هاني دانيال
لم يكن خروج ألمانيا المفاجئ من كأس العالم لكرة القدم 2026 على يد باراجواي مجرد كبوة كروية عابرة أو تفاصيل تكتيكية سقط فيها يوليان ناجلسمان، بل كان المرآة التي عكست أزمة هوية أعمق بكثير تعيشها البلاد. لقد تحول "المانشافت" من رمز للماكينات القوية والدقيقة إلى تجسيد حي لحالة "الدرجة الثانية" التي بات الشارع يرى أن الدولة تنزلق إليها في كل المجالات.
تكتيكياً، دفع المنتخب ثمن خيارات ناجلسمان الجدلية، من عناده في إشراك الحرس القديم مثل نوير وساني على حساب دماء جديدة مثل أديمي، روبرت أندريش،نوبل أو باومان، إلى تعقيده الخططي الزائد وغياب الفاعلية والشخصية داخل الملعب.
وجاء تقرير صحيفة فرانكفورت الجماينه ليفكك هذه الأزمة إدارياً وفكرياً، معتبراً أن ناجلسمان "قدّر إمكانيات فريقه وإمكانياته هو شخصياً بشكل مبالغ فيه تماماً". ورصدت مشهد الإحباط في قاعة المؤتمرات الصحفية في "فوكسبورو"، حيث أعلن المدرب تمسكه بمنصبه وسط إيماءات تأييد صامتة ومستفزة من المدير الرياضي للاتحاد، أندرياس ريتيج، مما يعكس إصرار المنظومة على منطق "استمرار الوضع الحالي رغم الفشل الكارثي للمرة الثالثة على التوالي (2018، 2022، 2026).
هذا التلاحم الإداري لحماية المدرب أشعل "مقصلة الإعلام"؛ حيث قادت الصحافة الشعبوية مثل"بيلد" حملة شعواء طالبت برأس ناجلسمان فوراً دون النظر لعقده المستمر حتى 2028. واصفةً خروجه بأنه "ارتطام بالجدار بكامل السرعة"، ومطالبةً ببديل ثوري بحجم يورجن كلوب لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وإعادة الهيبة للكرة الألمانية.
لكن الصرخة الأقوى جاءت من الشارع الغاضب، الذي لم يعد يرى في كرة القدم مجرد تسلية، بل امتداداً لـ "منحدر غير مسبوق" يعيشه الاقتصاد الألماني من قضايا التضخم، تراجع التصنيع، والإفلاس اليومي. لقد تقاطع الفشل الرياضي مع الإحباط السياسي؛ فحين خرج المستشار ميرتز بكلمات دبلوماسية يبدي فيها فخره بـ "روح الفريق"، قوبل بصدام عنيف من مواطنين يرفضون تجميل الفشل.
وداع المونديال المبكر في سيناريو متكرر يثبت أن المشكلة لم تعد متعلقة باسم المدرب أو جيل اللاعبين. إن ألمانيا بأكملها تقف اليوم أمام حقيقة قاسية: لم يعد يكفي العيش على "سمعة الماضي". والعودة إلى الصدارة تتطلب ثورة شاملة تعيد إحياء عقلية "الإنجاز والأداء، سواء داخل المستطيل الأخضر أو في دهاليز السياسة والاقتصاد.





