بقلم الأب يسطس الأورشليمى
إن كان سفرا عزرا ونحميا اللذان في الأصل سفر واحد، يصلحان لكُل العصُور، أنه سفر المُؤمن المُعاصر..
قد يقف الإنسان في حيرة، لا يستطيع أن يتنبأ ماذا يحدث في المستقبل القريب أو البعيد؟! حتى رجال السياسة صارُوا يخشُون المُستقبل، وكأن العالم قد صار ألعوبة في أيدي أناسٍ مجهُولين..
سفر عزرا يُقدم للمُؤمن طمأنينة، أن فُوق كُل العرُوش، والسلاطين، والمتآمرُون، يُوجد صاحب العرش ضابط الكُل في يده التاريخ كُله، فبحسب الفكر البشري لم يكن مُمكناً للشعب المسبّي أن يُصدق بأن وثنياً يعتقد أن الرّب إله السماء قد دفع إليه جميع ممالك الأرض، وأوصاه أن يبني له بيتاً في أورشليم، نقف في دهشة أمام يد الله العجيبة العظيمة، التي عملت في كُل الاتجاهات بما لم يكن يتوقعه أحد قط..
أن سرّ قُوة عزرا ونجاحه في مهمته الشاقة هذه العبارة:
يد الرّب إلهه عليه (عز6:7)، فكان عزرا يثق بأن الرّب إلهه أمين في وعُوده، رحُوم نحو مُؤمنيه، قدير وصالح يُخرج من الأحداث المُرة عذُوبة لشعبه ومُؤمنيه، يحميه تحت يده الإلهية..
إنه سفر انفتاح عينيّ المُؤمن، ليُدرك أنه لا يعمل وحده، بل يد الرّب إلهه عليه، تسنده وتعمل به وفيه وتحقق أهدافه..
عاش الكاتب رجُل الكتاب المُقدس عزرا، كما في حضن الله القدُوس، يُؤمن بالعمل الجماعي خلال شعبٍ طاهرٍ لا يطيق الخطية، ليختبر عربُون السماء بالحياة المُقدسة المُتهللّة في الرّب..
إنه الرجُل الشجاع الذي لا يُداهن أحداً، حتى رئيس الكهنة وكُل القيادات يعمل برُوح التواضع، ولعل من أبرز ما اتسم به، أنه حسب حياته جزءً لا يتجزأ من خطة الله العاملة عبر التاريخ..
لم يفصل عمله عن عمل الله مع سابقيه، ولا استخف بالقيادات التي جاءت لاحقة له، فيكتب بكُل قُوة واعتزازٍ عن عمل الله مع القائدين السابقين له زربابل الوالي ويشُوع الكاهن، كما يقف بجوار الوالي الجديد بعده نحميا يعمل معه بقُوة، بذلك قدم درساً عملياً..
عزرا رجل الشريعة كاهن بالميلاد، من نسل حلقيا رئيس الكهنة الذي وجد نسخة من الشريعة أثناء حكم يُوشيا (2أي14:34)، لم يُمارس عمله الكهنُوتي إذ نشأ في السبّي، أحب كلمة الله وعكف على دراسة الشريعة بغيرة وتقوى، أقامه الله لتعليم الشريعة وجمع أسفار الكتاب المُقدس وترتيبها، جاء في التقليد أنه أنشأ مجمع السنهدريم يتكُون من 120 شخصاً، وكان رئيساً للمجمع الذي وضع قانُون أسفار العهد القديم..
دُعي بالكاتب لأنه كان موظفاً في البلاط الفارسي ومستشاراً للإمبراطُور أرتحشستا في الشئُون اليهُودية للطائفة المُقيمة ما بين النهرين، وكان عزرا غيُوراً حتى حسبه اليهُود زعيماً..
تناول السفر تاريخ نحو 80 عاماً، تبدأ بصدُور أمر كُورش الفارسي بعُودة اليهُود إلى أورشليم تحت قيادة زربابل من نسل داود لبناء الهيكل، لكن في أيام قمبيز أوقف العمل بتحريض من السامريين وغيرهُم من الأمم، وفي أيام داريُوس ظهر النبيان حجي وزكريا اللذان شجعا القادة، والشعب على إعادة البناء، وقام الملك بمساعدتهُم..
أخيراً استطاع عزرا بعلاقاته الطيبة والقُوية أن يرجع إلى أورشليم ومعه الفوج الثاني من اليهُود يحملُون المال، وكان تركيزه بالأكثر على شريعة الله كسرّ العبادة وبناء الهيكل الداخلي..
كُورش رجل وثني ملك على فارس 20 سنة، ثم احتل بابل 538 ق.م وذكر إشعياء كُورش بالاسم، مُؤكداً أن قيامه بسماح إلهي، وأن غلبته على بابل العظيمة من قبل الله (إش45)، يدعُو الله كُورش مسيحه، ويفتح أمامه الأبواب المُغلقة، وتنهار قدامه الحصُون..
تنبأ دانيال النبيّ عن اتحاد مملكتي فارس ومادي بكُل وضُوح وصراحة، هذا ما دفع كُورش نحو إصدار منشُور بعُودة اليهُود لبناء الهيكل، استجاب للمنشُور خمسين ألف يهُودي، انطلقُوا إلى أورشليم كفُوج أول تحت قيادة زربابل، حيثُ سارُوا أكثر من 700 ميلاً..
لقد أمر كُورش المسئُول عن خزائن القصر أن يُخرج آنية بيت الرّب التي أخذها نبُوخذنصر، ويُسلمها كُلها إلى أورشليم، كأنها كانت محفُوظة لهذا اليوم كما دعا إلى التبرع لبيت الرّب، حقاً قصة كُورش تبرز أن الله ضابط التاريخ هُو إله المستحيلات، صانع العجائب..
كُورش وثني، لكنه كان رمزاً للمسيح في بعض جوانب مثل:
أولاً: كلمة كُورش تعني شمس، وكان يعتبر نفسه الشمس التي أشرقت على البلاد، والمسيح شمس البرّ (مل2:4)..
ثانياً: قال كُورش إن الرّب دفع إليه جميع ممالك الأرض، والمسيح هُو ملك الكنيسة المُمتدة في العالم كُله..
ثالثاً: حسب كُورش أن عمله هُو أن يبني بيت الرّب وهيكله، والمسيح جاء ليُقيم كنيسته بيت الرّب الرُوحي..
رابعاً: حرّر كُورش الشعب وطلب منهُم أن يتركُوا الأراضي، والمسيح قال إن حرّركُم الابن، فبالحقيقة تكُونُون أحراراً..
خامساً: لم يُلزم كُورش الناس بالتحرّر من السبيّ قهراً، والمسيح لا يُلزم الناس بالخلاص بغير إرادتهُم ومشيئتهُم..
سادساً: طلب كُورش أن يستخدمُوا الذهب والفضة لبيت الرّب، والمسيح يُريدنا أن نُقدم مواهبنا، وقدراتنا للمملكته..
سابعاً: تنبأ إشعياء عن كُورش في الزمن المُعين للعُودة من السبيّ، وتنبأ الأنبياء عن المسيح في ملء الزمان..
كاتب السفر عزرا، يقال إنه بدأ السفر وهُو في بابل وأكمله في أورشليم، وتعني كلمة عزرا الله عُوني، وهُو من سبط هرُون من أصل كهنُوتي، كان في دمه اشتياق لإعادة مجد إسرائيل، وإعادة بناء الهيكل، والرجُوع إلى الشريعة بكُل أنواع طقُوسها، وخاصة الذبائح..
سفرا عزرا ونحميا في الأصل هما سفر واحد، يروي قصة عودة الشعب من السبيّ، كأهم حدث في تاريخ اليهُود بعد خرُوجهُم من أرض مصر، لهذا يُدعى الخرُوج الثاني، ويشترك السفران في الآتي:
أولاً: مركز كُل سفر منهما هُو الرّب القدير والمُحب العامل، لكي يُدرك كُل مُؤمن أنه بالله القدير يتحقق الخلاص..
ثانياً: يبدأ كُل سفر منهما بمنشُور من ملك فارس الوثني بالعُودة، فالله هُو العامل بالجميع حتى بالوثنيين لبنيان كنيسته..
ثالثاً: انتهى كُل سفر منهما بأورشليم، حياتنا رحلة عمل مُفرحة، عزرا تكلّم عن الفوجين الأول والثاني ونحميا عن الأخير..
رابعاً: موضُوعهما بناء الهيكل والجماعة، أي البناء والعمل، والرب يقُول: أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل (يو17:5)..
خامساً: في الإصحاح التاسع من كلا السفرين نجد صلاة جماعية لله، فالعمل الإلهي يتحقق بالصلاة برُوح التوبة..
سادساً: انتهي كُل من السفرين بتطهير الشعب وتقديسه، إي الإصلاح الداخلي الرُوحي، فالهدف التمتع بنقاوة القلب..
سابعاً: اهتم الأول بالجانب الكنسي وبناء الهيكل، والثاني بالجانب المدني وبناء السُور، وتذكير الله بمواعيده الإلهية..
غاية وهدف هذا السفر كيف يُصلح الله من شأن شعبه أثناء السبيّ، وأن وعود الله لابد أن تتحقق بغض النظر عن الأشخاص، وكيف أن الله يُقيم قيادات في أحلك الظرُوف الصعبة..
عزرا رجُل مُتعبد يحب المذبح بالرغم من حرمانه منه في أرض السبيّ ومُحب للعبادة الشخصية والجماعية..
يثق في وعُود الله، متمسك بإيمانه أن الله قادر أن يحقّق وعُوده، آمن بالله القادر أن يحفظه..
رجُل صوم وصلاة وبكاء، ناديت هُناك بصوم .. لكي نتذلّل أمام إلهنا لنطلب منه طريقاً مستقيماً..
رجُل إيمان، لا يتكل على ذراع بشرٍ، بل على ذراع الله، يثق في الله ويتذلّل أمامه، وينكر ذاته (عز6:10)..
مُصلح لطيف مُؤمن بعمل ربنا، رجُل مذلة ودمُوع يُسلم قلبه للرُوح القُدس، لكي ينقش الكلمة في داخل قلبه..
يُدعى عزرا مُوسى الثاني، ليس لأنه قام بخرُوج جديد فحسب، وإنما لأنه حمل قلب مُوسى المملوء حُباً لخلاص شعبه، أن أروع صُورة لشخصيته لا في صنعه معجزات فائقة باسم الرّب، وإنما بوقوفه يشفع في شعبه قائلاً: والآن إن غفرت خطيتهُم، وإلا فامحُني من كتابك الذي كتبت (خر32:32)، هذه الصُورة تتكرّر بالنسبة لعزرا الكاتب الماهر..
إنها ذات الصُورة التي للرسُول القائل: فإني كُنت أود لو أكُون أنا نفسي محرُوماً من المسيح لأجل إخوتي أنسبائي حسب الجسد، وأيضاً: مَن يضعف وأنا لا أضعف؟ ومَن يعثُر وأنا لا ألتهب؟
راجع الكتاب المُقدس (رو3:9؛ 2كو29:11)..
يُقدم لنا سفر عزرا حقيقة: الله إله المستحيلات، العامل في كُل العصُور في الهزيع الأخير حينما تقف كُل الأذرع البشرّية في عجزٍ تامٍ، عندما ندخل في دوامة الشعُور بالعجز، والإحباط، ونُحسب أن الظرُوف المُحيطة بنا سيئة بسبب الاحتياجات المُتزايدة، والموارد الناقصة، والإمكانيات العاجزة، يُقدم لنا الله هذه الرسالة: عند الناس غير مُستطاع، ولكن ليس عند الله، لأن كُل شيءٍ مُستطاع عند الله (مر27:10)..
إنها صُورة رائعة لكنيسة العهد الجديد وهي تتبع مسيحها، بل تلتصق به بكُونها الجسد المُتحد بالرأس، وبعصاه أو صليبه يتحول العالم المُضطرب بأمواج تجاربه العنيفة إلى طريق ممتع للعبُور نحو الأبدية، تتحول المياه المُهلكة إلى سُور عن اليمين وعن اليسار، ليسير المُؤمن في الطريق بلا انحراف في حصانة المسيح الذي يحول كُل الأمُور لبنيان نفسه، وبنيان الكنيسة ليُحضرها إلى حضن الآب..





