أكرم ألفى
عندما أستيقظ وأجد كنزًا من مقال مختلف عن الديموغرافيا، يكون ذلك يومًا سعيدًا بالنسبة لي. فالكلام المكرر أصبح بالنسبة لي محفوظًا عن ظهر قلب من كل الزملاء الخبراء في الديموغرافيا في عالمنا الصغير جدًا والمتشابه جدًا. 
 
وكانت ضالتي هذا الأسبوع مقالًا للكاتب بلين براونيل على موقع Architect Magazine، يدرس تأثير العمارة في النمو السكاني، طارحًا سؤالًا غريبًا: هل أثرت الأماكن التي نصممها ونبنيها في معدلات الإنجاب التي تتراجع في العالم اليوم؟
 
ويشير براونيل إلى أن النقاشات حول أسباب تراجع السكان في اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا والصين، وبدء تباطؤ النمو السكاني في الهند ومصر، تغفل عنصرًا بالغ الأهمية، هو البيئة العمرانية. فالتغطيات الإعلامية تركز في الغالب على التحولات الاقتصادية والثقافية، وهي عوامل مهمة لكنها واضحة، بينما تتجاهل الدور الذي تؤديه البيوت والعمارة في تشكيل السلوك الإنساني والتأثير في القرارات الإنجابية.
 
ويتحدث براونيل باستفاضة عن أن المدينة تمثل الفرص التعليمية والثقافية والاقتصادية، وتظل محرك الابتكار والإنتاجية في المجتمع، لكنها في الوقت نفسه تميل إلى تأخير تكوين الأسر. وتجسد طوكيو هذه المعضلة بوضوح؛ إذ ينتقل الشباب إلى المدن الكبرى بحثًا عن الوظائف والفرص الاجتماعية، وغالبًا ما يؤجلون الزواج والإنجاب أثناء استكمال تعليمهم أو بناء مسيرتهم المهنية. وتدين المدن بجزء كبير من قدرتها على الحفاظ على سكانها لهذه الهجرة، لكنها في المقابل تُسرّع تراجع المناطق الريفية، وتُسهم في الانكماش الديموغرافي على نطاق أوسع.
 
ويوضح براونيل أنه في مجال العمارة كثيرًا ما يُحتفى بالكثافة العمرانية بوصفها نموذجًا للكفاءة؛ فهي تحقق استخدامًا أفضل للأراضي، وتخفض انبعاثات النقل، وتقلل تكاليف البنية التحتية. لكن الكثافة غالبًا ما ترتبط أيضًا بضيق المساحات السكنية، ونقص المساكن، وارتفاع الأسعار، وطول زمن التنقل، وهي جميعها عوامل ترتبط بانخفاض معدلات الإنجاب. وليست الكثافة في حد ذاتها هي المشكلة، وإنما يكمن التحدي في تصميم أشكال من الكثافة العمرانية تدعم تكوين الأسر بدلًا من أن تثبطه.
 
وفي مفارقة غريبة، يقول براونيل إن الحدائق الجيدة التصميم، والأحياء القابلة للمشي، والمؤسسات الثقافية، والفضاءات العامة تجعل المدن أكثر جاذبية، لكن لهذه الجاذبية ثمنًا. فكلما تحسنت الخدمات والمرافق ارتفع الطلب على السكن، وازدادت قيم العقارات، وارتفعت أسعار المساكن. والمفارقة أن الخصائص التي تجعل المدينة أكثر جذبًا قد تجعلها أقل قدرة على استيعاب الشباب والأسر الجديدة. فالتصميم الجيد يخلق قيمة، لكنه قد يقوض، في الوقت نفسه، الاستقرار السكاني.
 
وغالبًا ما يتعارض السعي إلى الاستدامة البيئية مع الطموحات الديموغرافية للدول الحديثة. فالمساكن المدمجة، والبنية التحتية المشتركة، وخفض استهلاك الفرد للموارد، كلها تدعم الأهداف البيئية. لكن الحكومات التي تواجه تراجعًا سكانيًا تميل إلى تشجيع بناء مساكن أكبر، وتوفير مزيد من أماكن انتظار السيارات، واعتماد سياسات تشجع على تكوين الأسر، وهي توجهات قد تتعارض مع أهداف الاستدامة. وهكذا تجد العمارة نفسها عالقة بين أولويتين متنافستين: حماية البيئة من جهة، وتحفيز النمو السكاني من جهة أخرى.
 
وليست كل التناقضات مرتبطة بالنمو. فعادة ما يُنظر إلى تراجع عدد السكان باعتباره أزمة، لكن المجتمعات المنكمشة قد توفر مزايا غير متوقعة. فمع انخفاض ضغوط التنمية يصبح من الممكن استعادة النظم البيئية وتحسين كفاءة استخدام الموارد.
 
ويطرح المصمم العمراني هيديتوشي أونو، في مشروعه «مدينة الألياف» (Fiber City) لليابان، رؤيةً تعتبر المدن المنكمشة فرصة لإعادة ابتكار نفسها من خلال توسيع البنية التحتية الخضراء وابتكار أنماط جديدة للتنظيم العمراني. وفي المقابل، يفرض انخفاض عدد السكان ضغوطًا كبيرة على شبكات النقل، والمدارس، والمرافق العامة، والاقتصادات المحلية. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي ليس في منع الانكماش السكاني بأي ثمن، بل في تصميم مدن قادرة على التكيف معه مع الحفاظ على جودة الحياة.