د.ماجد عزت إسرائيل

 
كان اعتصام المثقفين عام 2013م لحظة فارقة في تاريخ مصر الحديث، لأنه لم يكن مجرد موقف احتجاجي محدود، بل كان إعلانًا واضحًا أن الثقافة المصرية ترفض أن تُختزل هوية الوطن في اتجاه واحد أو فكر مغلق. لم تكن القضية وقتها سياسية فقط، بل كانت معركة على روح مصر، وعلى حق
 
المصريين في الحرية والفن والإبداع والتنوع والحياة الكريمة. فلقد مثّل المثقفون والنخبة الواعية في ذلك الوقت ضمير المجتمع، واستطاعوا أن ينقلوا ثورة 30 يونيو إلى صورة أعمق من مجرد خروج شعبي، لتصبح واحدة من تجليات الثورات الكبرى التي تدافع عن حرية الإنسان وكرامة الوطن. كان اعتصام المثقفين شرارة رمزية مهمة، لأنه كشف أن الخطر لم يكن على السلطة وحدها، بل على العقل المصري، وعلى الفن، والإعلام، والتعليم، والهوية الوطنية الجامعة.
 
 وفي ذاكرتي يبقى هذا الاعتصام شاهدًا على أن الكلمة قد تكون أحيانًا أقوى من الهتاف، وأن المثقف الحقيقي لا ينعزل عن شعبه، بل يقف في اللحظة الصعبة مدافعًا عن وعي الناس وحقهم في المستقبل. ولو استمر الإخوان في حكم مصر، أعتقد أن المشهد الثقافي كان سيتعرض لضغط كبير. ربما كانت ستُكمم أفواه كثيرة، وتتراجع حرية الفن والإعلام، ويصبح الإبداع محاصرًا برقابة فكرية ودينية ضيقة. كان من الممكن أن نجد مصر أقل انفتاحًا على العالم، وأبعد عن التطور الثقافي والاقتصادي، لأن المجتمعات لا تنهض بالتشدد ولا بالإقصاء، بل بالعلم والعمل والفكر الحر.
 
لذلك تبقى ثورة 30 يونيو، وفي قلبها اعتصام المثقفين، لحظة خالدة في ذاكرة الطبقة المثقفة، لأنها دافعت عن مصر التي نعرفها: مصر الفن، والتاريخ، والتعدد، والحياة.