الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ 
في مصر، حين نتكلّم عن الحرّية الدينيّة، يفهمها كثيرون بمعنًى ضيّق جدًا: أن تترك الأغلبيّة، أتباع الأديان التوحيّديّة الأخرى ليصلّوا في أماكن عبادتهم. هذا مهمّ، لكنّه ليس كلّ المعنى.

السؤال هو: هل الحرّية الدينيّة تشمل الإنسان الذي لا يؤمن؟ هل تشمل الملحد؟ هل تشمل اللاأدري؟ هل تشمل مَن يرفض الدين؟
إعلان المجمع الڤاتيكانيّ الثاني "في الحرّية الدينيّة، Dignitatis Humanæ، لا يتناول الإلحاد لكنه يضع مبدأ أوسع وأعمق لمفهوم الحرّيّة الدينيّة: "لا يجوز الإكراه في أمور الدين". فالوثيقة تقول: «في أمورِ الدينِ لا يجوزُ لأحدٍ أن يُكرَهَ على عملٍ يُخالفُ ضميرَه، ولا أن يُمنَعَ من العملِ، في نِطاقِ المعقولِ، وِفاقاً لضميرِهِ، سواءٌ كان عملُهُ في السرِّ أو في العَلانيّة، وسواءٌ كانَ فرديًّا أو جماعيًّا»؛ إعلان الحرّية الدينيّة، فقرة ٢. 

هذا يعني أن الحرّية الدينيّة ليست منحةً من الدولة أو من الأغلبية، بل حقٌّ نابع من كرامة الإنسان نفسه. لذلك تقول الوثيقة أيضًا إن «حقَّ الحريَّة الدينيَّة مُتجَذّرٌ في كرامةِ الشخصِ البشريّ نَفْسِها»؛ إعلان الحرّية الدينيّة، فقرة ٢.  والأهم أن هذا الحقّ لا يخصّ فقط الإنسان المؤمن، أو الإنسان الذي نراه نحن “في الطريق الصحيح”. فالوثيقة تقول إن «الأشخاصُ الذين لا يقومون بواجبِ تطلُّبِ الحقيقة واعتناقها عن أنفسهم أيضاً ذوو حقٍّ في هذه الحصانةِ، ولا يمكن التصدّي لممارسة هذا الحق ما دام هنالك نِظامٌ عامٌّ عادِل»؛ إعلان الحرّية الدينيّة، فقرة ٢. 

احترام الملحد أو اللاأدري لا يعني أنني أوافق على الإلحاد. يمكنني أن أرفض الإلحاد فكريًا، لكني في الوقت نفسه أرفض إكراه الإنسان أو تهديده أو تحقيره بسبب موقفه من الدين. الكنيسة لا تقول إن الإلحاد حقيقة مساوية للإيمان، لكنها تقول إن الإنسان، حتى حين يرفض الإيمان، لا يفقد كرامته ولا حقّه في حرية الضمير. والوثيقة تذهب أبعد من ذلك، فتؤكد أن الدولة لا يجوز أن تفرض على المواطن دينًا أو تمنعه من تغيير انتمائه الديني. فهي تقول: «لا يجوزُ للسُلُطات العامة أن تفرضَ على المواطنين اعتناقَ أيّ مذهبٍ دينيّ أو نبذَ دينهم تحتَ تهديدِ القوّة في أيّة صورةٍ أو بوسائلَ أخرى أو أن تمنع أي فردٍ من الإنضمامِ إلى أيّةِ جماعةٍ دينية أو الخروج منها»؛ **إعلان الحرّية الدينيّة، فقرة٦. 

إذًا، الحرّية الدينيّة لا تعني فقط حرية الصلاة، بل تشمل حرية الضمير، وحرية الانتماء، وحرية الخروج من جماعة دينيّة، وحرية ألّا يُجبر الإنسان على إعلان إيمان لا يقتنع به. ومن قلب الإيمان المسيحي نفسه، لا يمكن فرض الإيمان بالقوة. فالوثيقة تقول: «الإنسان لا يَستَجيبُ دعوةَ الله إلى الإيمان إلا طوعاً وفي حرية إرادة، ومن ثمَّ فلا يجوزُ الضَّغطُ على أحدٍ ليعتنِقَ الإيمانَ مُكرهاً» إعلان الحرّية الدينيّة، فقرة ١٠.  لماذا؟ لأن الإيمان، في طبيعته، فعل حرّ. الإيمان الذي يأتي بالخوف أو التهديد أو الضغط الاجتماعي أو القانوني ليس إيمانًا ناضجًا، بل خضوع خارجي. والمسيح نفسه لم يفرض الحقّ بالقوة. فالوثيقة تقول إن المسيح «لم يشأ أن يفرضه بالقوة على معارضيهِ» إعلان الحرّية الدينيّة، فقرة ١١. 

من هنا، لا يستطيع المسيحي أن يدافع عن الإيمان بوسائل تناقض روح المسيح. لا نقدر أن نعلن إله المحبة بأدوات الخوف. ولا نقدر أن ندافع عن الحقيقة بإلغاء حرية الإنسان في البحث والسؤال والاختيار. لذلك، حين نتكلّم عن الحرّية الدينيّة، لا يكفي أن نقول: “اتركوا أتباع الدين يصلّون”. السؤال الحقيقيّ: هل يحق للإنسان أن يؤمن بحرية؟ هل يحق له أن يشك؟ هل يحق له أن يسأل؟ هل يحق له أن يغيّر موقفه الديني؟ هل يحق له ألّا يُعاقَب لأنه لا يؤمن؟
الحرّية الدينيّة تعني ألّا يُجبر أحد على الإيمان.

وتعني أن لا يُعاقب أحد بسبب موقفه الضميري من الدين.
وتعني أن لا تُستخدم الدولة لحماية الله من أسئلة البشر.
وتعني ألا يتحوّل الدين إلى سلاح اجتماعي أو قانوني ضد المختلف.

الإيمان الحقيقي لا يخاف الحرّية. لأن الله لا يريد عبيدًا يردّدون كلمات بالإكراه،ولكن أشخاصًا يطلبونه بضمير حرّ.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ