محرر الأقباط متحدون
حين تتحول المحبة إلى رسالة...
"حبايب يسوع" قصة خدمة بدأت بخمسة أشخاص ووصلت إلى 20 ألفًا من ذوي الهمم
هناك خدمات لا تتصدر عناوين الأخبار، لكنها تحتل مكانًا عظيمًا في قلب الله. خدمات تُبنى على المحبة والبذل، لا على الأضواء أو الشهرة، ومن بينها خدمة رعاية أحبّاء يسوع من ذوي الهمم، التي أصبحت على مدار سنوات نموذجًا حيًا للمحبة العملية. حدث فريد ففي حدث يُعد الأول من نوعه، شهدت الخدمة لقاءً روحيًا ضخمًا جمع نحو ألفي خادم وخادمة متطوعين من 18 محافظة، علي مدار يومين ببيت الخدمة بمدينة المنيا الحديدة، رغم حرارة الطقس الخانقة، قطع نحو ألفي خادم المسافات من مختلف محافظات مصر، ليعلنوا عمليًا محبتهم للرب، ولأحبّاء يسوع من ذوي الهمم. وفي أجواء مملوءة بالفرح والروحانية، استضاف بيت الخدمة بمدينة المنيا الجديدة فعاليات اليومين الروحيين، تحت رعاية الدكتور القس جرجس صادق، أول قسيس مُرتسم في مصر لخدمة ذوي الاحتياجات الخاصة، بمجمع الكنائس المعمدانية الكتابية. وبحضور الدكتور القس بطرس فلتاؤوس رئيس المجمع العام للكنائس المعمدانية الكتابية بمصر، والدكتور القس عزت شاكر ، والقس ابراهيم نسيم نائب رئيس مجمع الكنائس المعمدانية الكتابية بمصر، وبمشاركة أعضاء لجنة صُنّاع السلام بالمنيا ، فضيلة الشيخ جمال عبد الحميد إبراهيم من علماء الأزهر الشريف وعضو المنظمة العالمية لخريجي الأزهر، وحضرة الأب أيوب يوسف من مطرانية الكاثوليك بالمنيا ، وفضيلة الشيخ عمر الزيني ، أعضاء لجنة صُنّاع السلام بالمنيا ،والقس اختيار خليفة نائب رئيس مجمع كنائس المثال المسيحي بمصر، والمرنم المحبوب عبد السيد فاروق، إلى جانب عدد من الرعاة والقيادات والخدام من 18 محافظة.
+ تقديرًا وامتنانًا
وجاء هذا اللقاء تقديرًا وامتنانًا للخدام الذين يكرسون وقتهم وجهدهم لخدمة ذوي الهمم دون أي مقابل، ويواصلون رسالتهم بمحبة وإخلاص وتفاني ، بعيدًا عن الأضواء، إيمانًا بأن ما يقدمونه هو خدمة للمسيح نفسه.
+ كلمات من القلب
واستهل اللقاء الدكتور القس جرجس صادق، مؤسس ومسؤول خدمة «حبايب يسوع» لرعاية ذوي الهمم في مصر، بالترحيب بالحضور، معربًا عن تقديره العميق للخدام المتطوعين، ومثمنًا ما يبذلونه من جهود مضنية وتفانٍ في هذه الخدمة الفريدة. كما شجعهم على إعداد وتلمذة خدام جدد يكونون سندًا لهم في الخدمة، مستشهدًا بنموذج موسى ويشوع، مؤكدًا أن الخدمة الناجحة تقوم على نقل الخبرة وإعداد أجيال جديدة من الخدام. من جانبه، أكد الدكتور القس عزت شاكر أن حياة الخادم ينبغي أن ترتكز على الصلاة بلا انقطاع، داعيًا إلى أن يبدأ الخادم يومه بالصلاة، وأن يظل قلبه مرفوعًا إلى الله طوال اليوم، فلا ينشغل بالحديث مع نفسه، بل يتحدث إلى الله، ويتغنى بمراحمه وإحساناته، مستشهدًا بقول المرنم: «الله لنا ملجأ وقوة، عونًا في الضيقات وُجد شديدًا» (مز 46)، وقوله: «لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي؟ وَلِمَاذَا تَئِنِّينَ فِيَّ؟ تَرَجَّيِ اللهَ، لأَنِّي بَعْدُ أَحْمَدُهُ، خَلاَصَ وَجْهِي وَإِلَهِي» (مز 43: 5). وأوضح أن خدمة ذوي الهمم هي امتداد ليد الله المحبة، وأن ما يقدمه الخدام لهؤلاء الأحباء إنما يقدمونه للمسيح نفسه. وفي كلمته، أكد الدكتور القس بطرس فلتاؤوس، رئيس المجمع العام للكنائس المعمدانية الكتابية بمصر، أن هذه الخدمة العظيمة تعكس قلب السيد المسيح، الذي «جَالَ يَصْنَعُ خَيْرًا» (أع 10: 38)، مشيرًا إلى أن خدمة ذوي الهمم ليست مجرد نشاط اجتماعي، بل عمل روحي يُقدَّم لله. وأضاف أن الخادم حين يشجعع المحبطين، ويرسم البسمة على وجوه المتألمين، ويزرع الرجاء في قلوب اليائسين، فإنه يخدم المسيح ذاته. كما شدد على أن الله لا ينسى تعب المحبة، مستشهدًا بقول الرسول بولس: «إِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ، كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلًا فِي الرَّبِّ» (1 كو 15: 58)، مؤكدًا أن الله يستخدم الضعفاء ليصنع من خلالهم أمورًا عظيمة. كما أكد الأب أيوب يوسف أن السيد المسيح، طوال حياته على الأرض، كان يجول يصنع خيرًا، وأن ما يقدمه خدام ذوي الهمم يحظى بتقدير السيد المسيح ورضاه، مستشهدًا بقوله: «بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ» (مت 25: 40). وفي كلمته، قال فضيلة الشيخ جمال عبد الحميد إبراهيم، من علماء الأزهر الشريف، إن جميع الأديان السماوية تدعو إلى فعل الخير والإحسان، وإن ما يقدمه هؤلاء الأبطال من خدمة لذوي الهمم له أجر عظيم عند الله، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30].
ودعا الجميع إلى التكاتف في أعمال الخير، ومدِّ يد العون والمحبة والإحسان لكل إنسان، ولا سيما ذوي الهمم وأسرهم.
عبر خدام ذوي الهمم عن سعادتهم البالغة بحضور اللقاء وسط التسبيحات والترنيمات الروحية التي قادها المرنم المحبوب عبد السيد فاروق
+ بداية الحكاية... طاعة لصوت الله
بدأت خدمة "حبايب يسوع" عام 2009، عندما وضع الله على قلب الدكتور القس جرجس صادق ضرورة الاهتمام بذوي الهمم ورعايتهم، مهما كانت درجة إعاقتهم، إيمانًا بأن لكل إنسان قيمة عظيمة لأنه مخلوق على صورة الله. لقد استجاب الدكتور القس جرجس لصوت الله، وبدأ الخدمة برعاية خمسة فقط من ذوي الاحتياجات الخاصة، مقدمًا لهم الرعاية الروحية والاجتماعية والصحية، مؤمنًا بأن المحبة الصادقة قادرة على تغيير الحياة. ومع مرور السنوات، اتسعت دائرة الخدمة بصورة لافتة، حتى بلغ عدد المخدومين في عام 2026 ما يقرب من 20 ألف شخص من مختلف فئات ذوي الهمم، موزعين على 18 محافظة، في واحدة من أكبر الخدمات المتخصصة في هذا المجال داخل مصر. أربعة آلاف خادم متطوع ... بلا أجر إلا الأجر السماوي ومع اتساع الخدمة، انضم إليها آلاف المتطوعين الذين حملوا الرسالة نفسها، حتى بلغ عددهم نحو أربعة آلاف خادم وخادمة، يخدمون بمحبة دون أي مقابل مادي، واضعين نصب أعينهم وصية الكتاب المقدس وخدمة الإنسان. ولضمان جودة المتابعة، جرى تنظيم الخدمة في قطاعات متخصصة، ووفقا لهيكل تنظيمي وإداري لسهولة ودقة المتابعة وتقدم برامج متنوعة تشمل: الرعاية الروحية والمتابعة الكنسية، الدعم الاجتماعي والنفسي، المساعدات النقدية، توزيع الشنط التموينية، اللقاءات والأنشطة الدورية، توفير الكراسي المتحركة والأجهزة المساعدة، تقديم قروض دون فوائد لبدء مشروع صغير، تدريب ذوي الهمم على الحرف والمهن المناسبة لقدراتهم، بما يساعدهم على الاعتماد على أنفسهم والاندماج في المجتمع. محبة تُترجم إلى أفعال لم تكن هذه الخدمة مجرد عمل إجتماعي، بل ترجمة عملية لتعاليم الإنجيل، إذ آمن الدكتور القس جرجس صادق أن خدمة البسطاء والمهمشين الضعفاء هي في جوهرها خدمة السيد المسيح نفسه الذي جال يصنع خيرا. الَّذِي جَالَ يَصْنَعُ خَيْرًا وَيَشْفِي جَمِيعَ الْمُتَسَلِّطِ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ اعمال 10: 38 فقد أطاع صوت الله، وسار على خطى سيده الذي "كان يجول يصنع خيرًا"، مجسدًا وصايا الكتاب المقدس في واقع عملي، ومنها: "مَنْ يَرْحَمُ الْفَقِيرَ يُقْرِضُ الرَّبَّ، وَعَنْ صَنِيعِهِ يُجَازِيهِ." (أمثال 19: 17) كما تتجسد هذه الخدمة في كلمات الرب يسوع: "بَلْ إِذَا صَنَعْتَ ضِيَافَةً، فَادْعُ الْفُقَرَاءَ وَالْجُدْعَ وَالْعُرْجَ وَالْعُمْيَ، فَيَكُونَ طُوبَاكَ... فَإِنَّكَ تُكَافَأُ فِي قِيَامَةِ الأَبْرَارِ." (لوقا 14: 13-14) لقاء وفاء للخدام الأمناء لم يكن اللقاء مجرد اجتماع تنظيمي، بل كان يومًا روحيًا حمل رسالة تقدير لكل خادم يخدم في صمت، ولكل من اختار أن يمنح وقته وجهده ومحبة قلبه لأشخاص ربما لا يلتفت إليهم كثيرون. فالخدام الذين يعملون في هذه الخدمة لا ينتظرون تكريمًا من البشر، بل يواصلون رسالتهم بمحبة واتضاع، مؤمنين أن تعبهم محفوظ عند الرب. دعم ومساندة وتشجيع كما عكس اللقاء الدعم الكبير الذي يقدمه الدكتور القس بطرس فلتاؤوس، القائد الملهم، رئيس المجمع العام للكنائس المعمدانية الكتابية بمصر، الذي يساند هذه الخدمة ويشجعها باستمرار، إيمانًا بأهميتها الإنسانية والروحية، وهو ما أسهم في اتساعها وتحقيق أثر ملموس في حياة آلاف الأسر. خدمة تصنع الرجاء إن أحبّاء يسوع من ذوي الهمم لا يحتاجون فقط إلى الرعاية، بل يحتاجون إلى من يؤمن بقدراتهم، ويشجعهم، ويمنحهم الفرصة ليعيشوا حياة كريمة، مملوءة بالرجاء والفرح والشركة. ولعل أعظم ما يميز خدمة "حبايب يسوع" أنها أعادت إلى آلاف الأشخاص شعورهم بأنهم أعضاء أصليون في جسد المسيح، لهم مكانتهم ودورهم وقيمتهم. ويبقى هؤلاء الخدام، الذين يعملون في الخفاء بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، مثالًا حيًا للمحبة العملية، يزرعون الرجاء في القلوب، ويرسمون الابتسامة على وجوه آلاف البسطاء، ويجسدون الإنجيل بالأفعال قبل الكلمات. «إِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءُ، كُونُوا رَاسِخِينَ غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلًا فِي الرَّبِّ». (1 كورنثوس 15: 58) فهنيئًا لكل خادم وخادمة اختاروا أن يخدموا "أحبّاء يسوع" بمحبة وإخلاص، لأن خدمتهم ثمينة في عيني الله، وأثرها يمتد إلى الأبد.





