الجذور والمسارات والحلول
[5] التعليم
جزء 3 : اشكالية التعليم أزمة جيل ومسئولية كنيسة
كمال زاخر
الجمعة 3 يوليو 2026
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في تقديري أن أزمة التعليم الكنسي ـ الأن ـ تتجاوز الخلاف بين القطبين الكبيرين، البابا شنودة الثالث والراهب الأب متى المسكين، ويتحمل مسئوليتها الجيل التالي ـ من الأساقفة والرهبان ـ والذين لم تعد القضايا التعليمية اللاهوتية وكذلك ماهية وابعاد وحدود وطبيعة الدورين السياسي والاجتماعي للكنيسة، عند كثيرهم، من أولوياتهم، خاصة وأنهم يفتقرون لإمكانات طرفي الخلاف وما كانا يتمتعان به من كاريزما كل في دائرته. وأنا هنا لا اشير إلى مستثمري الخلاف ولجانهم الالكترونية.
ازمة الكنيسة ليست فقط في غياب هذه القضايا عند مدبريها بل بالأكثر في انهم، في سعي لهروب من اخفاقات التعليم والرعاية، تحولوا إلى التوسع العمراني بشكل يتجاوز الاحتياجات الحقيقية للكنيسة، وبشكل يعكس تطلعات المنافسة بينهم، وتراجع التعليم اللاهوتي الآبائي لحساب التعليم الغيبي المروج للمعجزات غير المحققة، وغياب التلمذة من الأديرة وربما من منظومة التعليم بجملتها، وانعكاس هذا على مستوى من يتم اختياره من الرهبان للخدمة النظامية بالكنيسة ولعل هذا يقدم لنا تفسيراً لأنين الرعية في الداخل والخارج، وتحول الكنيسة من التكامل بين مكوناتها إلى انفراد الإكليروس بتدبيرها.
ولا اخفيكم سراً أنني ترددت كثيراً في الاقتراب من هذه الدائرة وقد صارت حقل ألغام، وغاب عنها الحوار الموضوعي واحتلتها المواجهات المشخصنة التي تفتش في الضمائر، ربما لهذا سأحلق فوقها وأقرأها بعيون طائر، وهي تغطي زمناً ممتداً من بدايات القرن العشرين، وربما قبلها بقليل، وحتى اللحظة المعيشة، واشتبك فيها السياسي بالروحي والاجتماعي باللاهوتي، وشهدت موجات من الاقتراب والابتعاد بين شخوصها وهم كُثُر، كان ابرزهم بحسب الظهور على مسرح الأحداث الأستاذ حبيب جرجس والأستاذ نظير جيد، قداسة البابا شنودة فيما بعد، والدكتور نصحي عبد الشهيد والأب متى المسكين والدكتور جورج حبيب بباوي وغير بعيد يشتبك معها ويحركها البابا كيرلس السادس.
أشرنا قبلاً إلى بدايات الصحوة القبطية ـ الأرثوذكسية ـ والتي كانت ابرز مراحلها مع الاستاذ حبيب جرجس ودوره في مأسسة المدرسة الإكليريكية وعمادتها، وتأسيس منظومة مدارس الأحد، وكيف أنه اعتمد على المتاح من مصادر معرفية تغطي العلوم المختلفة التي تقوم الاكليريكية بتدريسها ـ آنذاك ـ وكيف استعان بمصادر من كنيسة الروم الأرثوذكس والكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الاسقفية الإنجليكانية، خاصة في تأسيس علم "اللاهوت النظري"، وشرح أسرار الكنيسة، والكهنوت.
وانتهجت مدارس الأحد نفس نهج مثيلتها فى الكنائس التي اسستها الإرساليات، وجاءت هي لتحاكيها، بدءاً من المسمي وحتى نظامها وترتيب الخدمة بها، وإن طُعمت باضافات كنسية ارثوذكسية، وكانت تعتمد في وسائل ايضاحها على ما تتيحه مكتبة النيل ـ الانجيلية ـ وانعكس هذا بالضرورة بشكل من الأشكال على المنظومة اللاهوتية عند جيل اربعينيات القرن العشرين، وقد شهدت اجتهادات فردية في تعريب بعض الكتب الآبائية لعل ابرزها كتاب تجسد الكلمة للقديس اثناسيوس الرسولي، وكانت الترجمة عن لغات وسيطة وليس عن لغتها الأم (اليونانية).
تشهد خمسينيات القرن العشرين ظهور حركة التكريس التي قادها الأب متى المسكين ثم الدكتور نصحي عبد الشهيد، وتؤسس بيت التكريس بحلوان والذى التحق به نفر من الشباب الجامعي، وصل اعدادهم في الستينيات إلى ما يزيد على المائة عضو، وتبنى البيت تثقيف الشباب القبطي ثقافة آبائية أرثوذكسية ويتجه لترجمة أعمال آباء الكنيسة الأولى عن اليونانية، ويقدمون للمكتبة العديد من الترجمات والدراسات التي تتناول القضايا اللاهوتية المحورية، ويواجه بيت التكريس صعوبات عدة بعضها مؤسسى كنسي، فيذهب بعض من اعضاءه للرهبنة يستكملون فيها سعيهم، واختاروا التلمذة على الأب متى المسكين بدير الأنبا مقار، بينما يستمر البعض الأخر في النسق التكريسي بقيادة د. نصحي، ويؤسسوس "المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية ـ مؤسسة القديس انطونيوس" والذي يواصل مهمة بيت التكريس بعد غلقه.
في سياق مواز يبتعث البابا كيرلس السادس بعض من شباب الدارسين بالكلية الإكليريكية للدراسة بالخارج ابرزهم الدكتور جورج حبيب بباوي الذي عين مدرساً بالاكليريكية ويواصل تقديم ابحاثه اللاهوتية المستندة لتعليم آباء الكنيسة فيما قبل العصر الوسيط.
بهذا نكون أمام مشهد كنسي تعليمي يضم أكثر من اتجاه، الاتجاه الذي أسسه الأستاذ حبيب جرجس، واتجاه الدراسات الآبائية، وهو يتفرع إلى ثلاث كيانات د. نصحي عبد الشهيد مركز دراسات الآباء، والأب متى المسكين ودير الأنبا مقار، ودكتور جورج حبيب بباوي ومنصته "كوبتولوجي". وقد يبدو الأمر هكذا تنوعاً وثراءً، لكن الواقع كان له رأى أخر، فقد رأى الفريق الأول أن ما اعتمده من منهج وتعليم هو الصحيح وما عداه هرطقة تنتهي بنا إلى الذوبان في الرؤى الخلقيدونية، وشككوا في المصادر اليونانية وفي دقة ما جاءت به مخالفاً ما وقر في الذهن وفق تلقينات مدارس الأحد لأجيال، واعتمدوا في هذا على التفسير النصي للكتاب المقدس وقواعد التأويل وفقاً للمدارس الغربية.
فيما ذهب الفريق الثاني بتفريعاته الثلاث إلى اعتبار التعليم بغير الاستناد إلى الآباء هو تماهي مع المدارس المخالفة للأرثوذكسية، وتحرم الكنيسة من فهم ومعايشة لاهوت الأسرار، وتتبنى لاهوت العصر الوسيط وما يحمله من تحليلات لا تتفق مع الفكر الارثوذكسي الآبائي، وانتج فكرا لاهوتياً مبني على خبرات ومعارف ذاتية دون ضبط هذا الفكر على ما جاء بالتقليد الكنسي، والذي في بنيانه يحمل خبرات الكنيسة في فهم النصوص بحسب التسلسل الجيلي ومصدره الكنيسة الأولى والآباء الرسل، ويقوم على قواعد ثابتة؛ التاريخ الكنسي وتحديدا الخمسة قرون الأولى، وكتابات الآباء المحققة، والقانون الكنسي وخاصة قوانين المجامع المسكونية، والذي يؤدي إغفاله إلى انتاج فكر لاهوتي ذاتي يتعدد بتعدد من يعتمده، ويرون أن حماية الفكر اللاهوتي من الشطط يتحقق بقياسه على الليتورجية كأساس للفهم السليم للقضايا اللاهوتية، وهو المنهج الذي استقر عند الآباء.
وفي بحث مهم لأحد اللاهوتيين المعاصرين يرصد عناصر الشرح الأرثوذكسي في ثلاث:
ـ تفسير وشرح أى عقيدة في الإطار اللاهوتي الشامل الذي يضم كل العقائد. وذلك يوفر للكنيسة نظرة شاملة متكاملة لا تجزئ العقائد إلى وحدات منفصلة،
ـ تفسير وشرح العقيدة على أساس ما يحدث في الليتورجية. والممارسة الكنسية والأسرار، حتى لا يصير التفسير نوع من التنظير المنفصل عن الحياة الروحية المعاشة.
ـ تفسير وشرح العقيدة على أساس ما استقر في التقليد الكنسى. فيحمى الكنيسة من الآراء الشخصية والتفسيرات الذاتية الإنطباعية منبتة الصلة برؤية الكنيسة.
بين الرؤيتين تفجرت عديد من الخلافات في مقدمتها فهم وتفسير تداعيات التجسد وماهية الفداء ولاهوت الأسرار وموقع الإنسان من لاهوت التجسد وحلول الروح القدس بين المواهبية والأقنومية، وشهدت المكتبة عشرات الكتب التي تدافع عن كل من الطرحين وتفند ما جاء به الطرح المقابل، كان على رأس التوجه الأول الأنبا بيشوي سكرتير المجمع آنذاك وعلى رأس التوجه الثاني الدكتور جورج حبيب بباوي، فيما تجنب كل من الاب متى المسكين والدكتور نصحي عبد الشهيد الاشتباك ودخول دائرة الصدام، وانكبا على مواصلة انتاجهما في دوائر الترجمة والتفسير.
تجري في نهر الكنيسة مياه كثيرة، ووفق قانون الزمن يرحل كل هؤلاء إلى الأبدية، ولكن لا ترحل معهم القضايا الخلافية، وكان من المتوقع أن تأتي الصفوف التالية لتتدبر الأمر بموضوعية بغير انحيازات لشخوص الاختلاف، وتبدأ في اعادة فحص الأطروحات المختلفة على أرضية الإيمان المسلم للكنيسة لكنهم لم يفعلوا، فالأمر يتطلب الاتفاق على آلية الفحص والقياس، فحتى اللحظة ليس لدينا ما يمكن أن نسميه مراجع كنسية تحدد منظومة القواعد الإيمانية والتعريفات اللاهوتية بشكل اكاديمي كما فعلت الكنائس التقليدية الأخري، كل ما لدينا كتابات آبائية سواء تلك المترجمة عن لغات وسيطة أو عن اللغة الأم اليونانية أو السريانية أو غيرها من لغات تلك العصور، يذهب اليها الفرقاء بشكل انتقائي بما يرونه داعماً لطرحهم، وهذا يُحمل معاهدنا اللاهوتية الرسمية؛ الإكليريكية ومعهد الدراسات القبطية، مسئولية رسم خطة مدروسة لوضع دستور عقيدي يعتمد على المرجعيات التي اشرنا إليها، وهو عمل مؤسسي شديد الأهمية ولن يتم بين ليلة وضحاها، أو باجتهاد فردي، بل يحتاج إلى تضافر وتعاون كل الباحثين سواء في المعاهد اللاهوتية أو الأديرة التي تذخر بالمخطوطات ذات الصلة أو المراكز اللاهوتية الأرثوذكسية، في الجامعات الكبري والتي يمكن عبر بروتوكولات تعاون أن تمدنا بنسخ الكترونية مما لديها من مراجع ومخطوطات آبائية موثقة.
ولن يبدأ هذا العمل من فراغ، فلدينا كوادر رهبانية وعلمانية (مدنية) متخصصة فى الدراسات واللغات الأصلية التي كتبت بها ذخائر الآباء، ولدينا هيئات ومؤسسات قبطية خاضت في هذا المجال وقدمت للمكتبة المسيحية العربية العديد من الأعمال المعربة، وقد يتطلب الأمر تطوير الاكليريكية ومعهد الدراسات القبطية اكاديمياً من خلال تعاون اكاديمي مع نظرائهما في الجامعات الكبري باليونان وانجلترا ومكتبات المتاحف الكبري التي تحتفظ بكل ما له صلة بتلك المخطوطات.
أهمية هذا لا تتوقف عند فض الاشتباك وبلورة منظومة العقائد بشكل سليم بل تمتد أثاره إلى كل الكنيسة التي استغرقتها في العقود الأخيرة موجات من التعليم الغيبي وحكايات المعجزات المرسلة وما استتبعه من اختلالات في مركزية الإيمان بالمسيح فادياً ومخلصاً وتحول الطقوس إلى ممارسات تُطلب لذاتها ويتعامل معها البعض كتميمة، وليست طريقاً لتعميق العلاقة بين اعضاء الجسد ورأسه، وانعكاس هذا بالتبعية على الحياة اليومية للمؤمنين بشكل سلبي سواء على المستوى الفردي أو داخل الأسر، ودوائر الأنين في سلوكهم أو في احوالهم الشخصية أو في عباداتهم أو في تراجع منظومة قيمهم.
أزمة التعليم أزمة جيل ومسئولية كنيسة، فهل ينتبة المجمع المقدس لهذا ويبادر بتفكيك هذه الإشكالية؟
أم ننتظر أجيالاً قادمة تمتلك وعياً أكثر نضجاً وادراكاً لخطورة بقاء الحال على ما هو عليه؟.





