(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
أواصل تقديمَ حُزمة مختارة من رسائل البابا لاوُن الرابع عشر التي نادى بها –بجراءةٍ ومحبّةٍ للحقيقة– في الأراضي الإسبانيّة. وأعرض هذه الرسائلَ الحَبريّة متّبِعًا الترتيب الزمنيّ لمحطات هذه الزيارة الرسوليّة. وهذه هي الحلقة الخامسة والأخيرة.
13. خشبةُ الصليب، والروحانيّةُ الإفخارستيّة، ونجومُ الفضائل الثلاثة
في كلمته أثناء لقائه مع "الأساقفة والكهنة والشمامسة والرهبان والراهبات والإكليريكيّين والعاملين الرعويّين"، في كاتدرائيّة القدّيسة حنّة بلاس بالماس دي غران كناريا (Las Palmas de Gran Canaria)، (11 يونيو/حزيران 2026)؛ تحدّث البابا لاوُن الرابع عشر عن أمورٍ ثلاثة مهمّة للغاية لحياتهم وحياتنا، مستشهِدًا بالقدّيس أغسطينس، والرسالة العامّة "الإنسانيّة الرائعة"، والبابا يوحنّا بولس الثاني. وهذه الأمور الثلاثة هي: خشبة الصليب، والروحانيّة الإفخارستيّة، ونجوم الفضائل الثلاثة. فأوضح قداسةُ البابا في هذا الصدد ما يلي:
«"[...] لقد هيّأ لنا الخشبة التي نعبر بها البحر. في الواقع، لا أحد يستطيع أن يجتاز بحر هذا العالم إن لم يحمله صليب المسيح" (شرح إنجيل القدّيس يوحنّا 2، 2). هذا هو الموقف الأوّل الذي يقودنا لنبحر في مياه الحياة ونبلغ غايتنا، وطننا السّماوي: أن نعانق صليب المسيح. أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، لقد اختبر القدّيسون الحنين إلى الله، وإذ واجهوا عواصف الحياة، عرفوا كيف يحملون يسوع في قواربهم، فوثقوا به، وقبلوا صليبه، وبذلك هدّأوا أمواج الشّك والخوف (راجع متّى 8، 23-27) [...]
فإنّ تنمية روحانيّة إفخارستيّة تعني أن نتعمّق في "روحانيّة الوَحدة الكنسيّة في المحبّة" (رسالة بابويّة عامّة، الإنسانيّة الرّائعة، 234). لنجعل من حياتنا جوابًا على رغبة يسوع: "ليكونوا بِأَجمَعِهم واحِدًا [...] لِيُؤمِنَ العالَمُ" (يوحنّا 17، 21) [...]
وعندما تواجهون الصّعاب، ارفعوا عيونكم واطلبوا من الرّوح القدس النّعمة لتعيشوا متّحدين في الإيمان والرّجاء والمحبّة، وهي الفضائل التي "تشبه ثلاثة نجوم تلمع في سماء حياتنا الرّوحيّة لتقودنا نحو الله" (القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، التّعليم المسيحيّ أثناء المقابلة العامّة، 22 تشرين الثّاني/نوفمبر 2000)».
14. الطبيعةُ الإنسانيّة المُحِبّة
في عظته بالقدّاس الإلهيّ، في عشيّة عِيد قلب يسوع الأقدس بمدرّج غران كناريا (Gran Canaria)، (11 يونيو/حزيران 2026)، أشار البابا لاوُن الرابع عشر إلى الطبيعة الإنسانيّة المُحِبّة المرتبطة بطبيعة الله المُحِبّة؛ فقال قداسته:
«هذه هي محبّة الله التي تتجذّر فيها دعوتنا إلى المحبّة: فهي لا تقوم على الحسابات، ولا على الإحساس فقط، ولا يمكن اختصارها في مجرّد عمل محبّة، بل هي محبّة تتغلغل في كلّ كياننا: نارٌ للنفس، ونورٌ للعقل، ودافعٌ لا يُقاوَم للحرّيّة، وسلامٌ وفي الوقت نفسه قلقٌ للقلب، الذي ينبض بتناغم مع قلوب أخرى، يشمل كلّ الإنسان. لأنّ المحبّة أمرٌ متأصّل في طبيعة الإنسان، بل هي شرط اكتمال حياته [...]
مع ذلك، يجب ألّا تكون محبّتنا مجرّد مساعدة، بل يجب أن تهدف إلى دمج النّاس وتحقيقهم الكامل لأنفسهم –روحيًّا وفكريًّا وجسديًّا– وإلى إدماجهم إدماجًا كريمًا وبنّاءً في الجماعة (راجع الرّسالة البابويّة العامّة، كلّنا إخوة، 3 تشرين الأوّل/أكتوبر 2020، 129). إذّاك فقط يصير لقاؤنا، حتّى في مواجهة الأحداث الصّعبة والمؤلمة، فرصةً لنزرع بذار الرّجاء في مسيرة البشريّة نحو مستقبل أفضل».
15. الكنيسةُ الرحّالة وجراح الفقراء وآلامهم
في اليوم الأخير من زيارة البابا لاوُن الرابع عشر التاريخيّة للأراضي الإسبانيّة، تمّتْ لقاءاتٌ عديدة: مع المهاجرين في مركز "الجذور"، ومع هيئات إدماج المهاجرين، ومع المؤمنين. بدايةً، في كلمته أثناء لقائه مع المهاجرين في مركز "الجذور" (Las Raíces)، في سان كريستوبال دي لا لاغونا (San Cristóbal de la Laguna)، تينيريف (Tenerife)، (12 يونيو/حزيران 2026)، صَرّح قداسةُ البابا بأنّنا: «نحن كلّنا مهاجرون، بطريقة ما، وكلّنا حُجَّاج في مسيرة نحو الوطن السّماويّ. لنتساعد لكي نجعل في هذه الرّحلة فسحةً فيها المزيد من الإنسانيّة للجميع، ونُساهم في ذلك بما هو في مقدورنا».
وانطلاقًا من كوننا –كمؤمنين وكنيسةٍ– "رحّالةً" و"مهاجرين" في هذا العالم، أكّد قداسة البابا، في كلمته أثناء لقائه مع هيئات إدماج المهاجرين، في ساحة المسيح دي لا لاغونا (Plaza del Cristo de La Laguna)، تينيريف (Tenerife)، (12 يونيو/حزيران 2026)، على مشاركتنا لجراح الفقراء وآلامهم:
«الكنيسة تتعلّم أن تقرأ، في الحياة العمليّة للمتألّمين في الجسد أو الرّوح، علامةً حيّةً تشير إلى الأناجيل المقدّسة، وتصير مقروءةً باللمس والقرب عندما نلمس جراح القريب. كما تعلَّم توما أمام جسد الرّبّ الممجَّد القائم من بين الأموات، تتعلّم الكنيسة أيضًا أنّ الجراح، عندما ننظر إليها بعيني الإيمان، يمكن أن تصير مكانًا للتعرّف: فحيث تلمس المحبّة الألم البشريّ، يؤكّد لنا المسيح أنّه حاضر في الجائع والعطشان والعريان والمريض والسّجين والغريب (راجع متّى 25، 35-40) [...]
أن نبشّر بالإنجيل يعني أن نشارك الكنز الذي يعزّز عملنا ورجاءنا، بكلّ احترام وتواضع. فالكنيسة التي تستقبل هي أيضًا كنيسة تعلن، وتقدّم المسيح من دون أن تفرضه، وتتلقّى في الوقت نفسه الإنجيل من أيدي الفقراء [...]
من هذه السّاحة أريد أن أوجّه كلمة واضحة إلى الذين يستغلّون اليأس، وإلى الذين ينظّمون طرق الموت، ويتاجرون بالبشر، ويحتجزون الوثائق، ويستغلّون العمّال، ويهدّدون النّساء، ويخدعون العائلات، ويحوّلون آلام الآخرين إلى تجارة. توقّفوا! توبوا (راجع مرقس 1، 15)! دموع هؤلاء الإخوة ودماؤهم تصرخ إلى الله، وآلامهم تصعد إليه (راجع تكوين 4، 10؛ خروج 3، 7-9). فالمال المنتزع من ضعف الفقراء لن يمنح سلامًا، ولا كرامة، ولا مستقبلًا (راجع إرميا 22، 13؛ يعقوب 5، 1-6)».
أمّا في عظته أثناء القدّاس الإلهيّ الخاصّ بعِيد قلب يسوع الأقدس، في مرفأ الصليب المقدَّس (Santa Cruz)، تينيريف (Tenerife)، (12 يونيو/حزيران 2026)، لَخّص قداسةُ البابا زيارته لإسبانيا موضّحًا ما يلي: «في الواقع، الإنسان ليس جزيرة [...] هذا هو سرّ القلب: الدّعوة الحميمة في النّفس إلى الخروج واللقاء [...] توجد الحياة عندما تُمنح الحياة. عدا ذلك، فإنّنا ندور في حلقة مفرغة. في الواقع، "كما يذكّر المجمع، فإنّ الإنسان مدعوّ إلى الوَحدة والشّركة مع الله ولا يستطيع أن يجدَ ذاتَه تمامًا، إلّا ببذلِ ذاته دون مقابل: وأعمق ما في دعوته هو أن يدخل في حركة محبّة الثّالوث التي قَبِلَها وصار مشاركًا فيها" (الإنسانيّة الرّائعة، 48)».
خاتمة
في تحيّته بخِتام القدّاس الإلهيّ، في مرفأ الصليب المقدَّس (Santa Cruz)، تينيريف (Tenerife)، (12 يونيو/حزيران 2026)، خَتَم البابا لاوُن الرابع عشر زيارته للأراضي الإسبانيّة أيضًا، معبّرًا عن شُكره وامتنانه وسعادته:
«أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، بهذا الاحتفال الإفخارستيّ تُختتم زيارتي الرّسوليّة إلى إسبانيا. أشكر الله، وجميع الذين استقبلوني، والذين تعاونوا، بطرق لا تُحصى، في الإعداد وتحقيق مختلف اللحظات، في مدريد وبرشلونة ومونتسيرّات (Montserrat)، وهنا في جزر الكناري. أعود إلى روما متأثّرًا بالمودّة الكبيرة التي أحاطت بي، ومتعزّيًا بشهادات الإيمان والمحبّة للكنيسة، وهي تعبير عن القلب الكاثوليكيّ الكبير الذي تتميّز به إسبانيا».





