بقلم : عــــز تــــوفـــــيـــــق
في قلب الصحراء الغربية لمصر، على بعد حوالي 115 كيلومترًا من القاهرة على طريق الإسكندرية الصحراوي، يقف دير القديس مار مرقس الرسول والعلمين شامخًا، ليس فقط كصرح ديني جديد، ولكن كجسر يربط بين عظمة الماضي القبطي وطموحات الحاضر. هذا الدير، الذي يأخذ مكانه في منطقة وادي النطرون ذات الأهمية التاريخية الخالدة، هو ثمرة رؤية وإيمان راهب جليل، هو القمص لوكاس الأنبا بيشوي، الذي كرس حياته لإحياء التراث القبطي الأصيل وبناء صرح روحي يمتد بجذوره إلى القرن الرابع الميلادي، ليكون امتدادًا طبيعيًا لدير الزجاج الأثري الذي شهد على عظمة الرهبنة في صحراء شيهيت.
موقع الدير وأهميته التاريخية
يقع دير مار مرقس في موقع استراتيجي بطريق وادي النطرون - العلمين عند الكيلو 115، وهو المكان الذي احتضن عبر القرون أحد أهم مراكز الرهبنة المسيحية في العالم. وادي النطرون، المعروف في الأدب المسيحي باسم "شيهيت" أو "اسكيتيس"، كان منذ القرن الرابع الميلادي موطنًا لآباء البرية الذين اتخذوا من قسوة الصحراء سبيلًا للتعبد والتقشف . وقد شهد الوادي ازدهارًا هائلاً للحركة الرهبانية، حيث بلغ عدد الأديرة فيه في القرنين العاشر والحادي عشر نحو مئة دير، قبل أن تتضاءل إلى أربعة أديرة رئيسية ما زالت قائمة حتى اليوم .
هذا الإرث العريق هو الذي استلهم منه القمص لوكاس الأنبا بيشوي فكرة إنشاء دير جديد يكون امتدادًا لهذه الروح الرهبانية الأصيلة. الدير الجديد لم يأت من فراغ، بل جاء ليسد فجوة روحية ويعيد إحياء تراث المنطقة التي كانت وما زالت قبلة للرهبان والمتعبدين من جميع أنحاء العالم المسيحي.
بناء الدير: بين الحجر والخرسانة
يحيط بالدير سور يبلغ ارتفاعه خمسة أمتار، مبني من الطوب الحجري المميز الذي كان شائعًا في العصور القبطية القديمة، حيث يبلغ قياس كل حجر 20 سم في 40 سم. هذا السور، الذي يذكرنا بأسوار الأديرة القديمة التي بنيت لحماية الرهبان من هجمات البدو والبربر، يقف اليوم مبنيًا بقواعد خرسانية وأعمدة مسلحة وأسمنت مسلح، مع طباند في نهايته بالخرسانة المسلحة . هذا المزيج بين الأصالة المعمارية القبطية والتقنيات الهندسية الحديثة يعكس رؤية القمص لوكاس في إحياء التراث مع مواكبة العصر.
بوابة الدير ومنارتيه
يتوسط الدير بوابة كبيرة تُعد المدخل الرئيسي، وهي مصممة على الطراز القبطي القديم، تعلوها منارتان رائعتان، كل منهما تحمل بصمة معمارية فريدة تمزج بين البساطة الرهبانية والجمال الفني. هذه المنارات ليست مجرد عناصر جمالية، بل هي إشارة إلى تاريخ المنطقة العريق، حيث كانت المنارات في الأديرة القبطية تستخدم لجمع الرهبان للصلاة وإعلان أوقات العبادة، كما كانت دليلًا للمسافرين في صحراء شيهيت القاسية.
مضيفة الدير وضيافة الزوار
يحتوي الدير على مضيفة ضخمة تستوعب حوالي 700 شخص، وهي تعكس روح الكرم المصري والترحيب التي تميز بها آباء البرية القدامى. يستقبل الدير يوميًا نحو 1500 زائر من مختلف أنحاء مصر والعالم، سواء كانوا حجاجًا يبحثون عن الروحانية أو باحثين عن تاريخ الكنيسة القبطية وتراثها. هذه الأعداد الكبيرة تؤكد أن الدير أصبح وجهة رئيسية للسياحة الدينية في منطقة وادي النطرون، التي شهدت نهضة ملحوظة خلال العقدين الماضيين .
كنائس الدير: ثلاث روائع معمارية
يضم الدير ثلاث كنائس رئيسية تم الانتهاء من بنائها وتدشينها، وأقيمت فيها الصلوات:
1. كنيسة القديس مار مرقس الرسول والشهيد أبسخيرون القليني: وهي الكنيسة الرئيسية التي تحمل اسم القديس مار مرقس، مؤسس الكنيسة القبطية في مصر. البطريرك الأول للكرازة المرقسية، الذي جاء إلى الإسكندرية حوالي عام 60 ميلادية من مدن ليبيا الخمس، ليؤسس كنيسة الإسكندرية التي أصبحت منارة للديانة المسيحية في العالم .
2. كنيسة السيدة العذراء مريم: وهي تكريم لوالدة الإله التي زارت مصر هاربة من بطش هيرودس، ووفقًا للتقاليد القبطية، باركت وادي النطرون وشيهيت، مما جعله ملاذًا آمنًا للرهبان والمتعبدين .
3. كنيسة الثلاثة فلاحين: وهي تخليد لذكرى الشهداء الفلاحين الذين قدموا أرواحهم فداءً للإيمان المسيحي، وتعكس روح البساطة والتضحية التي تميز بها قديسو مصر الأقباط.





