بقلم: أندرو اشعياء
انشق اليوم صمت البرية على وقع خطواتٍ ثقيلة، نعم! خطوات تُوقظ في الرمال ذاكرة الدم. التفتُ من أعلى "طاقة السور" لأتأكد إلحاح الرجل وما قالوه لي، فإذا بالفعل أجده لازال واقفًا يقرع سائلًا عن «الاله الحقيقي».. كنا نعرفه جيدًا من فرط شكوى القوافل العابرة. إنه رجل تتقدمه سمعته قبل أن يتقدمه جسده؛ موسى... ذاك الذي كانت القوافل ترتجف إذا ذُكر اسمه، وكانت الأمهات تُسرع إلى ضم أطفالهن إذا تناقل الناس أخباره. وما إن عبر عتبة باب الدير حتى سرى بين الإخوة همسٌ خافت، يشبه ارتعاشة أوراق النخيل قبل هبوب العاصفة. 

لقد كان الخوف يشع منه ومن ماضيه الذي دخل معه كظل طويل، ومن الذكريات التي تتشبث بالنفس كما تتشبث الأشواك بثوب العابر. ورأيت الوجوه تتساءل في صمت: أيمكن للذئب أن يطلب مرعى الحملان؟ أيمكن لليد التي اعتادت البطش أن تمتد يومًا لتبارك؟ وكانت الأسئلة تتزاحم في القلوب كما تتزاحم الغربان فوق أرض شهدت معركة.

لم يكن الخبر قد اكتمل على الألسنة، حتى اكتمل الخوف في القلوب. رأيت الإخوة يتركون أعمالهم شيئًا فشيئًا، لا لأن أحدًا أمرهم، إنما لأن الفزع يستدعي الإنسان كما يستدعي الجرس المصلي. كانوا يتجمّعون في صمت متوتر، تتلاقى العيون ثم تهرب، كأن كل واحد يخشى أن ينطق بما يظنه الآخر. قال أحد الشيوخ بصوت متهدج: "أبتِ، أحقًا هو موسى؟ موسى الذي كانت القفار تحفظ وقع قدميه أكثر مما تحفظ وقع المطر؟ موسى الذي لم تكن الأبواب تُغلق دونه، بل تُخلع من مواضعها؟ كيف نأتمنه على قلالينا وقد اعتادت يداه اقتحام القلاع؟ هل بالفعل ستقبله؟" وقال آخر وهو يقبض على صليبه كأنما يستمسك بمرفأ وسط بحر هائج: "يا أبي، نحن لم نهرب إلى البرية خوفًا من الوحوش، بل هربنا من وحش الإنسان الكامن فينا، فكيف نستقبل بيننا رجلًا عاش عمره يطلق ذلك الوحش في الطرقات؟" وكانت كلماتهم لا تخرج في صورة اعتراض، بل في هيئة رجاء مضطرب، كالأطفال الذين يسألون أباهم عن برق شقَّ السماء، لا ليجادلوه، إنما ليطمئنوا إلى أن البيت لن يسقط فوق رؤوسهم.

فأنصتُّ إليهم طويلًا، لأن الخوف إذا قوطع ازداد صراخًا، وإذا أُصغي إليه بدأ يخجل من نفسه. ثم قلت: "يا إخوتي، أخبروني... ممَّ تخافون؟ أمن الرجل، أم من ذكراه؟ أمن جسده الواقف عند باب الدير، أم من الصورة التي صنعها له ماضيه في خيالكم؟ إن الخطيئة تصنع للإنسان وجهًا يبقى في ذاكرة الناس أطول مما يبقى على وجهه الحقيقي. أنتم ترون سيفًا، وأنا أرى يدًا تعبت من حمل السيف. أنتم ترون ذئبًا أضناه الجوع، وأنا أرى خروفًا أنهكته مطاردة الذئاب التي كانت تسكن قلبه. لا تجعلوا الذاكرة أقسى من الله، ولا تجعلوا التاريخ قاضيًا على من جاءت النعمة لتبرره. فإن كانت البرية لا تقبل إلا الأطهار، فمن يسكنها؟ وإن كان الدير مأوى الكاملين، فلمن تُفتح أبوابه؟"

فسكتوا هنيهة، غير أن الصمت لم يكن اقتناعًا، بل كان صراعًا بين العقل والرجاء. ثم تقدم أخٌ شاب، لم يجف بعدُ حبر رهبنته، وقال: "ولكن يا أباتي ايسيذوروس، ماذا لو كانت توبته قناعًا؟ ماذا لو نامت الذئاب ولم تمت؟ ماذا لو استيقظت ليلةً فعادت أنيابها إلى ما كانت عليه؟" فنظرت إليه وابتسمت ابتسامةً أرهقها العمر، وقلت: "يا بني، من يخشى سقوط أخيه، فليصلِّ من أجله، لا أن يغلق الباب في وجهه. نحن لا نضمن ثبات أحد، لا موسى ولا أنفسنا. كم من قديسٍ سقط لأنه اتكل على قداسته، وكم من لصٍّ صار قديسًا لأنه لم يتكل إلا على رحمة الله. إن البرية ليست مكانًا يأوي إليه الصالحون، بل فرنًا تدخل إليه النفوس خامًا، فتخرج منه، إن ثبتت، ذهبًا ممتحنًا بالنار. فلا تخافوا من موسى كما تخافون من قسوة قلوبكم؛ فإن الرجل الذي جاءنا اليوم يحمل على كتفيه ماضيًا ثقيلًا، أما أنتم، فاحذروا أن تحملوا على قلوبكم دينونة أثقل من ماضيه." وعندئذ شعرت أن الخوف لم يغادرهم كله، لكنه بدأ يفقد صلابته، كما يفقد الجليد قسوته حين تطيل الشمس الوقوف عليه.

دعوني الآن افتح لكثرة إلحاحه ولجاجته، والله يدبر خلاصنا جميعًا.