بقلم ماريا قياره
طوال عقود حكم حزب البعث، لم تكن الحياة السّياسيّة في سوريا تقوم على مبدأ التّمثيل الحقيقي، بل على مبدأ الولاء. كانت قوائم "الجبهة الوطنية التّقدمية" تُصاغ وفق معيار واضح: من يضمن ولاءه للنّظام يحظَ بالموقع في أي مؤسسة كانت، أما أصحاب الكَفاءة والاستقلالية، مهما بلغت مؤهلاتهم العلميّة أو مكانتهم الاجتماعيّة، فكانوا يُستبعدون إذا لم يكونوا جزءًا من منظومة الولاء السّياسية والأمنيّة.
ولم يكن التّمثيل المسيحي استثناءً من هذه القاعدة. فقد كانت أسماء المرشحين/ات تُختار غالبًا عِبر المؤسسات الكنسية والمطرانيات، في إطار تفاهمات مع السّلطة، فأصبح التّمثيل يعبّر عن رضا النّظام أكثر مما يعبّر عن التّنوع السّياسي الحقيقي داخل المجتمع المسيحي.
واليوم، وبعد الإعلان عن قائمة السّبعين المعينين/ات لتمثيل المحافظات، في قائمة الرئيس الانتقالي السّوري، السّيد أحمد الشرع، يحقّ للسوريين/ات أن يتساءلوا: هل تغيرت فلسفة الدّولة فعلًا، أم أننّا ما زلنا أمام إعادة إنتاج للآلية نفسها التي حكمت سوريا لعقود، ولكن بعناوين مختلفة؟
إنّ أكثر ما يثير القلق ويفتح باب التّساؤل هو الطّريقة الّتي يتم بها التّعامل مع ملف التّمثيل المسيحي، وما يرافقها من شعور متزايد بعدم الرضا وتراجع مستوى الثّقة. فبدل أن يكون هذا التّمثيل فرصة لإنصاف شريحة دفعت ثمنًا كبيرًا خلال عقود الاستبداد، يبدو، في نظر كثيرين/ات، أنّه عاد إلى النّموذج القديم نفسه؛ نموذج اختيار الشّخصيات المقبولة لدى مراكز النفوذ ومؤسساتها الدّينية، لا الشّخصيات الّتي تمثل التّاريخ السياسي والاجتماعي للمسيحيين السّوريين.
لقد دفعت عائلات مسيحية وطنية وسياسية أثمانًا باهظة في عهد النظامين البائدين، حافظ الأسد وبشار الأسد. فقد تعرّض بعض أبنائها للاعتقال أو التعذيب أو القتل أو النفي، كما واجه آخرون الإقصاء أو التهميش، وحُرم عدد منهم من حقهم في المشاركة في العمل العام بسبب مواقفهم السياسية. ولذلك فإنّ مظلومية هذه العائلات لا ينبغي أن تُطمس أو تُختزل، بل يجب الاعتراف بها بوصفها جزءًا من المأساة السّورية.
ومن هذا المنطلق، يتساءل كثيرون/ات: كيف يمكن أن يشعر أبناء هذه العائلات بأنّهم ممثلون، عندما تُطرح أسماء تُعرف، في نظر منتقديها ومراقبيها، بانتمائها وعائلاتها إلى الخطّ السّياسي القديم أو بتأييدها لسياسات النّظام السّابق البائد؟ وعندما تُطرح أسماء مثل نوار نجمة ومادونا بشارة ولارا قديد، فإنّ القضية لا تتعلّق بالأشخاص بحدّ ذاتهم، وإنما بما يرمزون إليه سياسيًا لدى شريحة واسعة من السّوريين/ات، باعتبارهم امتدادًا لنهج لم يقطع مع مرحلة البعث، لا قطيعة سياسيّة ولا أخلاقية.
إنّ المشكلة ليست في الأشخاص، كما ذكرت، بل في الرّسالة الّتي يحملها هذا الاختيار. فإذا كانت المرحلة الجديدة تعيد إنتاج الوجوه الّتي ارتبطت، في نظر الكثيرين/ات، بخيارات السّلطة البائدة، فإنّ ذلك يعني أنّ تضحيات آلاف السّوريين/ات، ومن بينهم المسيحيون الّذين دفعوا ثمن مواقفهم، لم تجد مكانًا في معادلة التّمثيل الجديدة.
لقد دفعَ المسلمون السُنّة الثّمن الأكبر من حيث أعداد الضّحايا والمهجرين والمُعتقلين، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها. لكن هذا لا يلغي أنّ بين المسيحيّين أيضًا عائلات وطنيّة دفعت أثمانًا سياسيّة باهظة، وخسرت أبناءها ومستقبلها لأنّها رفضت الخضوع أو دفعت ثمن خيارات لم تكن جزءًا منها. والعدالة لا تُقاس بالمقارنة بين الضّحايا، بل بالاعتراف بحقّ كلّ ضحية وكلّ عائلة في أن ترى نفسها ممثلة في سوريا الجديدة.
إنّ الدّولة الّتي خرج السّوريون/ات مِن أجلها لا يمكن أن تُبنى بعقلية الجبهة الوطنية التّقدمية، ولا بمنطق الولاء الّذي حكم مؤسسات الدّولة طوال نصف قرن. فالتّغيير الحقيقي لا يكون باستبدال قائمة بأخرى، بل بتغيير معيار الاختيار نفسه.
سوريا الجديدة تحتاج إلى تمثيل يعكس الكفاءة السّياسية والنّزاهة والاستقلالية والتّعددية، لا إلى إعادة تدوير النّخب الّتي ارتبطت بالمرحلة البائدة بكلّ إجرامها. وتحتاج إلى احترام ذاكرة الضّحايا جميعًا، مسلمين ومسيحيين، وإلى ردّ الاعتبار للعائلات الّتي دفعت ثمن مواقفها الوطنيّة باهظاً، بدل أن ترى المشهد يعيد إنتاج الوجوه والآليات ذاتها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذه المرحلة هو أن يشعر السّوريون بأنّ النّظام تبدل، بينما بقيت العقلية كما هي؛ عقلية تعتبر الولاء طريقًا إلى المنصب، فيما تبقى الكفاءة والتّضحيات والتّاريخ الوطني خارج معادلة الدّولة. فإذا كانت سوريا الجديدة تريد أن تؤسّس لعقد وطني مختلف، فإنّ أول خطوة هي القطع مع إرث البعث في آليات الاختيار، لا إعادة إنتاجه بأسماء جديدة.





