سحر الجعارة
حين عاد «ملاذ المسيح» آمنًا لأقباط مصر
كان أول تعليق للخائن «محمد مرسى»، أثناء احتلال الإخوان لمصر، عقب الاعتداء على الكاتدرائية: «إننى أعتبر أى اعتداء على الكاتدرائية اعتداء على شخصيًا».. وفى تعليق مؤخرًا للبابا «تواضروس الثانى»، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، قال: (لم أصدق الرئيس.. وكنت أشعر بوجود تواطؤ)!
وكان محيط الكاتدرائية قد شهد اشتباكات عنيفة وتراشقًا بالحجارة وقنابل الغاز يوم 7 أبريل 2013، وذلك أثناء تشييع جثامين ضحايا أحداث العنف الطائفى التى وقعت فى مدينة الخصوص بمحافظة القليوبية.. هذا المشهد الصادم لكل المصريين تجلى فى وقوف أعداد غفيرة أمام السفارات الأجنبية طلبًا للهجرة.. وعديد من الأسر التى أعرفها شخصيًا أرسلت أولادها للدراسة فى الخارج.. وكأن «ملاذ المسيح» لم يعد آمنًا لأقباط مصر.. لكن رد الفعل الإيجابى أن الأقباط الذين يعزفون عادة عن المشاركة السياسية ويؤثرون السلامة كانوا فى طليعة ثورة 30 يونيو.. وحين طلب الرئيس «عبد الفتاح السيسى»، فى 24 يوليو 2013 عندما كان وزيرًا للدفاع، تفويضًا لمواجهة «إرهاب محتمل» أفطر القبطى مع المسلم فى الشارع لتفويضه: إنهم أكثر من تضرر من حكم الجماعة الإرهابية.. كان هناك إحساس داخلى فى وعى كل مصرى (قلبًا وعقلًا)، بأن المشير «السيسى» هو «المخلص» الذى يجب أن تراهن عليه وتمنحه صوتها دائمًا ليحرر مصر من الفاشية الدينية.
لقد تسلم الرئيس «السيسى» الوطن والكنائس تُحرق والقساوسة يتعرّضون للاغتيال الممنهج، و«داعش» تطرد المسيحيين من بيوتهم فى العريش.. فتجاوز حتى مفهوم المواطنة: (قبل عدة سنوات تعهد الرئيس بحماية حرية العبادة حتى للادينى).. ووجّه وزير الإسكان الدكتور «عاصم الجزار» آنذاك بألا يبنى فى أى مشروع سكنى مسجد إلا وأمامه كنيسة (حتى لو كانت لشعائر عبادة 150 فردًا).. إنها «المساواة فى حقوق المواطنة» التى ربما لم يعرفها المسيحى من قبل.
كانت رسائل الرئيس السيسى دائمًا واضحة، مفعمة بإرادة سياسية نادرة، حين تحدث عن «الوعى الدينى».. أو حين طالب بإعادة بناء «الشخصية المصرية».. وأفعال كثيرة لم يتوقف البعض عندها طويلًا رغبة، وربما بحثًا عما لم يتحقق بعد.. «فى دولة المواطنة» تم تعيين المستشار الجليل «بولس فهمى» رئيسًا للمحكمة الدستورية العليا، وهو تطبيق عملى من القيادة السياسية للاستحقاق الدستورى بعدم التمييز على أساس «الدين» فى تولى مراكز القيادة العليا: (المحكمة الدستورية العليا هى المحكمة العليا فى مصر، ومهمتها مراقبة تطابق القوانين مع مواد الدستور. فهى تقوم بإلغاء القوانين التى تخالف نصوص ومواد الدستور المصرى. وهى جهة قضائية مستقلة عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية فى مصر).
وقد قال الرئيس من قبل: (قل مواطن مصرى.. ولا تقل مسلم ومسيحى.. هذه المرحلة تجاوزناها).. هذه رؤية الرئيس لدولة المواطنة التى تسمو بالإنسان لأعلى مراتب الإنسانية: (الدين شخصي).
وهذه جهود لا ينكرها إلا جاحد، وهنا أكد قداسة البابا أن صدور قانون بناء الكنائس عام 2016 شكّل تحولًا تاريخيًا، حيث أصبح بناء الكنائس حقًا يكفله القانون بعد سنوات طويلة من الإجراءات المعقدة. وأوضح أن المدن الجديدة التى تنشئها الدولة تخصص فى الوقت نفسه أراضى لبناء مسجد وكنيسة، فى رسالة تؤكد أن مصر تتسع لجميع أبنائها وأن حرية العبادة حق أصيل لكل مواطن.
بصدق وأمانة «ملف الأقباط» تمت إدارته بفهم ووعى ورغبة فى إعلاء قيم المواطنة، وهذه ليست منة من الدولة، إنها «حق أصيل» لكل مواطن. وقال قداسة البابا تواضروس الثانى: «تواجهنا تحديات كثيرة، تحديات منها الفقر، والتحديات الموجودة فى وسائل التواصل الاجتماعى».. وهذه التحديات تواجه كل المصريين وليس الأقباط وحدهم.. لكن بالطبع هناك تحديات ذات خصوصية مرتبطة بالدين ولعل قانون الأحوال الشخصية الجديد يكون عالجها.. لقد تفاءلت بالمساواة فى الميراث، وبحسب المادة الثالثة من الدستور المصرى: «مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسى للتشريعات المنظِّمة لأحوالهم الشخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية». وبالتالى هذه القيادات هى من تولت وضع قانون الأحوال الشخصية الجديد.
لكن دعونى أعترف أن هناك تحديات أقوى وأكبر تواجه المسلم والمسيحى، الإرهاب لم ينته ولن ينتهى إلا بتجفيف منابعه من الفكر المتطرف.. وقد قال الرئيس (لا سبيل للتعايش فى سلام بين المسلم والمسيحى إلا بثقافة «قبول الآخر»).. وأزعم أنه لم يجد مسئولًا واحدًا يسانده لتطبيق رؤاه.!
الفكر السلفى تحول إلى أخطبوط تغلغلت أياديه فى كل مكان، ونشر التسامح والإسلام الوسطى لا يحتاج إلى عمائم وذقون بل يحتاج إلى عقول مبتكرة واعية.
نحن نحتاج سيادة الرئيس إلى قانون يجرم «تكفير الآخر» واعتباره «جريمة كراهية» لا تسقط بالاعتذار؟
من منكم كان ليتخيل صورة «مصر القبطية» إن لم تستعد وجهها بثورة شعب حقيقية ساندتها قواتنا المسلحة.. لو لم تكن 30 يونيو لما استرجعت مصر صورتها البهية ولُحمتها الوطنية ووحدتها التى بدأت من قبل 1919.. الآن تحولت شعارات ثورة 19 إلى واقع نعيشه ومطالب ينادى بها رأس هرم السلطة قبل الشعب.
نقلا عن صباح الخير





