أشرف ونيس
عندما تمنطق العقل و اتزر بثياب الأدب المتفلسف مستعينًا في ذلك بالمشاعر؛ حتى تعمل عملها التام؛ لجعل النص نابضًا بالحياة. تعالى صوت التجربة الإنسانية في أن يكون لها وطأة قدم لكونها الحيز الذي يتسع لكل أقلام البشر و ما تستنطقه من كلمات عن مشكلة الأزل و الأبد وما بينهما من أزمان ألا وهى الألم!

الألم؛ لم تكن كلمة فحسب بل محيط من الأحرف المتكلمة و كون من الأحاديث الصامتة. لم يكن ساحة من المعاناة دون غيره، بل كان الصرح الوجودي الأوحد لتعلم مالا يمكن الحصول عليه من أوراق و أروقة بأبنية العلم و ما يتضمنه من أسباب و نتائج و ملاحظات. فلم يكن الألم دائما أبدا حديثا عابرًا ولا مثارًا له وقته من بين غيره من الأوقات ثم يمضي إلى حين تذكره، بل إنه اتسع اتساع الوجود وما تضمنه من موجودات، فصار الأول و الأخر الذى امتد عبر الدهور و أطال كل الأمكنة، فكان بذلك (الزمكان) الذي جمع الكل في واحد، و شمل الجميع في حيز، فكان هو الألم الذي اهتز له الكل وما تحرك له ساكن.

لكنه - الألم - تبرأ من التجرد حين بدا و كأنه كائن حي له متنفسه و ما يقتات عليه، له ما يشبع رمقه و يروي ظمأه و يجعله راضيا على من يزورهم زيارته المفجعة، عندما يقيم لديهم و فيهم، ليقوم بعمله على الوجه الأكمل و الأحسن، ثم يرحل عنهم تاركا فيهم ندوبه و دروسه التي لن تُنسى ما حيا الإنسان وما بقى! فهل نقدم له زادًا هو صمتنا بدلاً من صراخنا، و قبولنا له بدلا من الصياح و الاعتراض عليه؟ وهل نمنح له إرواء و استسقاء هو تفهمنا بما يقوم به فينا و لنا أيضا؟ هل نعطي له الصبر المغلف بالإيمان كما الإيمان المتشح بالصبر، فيكون لنا الرجاء الذي لايفشل ولن يخزى أو يخيب. ليتنا نسكب عند أقدامه كل مايعوزه حتى يكون لنا الضامن للمعنى وليس أداة للشطر و السحق و التهشيم.

ولهذا فإني أترك لكل متألم وكل مايقع بين دفتيه هذا الكتاب؛ أسطر تنضج بحكمة السنوات لتكون له بوصلة اتجاه في زمن تربع فيه الألم على عرش قلوب الجميع، فيعرف كيف يسلك و ينتظر، ليس فقط رحيل الألم، بل أيضا مكافآت ما بعد الألم، عندما يُستعلن العدل و تُشرق شمس التعويضات الإلهية. فتُبعث الروح من قبرها، وتسترد النفس إلى مآلها، وينتعش البدن حين يصبح كل شيئًا جديدًا.