن نبلغ قلبًا متصالحًا مع معايير الإنجيل.
يسوع يبيّن لنا طريق الرّحمة والمصالحة والحقّ والوداعة. وفي الوقت نفسه يكشف العنف الذي قد يختبئ في كلامنا وأعمالنا: النّقد الذي يُذلّ، والإدانة التي تُدمّر، والعدوانيّة التي تقسّم. هذا العنف المتخفّي يمكنه أن يستتر مرارًا وراء دروع في الظّاهر نحاول بها حماية جراحنا أو مخاوفنا أو الآلام التي سبّبتها لنا المظالم.
لنتأمّل في سيّدتنا مريم العذراء سيِّدة مونتسرّات والتي تُبيّن لنا يسوع طفلًا ضعيفًا يستريح في حضنها. إنّها هنا، إلى جانب ابنها، تدعونا إلى أن يحبّ بعضنا بعضًا. لنضع اليوم عند قدميها الدّروع التي قسّت قلوبنا شيئًا فشيئًا.
الطّفل يسوع الذي تحمله مريم بين ذراعيها لا يرتدي درعًا، وسيكون هو نفسه فيما بعد، عاريًا على الصّليب، وسيسلّم نفسه تسليمًا كاملًا إلى الآب، ليخلّصنا بقوّة المحبّة المجرَّدة من السّلاح والتي تجرِّد من السّلاح».
في اليوم عينه، التقى البابا لاوُن الرابع عشر مع "الهيئات الخيريّة وجمعيّات الإغاثة في الأبرشيّة "، في كنيسة القدّيس أغسطينس ببرشلونة (10 يونيو/حزيران 2026). وأثناء هذا اللقاء، أجاب قداسة البابا على بعضٍ من أسئلة الطفل رينزو (Renzo). وقد أكّد قداسته مجدّدًا على محبّة الله لنا جميعًا، وعلى محبّتنا لله تعالى ولإخوتنا، وعلى كرامةِ كلِّ إنسان أيضًا. فصَرّح قداسته في هذا الصدد:
«إنّنا مدعوّون إلى محبّة الله وإلى محبّة إخوتنا، من أجل محبّته، ونحن مُرسلون أيضًا إلى لقاء الجميع. فالمسيحيّ، إلى جانب كونه لطيفًا وودودًا، يجب أن يكون رؤوفًا، وأن يحبّ دون مصلحة، ويسعى إلى خير الآخرين، وهو يعلم أنّ في كلّ أخٍ وأختٍ متألّم، الرّبّ يسوع نفسه هو الذي يطلب ويتقبّل، ويُقبَل أو يُرفَض، ويُحبّ أو يُحتقر [...]
أودّ أن أؤكّد أنّنا، كمسيحيّين، مدعوّون إلى أن نجعل محبّة الله حاضرة لكلّ رجل وكلّ امرأة في نسيج التّاريخ. يروي لنا سفر التّكوين أنّ الله "خَلَقَ آدمَ على صُورَتِه، على صُورَتِهِ خَلَقَه، ذَكَرًا وأُنْثى خَلَقَهم" (تكوين 1، 27).
هنا تكمن كرامة كلّ إنسان غير القابلة للتصرّف، التي لا تعتمد على القدرات التي يمتلكها، ولا على الثّروات التي يجمعها، ولا على المهمّة التي يقوم بها، بل على العطيّة التي تسبقه وتتجاوزه، التي منحها الله تعبيرًا عن محبّته التي لا تنفد أبدًا (راجع الإنسانيّة الرّائعة، 50)».
11. بازيليكا العائلة المقدَّسة ومسيرةُ الحياة المسيحيّة المصلوبة والقائمة ومتطلّباتها
في عظته بالقدّاس الإلهيّ، في بازيليكا العائلة المقدَّسة (Sagrada Familia) ببرشلونة (10 يونيو/حزيران 2026)، عَقَد البابا لاوُن الرابع عشر مقارنةً جميلة بين هذه البازيليكا الاستثنائيّة من جهةٍ، ومسيرة الحياة المسيحيّة المصلوبة والقائمة من جهةٍ أخرى. وجديرٌ بالذكر أنّ "بازيليكا العائلة المقدَّسة" هي من تصوُّرِ وإبداع الفنّان المكرَّم أنطوني غاودي (Antoni Gaudì)، المهندس المعماريّ المتقّد بالإيمان. فشَرَح قداسة البابا في هذا الصدد:
«إنّ بازيليكا العائلة المقدّسة، أكثر من كونها بناء تذكاريًّا، ما زالت حتّى اليوم ورشةَ بناء، تذكّرنا بأنّ الحياة المسيحيّة هي دائمًا مسيرة، لأنّها مشروع يتولّى الله نفسه إكماله. لذلك نحن لا نسكن عملًا غير مكتمل، بل هيكلًا لا يزال قيد البناء. عدم اكتماله ليس عيبًا، لأنّه يشهد لرغبتنا في اكتماله، ولا يعني نقصًا، بل يعبّر عن وعد نريد أن نَفِيَهُ بأمانة. وهكذا يصير شكرنا التزام، فيما نتعاون مع مشروع الله، أي مع البناء الذي يدعونا هو نفسه إلى المشاركة فيه. وبما أنّنا هيكل الرّوح القدس (راجع 1 قورنتس 6، 16. 19)، فإنّ هذا العمل يتّفق مع حياتنا التي يريدها الله تحفةً فنيّة ننجزها معه [...]
أيّها الأعزّاء، لا يمكننا أن نؤمن بيسوع ونشنّ الحروب. ولا يمكننا أن نؤمن بيسوع ونقتل البريء. ولا يمكننا أن نؤمن بيسوع ونترك المتألّم، والباكي، والهارب من البؤس [...]
من الضّروريّ أن نمر عبر آلام الرّبّ المصلوب لكي نستَنير بمجد الرّبّ القائم من بين الأموات. في الواقع، منذ الأزل علّم الآب أن نبذل حياتنا، والابن الذي يقبل الحياة من الآب، يمنحها للجميع بقوّة الرّوح القدس. لهذا فإنّ الصّليب هو العلامة المضيئة لمحبّته».
12. قضيّةُ المهاجرين وجبروتُ البحر ووحوشه
في كلمته أثناء لقائه مع "هيئات استقبال المهاجرين"، في ميناء أرغينيغين (Arguineguín) بلاس بالماس دي غران كناريا (Las Palmas de Gran Canaria)، (11 يونيو/حزيران 2026)، تناوَل البابا لاوُن الرابع عشر القضيّةَ الخطيرة المتعلّقة بالمهاجرين واستغلالهم من قِبل العصابات. فقال قداسة البابا:
«في لغة الكتاب المقدّس، يمكن أن يكون البحر صورةً للتهديد والظّلام والفوضى. ففيه يظهر لَوياتان، رمز القوّة التي تلتهم، ورَهَب، الاسم الذي يستحضر كبرياء القوى التي تنتفض على الله وعلى الحياة (راجع المزمور 74، 13-14؛ 89، 10-11؛ أشعيا 27، 1؛ 51، 9؛ أيّوب 26، 12). اليوم أيضًا هناك وحوش تجوب هذه البحار: عصابات (مافيات) تتاجر بيأس البشر، ومهرّبون يستعبدون النّساء والأطفال، ولا مبالاة كثيرين تسمح بأن يتمّ ابتلاع الفقراء في دوّامة الاستغلال والنّسيان. غير أنّ الإيمان لا يقف مشلولًا أمام جبروت البحر. فنحن نؤمن بإلهٍ يُخضع الفوضى، ويضع حدًّا للشرّ، ويفتح طريقًا حين يبدو أنّ الموت هو الغالب [...] فالكرامة الإنسانيّة لا تحمل جواز سفر، ولا تفقد قيمتها عندما تعبر الحدود».
[يُتبَع]





