ماجد سوس
هناك من ينتظر التاريخ حتى يكتبه الآخرون، وهناك من يمسك القلم بيديه، فيرسم الحدود، ويغير الخرائط، ويصنع المجد بعرقه وإيمانه.
الحلم لا يتحول إلى حقيقة بالصدفة، بل يتحول عندما يؤمن به رجال رفضوا أن يكونوا مجرد أرقام في سجلات المنافسات، وقرروا أن يتركوا بصمتهم في ذاكرة الأمم. أنتم لم تلعبوا مباراة كرة قدم فحسب، بل كتبتم صفحة جديدة في تاريخ الكرة المصرية، وأعدتم تعريف معنى الشخصية المصرية أمام العالم.
أيها الأبطال، ربما لم تحملوا الكأس، لكنكم حملتم شيئًا أعظم؛ حملتم كرامة وطنٍ بأكمله، ورفعتم رؤوس أكثر من مئة مليون مصري وعربي كانوا يتابعونكم بقلوبهم قبل أعينهم. لقد جعلتم اسم مصر يُنطق باحترام في كل الاستوديوهات الرياضية، وفي كل وسائل الإعلام، وبين جماهير الكرة في أنحاء العالم.
لقد أثبتم أن مصر ليست مجرد منتخب يشارك في البطولات، بل منتخبٌ أصبح كل فريقٍ في العالم يحسب له ألف حساب. لم يعد أحد ينظر إلى المنتخب المصري على أنه خصم سهل، بل فريق يمتلك الشجاعة والهوية والقدرة على الوقوف أمام أكبر المنتخبات دون خوف.
لقد أحرجتم بطل العالم، ليس بالكلام، بل بالأداء. منذ الدقيقة الأولى لم تلعبوا بعقدة اسم المنافس، بل لعبتم بعقلية المنتصر، وضغطتم، وهاجمتم، وصنعتم الفرص، وأثبتّم أن كرة القدم لا تعترف بالأسماء بقدر ما تعترف بالرجال.
ورغم ما شعر به كثير من الجماهير من قرارات تحكيمية رأوا أنها لم تكن منصفة، فإنكم لم تفقدوا انضباطكم، ولم تتخلوا عن روحكم القتالية، بل واصلتم القتال حتى اللحظة الأخيرة. وهذا في حد ذاته بطولة لا تقل قيمة عن أي لقب.
أنتم تملكون واحدًا من أعظم حراس المرمى في البطولة، حارسًا وقف كالجبل أمام أعنف الهجمات، وقدم أداءً سيظل محفورًا في ذاكرة الجماهير. وتمتلك مصر الملك الفرعوني محمد صلاح، اللاعب الذي أصبح رمزًا عالميًا لكرة القدم المصرية، والذي أثبت عبر سنوات طويلة أن الانتماء للوطن لا يقل قيمة عن أي إنجاز فردي.
وتمتلكون عمر مرموش، ذلك المقاتل الذي لا يعرف الاستسلام، ومعه مجموعة من اللاعبين الذين سيكتب التاريخ أسماءهم بين أعظم من ارتدوا قميص منتخب مصر، لأنهم لم يقدموا مهارات كروية فقط، بل قدموا شخصية وطنية يفتخر بها كل مصري.
لقد حفرتم اسم مصر بالنور، لا بالحبر. ورسمتم لوحة من الإصرار والشجاعة والانتماء سيظل يتحدث عنها الجميع لسنوات طويلة. وأخص بالتهنئة الكابتن حسام حسن. قد أكون اختلفت معه في مواقف سابقة، ورأيت أن بعض التصرفات لم تكن في توقيتها المناسب، لكن الإنصاف يقتضي أن نقول كلمة الحق عندما يحين وقتها.
لقد أثبت حسام حسن أنه مدرب وطني استطاع أن يعيد الشخصية المصرية إلى الملعب، وأن يغرس في لاعبيه عقلية الهجوم والشجاعة والثقة بالنفس. منذ سنوات طويلة لم نشاهد منتخبًا مصريًا يهاجم أحد أقوى منتخبات العالم منذ صافرة البداية بهذه الجرأة والإيمان، ويجبره على احترامه طوال المباراة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى على يد قائد يؤمن بلاعبيه قبل أن يؤمنوا هم بأنفسهم.
وأقول للشعب المصري...عاملوا هذا الفريق معاملة الأبطال. لا تجعلوا النتيجة وحدها هي معيار النجاح. هناك انتصارات لا يكتبها جدول البطولة، بل تكتبها قلوب الجماهير، واحترام المنافسين، وإعجاب العالم.
لقد منحكم هذا الفريق شيئًا لا يُقاس بالميداليات؛ منحكم الإيمان بأن مصر قادرة على منافسة أي منتخب في العالم، وأن الفارق بيننا وبين الكبار لم يعد في الموهبة، بل في استمرار المشروع والدعم والثقة.
وأخيرًا...إذا كان كثيرون قد شعروا بأن هذه البطولة شهدت ظلمًا أو ازدواجية في المعايير، فلنجعل منها درسًا لأنفسنا قبل أن تكون شكوى للآخرين. فعندما تتذوق مرارة التمييز، يصبح واجبك الأخلاقي ألا تمارسه على غيرك. وعندما تشعر بقسوة العنصرية، يجب أن تكون أول من يقف في وجهها، وأول من يدافع عن العدالة والمساواة، مهما كان الطرف الآخر. فالعدالة لا تتجزأ، والكرامة الإنسانية لا تُمنح لشعب وتُحجب عن آخر.
شكرًا لكم يا رجال مصر. شكرًا لأنكم جعلتم المصري يرفع رأسه بفخر. شكرًا لأنكم أثبتم أن قميص المنتخب ليس مجرد لون، بل رسالة، وعقيدة، وشرف. لقد عدتم من البطولة دون كأس... لكنكم عدتم ومعكم احترام العالم. وهذا... هو المجد الحقيقي.





