بقلم: الخوري أيوب اسطيفان 
كاهن في أبرشية السويد والدول الإسكندنافية للسريان الأرثوذكس 
 
تلقيتُ ببالغ الاعتزاز، قبل أيام، هديةً فكرية وحقوقية قيّمة من الصديق العزيز الأستاذ جميل دياربكرلي، تمثلت في مؤلَّفه الجديد الموسوم بعنوانٍ يضجُّ بالدلالات والآلم والأمل: "باقون ولو على الخريطة فقط".
 
وليس هذا الكتاب مجرد صفحات تُطوى، بل هو تجسيدٌ حي لثمرة تعب سنوات طوال من العمل الدؤوب والمضني، الذي بذله الكاتب في رصد وتثبيت حقوق الإنسان المسيحي المشرقي في أرضه ووطنه الأم، تلك الجغرافيا التاريخية التي شهدت نشأته، وتجذُّر أجداده، وصياغة هويته الحضارية والإنسانية.
 
وللأسف الشديد، يعالج الكتاب واقعاً مأساوياً مريراً نعيشه ونعاين فصوله، وهو تهجير هذا الإنسان واقتلاعه من أرضه التاريخية بأساليب شتى، تراوحت بين العنف المباشر والقسوة الظاهرة تارة، وبين "القوة الناعمة" والخفية تارة أخرى، والتي لا تقل خطورة في تفريغ المشرق من مكونه الأصيل والأساسي.
 
لقد تميز المؤلف في كتابه برصد علمي رصين وموثق للوجود المسيحي في جغرافيا المشرق، ممتداً عبر خارطة تشمل دولاً عانت وتحملت تحولات ديموغرافية وجيوسياسية حادة، وهي:
▪ سوريا، العراق، ولبنان
▪ فلسطين، وإسرائيل
▪ مصر، تركيا، إيران، والخليج العربي
▪ وصولاً إلى بلاد المهجر والشتات التي غدت بيوتاً بديلة لمن ضاقت بهم أوطانهم.
 
ولأن الحقيقة والحق لا بد أن يسطعا ولو بعد حين، يطرح المؤلف تساؤلاً جوهرياً: لماذا الانتظار ما دامت الحقيقة ناصعة؟
من هذا المنطلق، تناول الصديق دياربكرلي واقع المسيحي المشرقي بجرأة فكرية متناهية، نأت بنفسها عن المجاملات السياسية أو المواربة على حساب القضية، فجاء تشريحه للواقع دقيقاً، يضع الإصبع على موضع الجرح بكل أمانة علمية.
 
"أيها الصديق العزيز.. كما عهدتك دوماً، رجلاً حقوقياً راسخاً، تُسخّر أدوات القانون والمنطق من أجل إحقاق الحق وإظهار الحقيقة ناصعةً دونما رتوش أو تضليل."
 
إن هذا النتاج الفكري المتميز ما هو إلا امتداد طبيعي للمسيرة النضالية التي يضطلع بها الأستاذ جميل من خلال منبره الحقوقي: "المرصد الآشوري لحقوق الإنسان"؛ هذا الصرح الذي كُرّس بالكامل لخدمة القضية الإنسانية العادلة للمسيحي المشرقي، والدفاع عن حقه الأصيل في البقاء، الكرامة، والمواطنة الكاملة وغير المنقوصة.
 
ختاماً، لا يسعني إلا أن أرفع الدعاء إلى الله عز وجل، أن يبارك في هذه الجهود المخلصة، وأن يثبت خطاك ويزيدك من العطاء والهمة في خدمة هذه القضية النبيلة. نسأل العلي القدير أن يمنحك موفور الصحة والعافية لسنوات عديدة مديدة، لتظل صوتاً صارخاً بالحق والعدالة.