محرر الأقباط متحدون
لمناسبة مرور مئة عام على تأسيس أول مقاطعة كنسية في ليتوانيا، ترأس أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان للعلاقات مع الدول والمنظمات الدولية، المطران بول ريتشارد غالاغر، قداساً احتفالياً في كاتدرائية كاوناس حمل في مضمونه رسالة روحية وتاريخية ربطت بين ذاكرة الشهادة التي عاشها الشعب الليتواني ومعاناة الشعوب اليوم، لاسيما في أوكرانيا.
 
توقف غالاغر في عظته عند تاريخ ليتوانيا خلال حقبة الاضطهاد السوفياتي، مشيراً إلى أن الشعب الليتواني سار في طريق الشهادة متكئاً على إيمانه العميق وعلى شفاعة العذراء مريم، التي يحتل تكريمها مكانة بارزة في الحياة الروحية للبلاد. وأكد أن الكنيسة الجامعة مدعوة اليوم أيضاً إلى أن تلجأ إلى مريم كملجأ ومرشدة، خصوصاً في هذه المرحلة التي وصفها بأنها "زمن كوارث كبرى" و"جراح عميقة" خلفتها الحروب، وفي مقدمتها الحرب المستمرة في أوكرانيا.
 
لذا رفع المسؤول الفاتيكاني صلاة خاصة من أجل الشعوب المتألمة من النزاعات، داعياً إلى نعمة "سلام منزوع السلاح ومجرّد من العنف"، وهو تعبير يعكس رؤية الكرسي الرسولي لسلام حقيقي يقوم على المصالحة والعدالة، لا على توازنات القوة أو منطق الحرب.
 
وتزامن هذا الاحتفال مع الذكرى المئوية للوثيقة الرسولية ليتوانوروم جينتي التي أصدرها البابا بيوس الحادي عشر عام ١٩٢٦. وأشار غالاغر إلى أن هذا الحدث التاريخي يمثل محطة مفصلية في حياة الكنيسة الليتوانية، التي استطاعت رغم عقود من القمع أن تحافظ على هويتها وإيمانها.
 
وفي سياق تأمله بقراءات الأحد الثالث عشر من الزمن العادي، شدد غالاغر على أهمية شهادة القديسين، معتبراً أنهم يشكلون مثالاً حياً للمؤمنين، لأنهم أفسحوا المجال لكلمة الله في قلوبهم، متخلّين عن المصالح الشخصية والهموم التي قد تخنق الإيمان.
 
كما توقف سيادته عند التضحيات الجسيمة التي قدمتها الكنيسة الليتوانية خلال القرن الماضي، مذكراً بأن آلاف الكهنة والرهبان والراهبات والمؤمنين تعرضوا للترحيل إلى معسكرات الاعتقال في سيبيريا، حيث كتبوا صفحات مؤثرة من الصمود والإيمان. واعتبر أن تلك الحقبة تمثل شاهداً حياً على فشل الأنظمة الشمولية في القضاء على الكنيسة.
 
واستعاد غالاغر أيضاً رمزية "تلّة الصلبان"، ذلك الموقع الشهير في ليتوانيا الذي يضم عشرات الآلاف من الصلبان، والذي تحول إلى رمز للمقاومة الروحية والوطنية، مع العلم أن الصلبان أقيمت أولاً تخليداً لضحايا الانتفاضات ضد الإمبراطورية الروسية في القرن التاسع عشر، ثم أصبحت لاحقاً رمزاً لذكرى ضحايا النظام السوفياتي. وذكّر بأن البابا يوحنا بولس الثاني وصف هذا المكان خلال زيارته عام ١٩٩٣ بالكولوسيوم الحديث، بعدما تعرّض مراراً للهدم على يد السلطات الشيوعية.
 
وأكد رئيس الأساقفة غالاغر أن كلمة الله لم تبقَ مجرد تعليم نظري في تاريخ الشعب الليتواني، بل تجسدت في حياة شهدائه وآلامهم، مستشهداً بمقولة ترتوليان الشهيرة "دم الشهداء هو بذار مسيحيين جدد". ورأى سيادته في تاريخ الكنيسة الليتوانية دليلاً واضحاً على صدق هذه العبارة حيث أثمرت المعاناة حياة إيمانية متجددة عبر الأجيال.
 
وفي ختام عظته أكد غالاغر أن الاحتفال بالذكرى المئوية لنشأة المقاطعة الكنسية ليس مجرد استذكار للماضي، بل فرصة لتجديد الشكر لله على الأعمال العظيمة التي صنعها في كنيسة الشهداء، وتعزيز الرجاء في مواصلة المسيرة الإيمانية نحو السماء، مستمدين القوة من تاريخ الصمود والشهادة والإيمان الراسخ.