بقلم: نادر شكري
ما حدث في قرية التلة القبلية التابعة للوحدة المحلية لقرية البرجاية بمحافظة المنيا، من اعتداء على الأقباط بسبب رفض بعض المتطرفين حقهم الدستوري والقانوني في الصلاة، وقطع التيار الكهربائي عنهم وهذا ما كشفه نيافة الأنبا مكاريوس أسقف المنيا في تويته قام بكتابتها كاستغاثة، وهو لا يلجأ لهذا الأمر الا عندما يشعر بخطورة الأمر على القرية لوقف الاحداث، قبل تدخل قوات الأمن والسيطرة على الموقف والقبض على بعض المتورطين، وهو يكشف عن أزمة حقيقية تتعلق بكيفية معالجة خطاب الكراهية في المجتمع المصري.
فحتى الآن، لا يزال العلاج الذي نقدمه لهذه الأزمة علاجًا تقليديًا لا يخرج عن كلمات تُقال في المناسبات عن الأخوة والمحبة والوحدة الوطنية، ثم ينتهي كل شيء بمجرد انتهاء المناسبة، بينما يظل المرض قائمًا، لأن جذوره لم تُقتلع، ولأن الأفكار المغلوطة التي تشبعت بها عقول البعض عبر سنوات طويلة ما زالت حاضرة وتنتقل من جيل إلى آخر.
ورغم أن الرئيس عبد الفتاح السيسي تحدث أكثر من مرة في لقاءات ومناسبات مختلفة عن هذه القضية، وطرح سؤالًا بسيطًا لكنه شديد العمق حين قال: "إيه اللي يضرك من صلاة الآخر؟"، مؤكدًا أن لكل إنسان الحق في أن يصلي، وأن لكل مواطن الحق في أن يكون له مكان عبادة، وأن احترام الآخر هو أساس بناء الدولة الحديثة، إلا أن الواقع يقول إننا ما زلنا بعيدين عن ترجمة هذه الرسائل إلى ثقافة مجتمعية حقيقية.
فلا تزال هناك بعض الخطابات الدينية والإعلامية التي تواصل التحريض والتأجيج من خلال اللعب على المشاعر الدينية، دون الاقتراب من جذور الفكر الأصولي الذي زُرع على مدار سنوات طويلة، وغرس في عقول البعض الكراهية تجاه الآخر، وصوّر له أن المختلف في العقيدة هو "كافر" أو عدو يجب رفضه أو منعه أو حتى الاعتداء عليه.
ولم يعد الأمر مقتصرًا على بعض المنابر أو الدروس، بل امتد إلى وسائل التواصل الاجتماعي، حتى وصل الأمر إلى تحويل مباراة مصر والأرجنتين إلى معركة دينية وسياسية، وهو أمر يدعو للأسف الشديد. فقد تابعنا على صفحات التواصل وصف ليونيل ميسي بأنه "كافر"، واعتبار المباراة انتصارًا دينيًا، وهو ما خلق حالة من السجال والاشتباك بين أطراف مختلفة من أصحاب الديانات، وكأن مباراة كرة قدم أصبحت ساحة للصراع الديني، وهو مؤشر خطير على حجم تأثير خطاب الكراهية عندما يمتد إلى كل تفاصيل الحياة.
ولكن ما حدث في قرية التلة القبلية يستدعي الوقوف أمام عدة نقاط شديدة الخطورة، بعيدًا عن البيانات التقليدية أو ردود الفعل المؤقتة.
أولًا.. الأطفال يتعلمون الكراهية قبل أن يتعلموا المواطنة
من خلال مقاطع الفيديو التي وثقت الاعتداءات، نرصد مشهدًا بالغ الخطورة؛ سيدات، وهن أمهات، يقفن ويقذفن جيرانهن الأقباط بالحجارة، وخلفهن يقف أطفالهن يفعلون الأمر نفسه، مرددين هتافات تحمل الكراهية.
هذا المشهد لم يكن جديدًا، فقد تكرر في أكثر من واقعة طائفية، حيث يتم الدفع بالأطفال والصبية والسيدات إلى مقدمة المشهد، حتى يقال في النهاية إن من شاركوا مجرد أطفال أو مجموعة من الصبية، بينما يبتعد الرجال عن المواجهة المباشرة خشية التعرض للمساءلة القانونية.
لكن إذا توقفنا أمام هذا المشهد سنكتشف أننا أمام جريمة أخطر بكثير من الاعتداء نفسه.
فهؤلاء الأطفال هم مستقبل مصر، وعندما يشارك طفل في جريمة كراهية ضد منزل جاره القبطي، أو يرى والدته تقذف بالحجارة وتعتبر ذلك أمرًا طبيعيًا، فإنه يتشرب هذه الأفكار منذ سنواته الأولى.
فماذا سيحمل هذا الطفل عندما يبلغ؟ ، وكيف ستكون نظرته لزميله القبطي داخل المدرسة؟، وكيف ستكون علاقته به داخل الجامعة أو في العمل أو داخل المجتمع؟
إننا بذلك نزرع الشوك في عقول الأطفال، ونحولها إلى أرض خصبة للكراهية والعنف، وهو ما يمثل جريمة أكبر بكثير من الاعتداء على منزل أو سيارة، لأننا هنا نصنع جيلاً جديدًا يحمل الفكرة نفسها، ويعيد إنتاجها بعد سنوات.
ولهذا فإن أخطر ما في أحداث التلة القبلية ليس الحجارة التي أُلقيت، وإنما الأفكار التي أُلقيت داخل عقول الأطفال.
ثانيًا.. ما الذي يضر من صلاة الآخر؟
حتى الآن، لا يستطيع أحد أن يقدم مبررًا واحدًا أو منطقًا واحدًا لرفض حق الآخر في الصلاة.
ما الضرر من أن يجتمع مواطنون داخل مكان عبادتهم ليرفعوا أيديهم إلى السماء طالبين السلام والخير؟ما الخطر الذي يمثله جار يصلي؟، ما الذي يخسره المجتمع إذا مارس كل مواطن حقه الدستوري في العبادة؟
هذه الأسئلة لا تجد إجابة حقيقية، خاصة في ظل تكرار مثل هذه الأحداث، وبالتحديد في محافظة المنيا، وهو ما يحتاج إلى وقفة جادة.
إن استمرار الاعتماد على جلسات الصلح العرفية، والمسكنات المعتادة، لم يقدم أي حلول حقيقية للأزمة، فبعد كل حادثة نجد المشهد نفسه، يجتمع الشيوخ والكهنة، تلقى كلمات عن المحبة والتسامح، يصافح الجميع بعضهم البعض ونجد كلمات حول مؤامرات خارجية تستهدف الوطن في قرية لم يسمع عنها احد من قبل سوى انها تركت لطيور الظلام من أصحاب الفكر المتطرف الذى يقودها الى بحور الكراهية ودائرة الصراع من أجل فكر لا يقبل الاخر.
ثم بعد أشهر أو سنوات قليلة تتكرر الأزمة في قرية أخرى، وهذا يعني أن العلاج لم يكن علاجًا، وإنما مجرد مسكن مؤقت، بينما ظل المرض كما هو.
ثالثًا.. غياب الدولة والمجتمع المدني عن معركة الوعي
ما حدث في القرية يكشف أيضًا عن تقصير حكومي ومدني واضح، فما زالت هناك قرى تعيش في عزلة حقيقية عن التنمية الفكرية والثقافية، هناك غياب لدور الأجهزة المختلفة، وغياب لدور المجتمع المدني في غرس قيم المواطنة والتسامح وقبول الآخر، كما أن ما جرى يؤكد أن هناك قرى لم تصل إليها جهود التنوير بالشكل الكافي، وهو أمر يحتاج إلى إعادة النظر.
فهذه القرى تحتاج إلى اختراق حقيقي من خلال مؤسسات المجتمع المدني، والمؤسسات الثقافية، والأنشطة الشبابية، والمبادرات التي تزرع قيم التعايش، وليس فقط انتظار وقوع الأزمة ثم التحرك بعدها.
كما أنها تحتاج بعد هذه الأحداث إلى إعادة تأهيل مجتمعي ونفسي، فالأطفال الذين شاركوا في الاعتداء يحتاجون إلى إعادة بناء منظومة القيم لديهم، والأطفال الذين تعرضوا للرعب والحصار سواء داخل دار العبادة أو داخل منازلهم يحتاجون أيضًا إلى دعم نفسي حقيقي، لأن تلك اللحظات لن تغادر ذاكرتهم بسهولة، ولقد عشت هذه اللحظات معهم في احداث كثيرة ميدانية وقمت برصد حالة الهلع التي عاشوها، ورأيت بعيني كيف يترك الخوف أثرًا نفسيًا يمتد لسنوات طويلة.
فكيف ينسي طفل الدماء التي تسيل من والدته التي أصيبت جراء قذفها بالحجارة، أو الاب الاخر الذى أصيب فهذا مشهد يحتاج للعلاج النفسي حتى يتم دعم طفل مؤهل نفسيًا
رابعًا.. تطبيق القانون أصبح أمرًا حتميًا
أصبح تطبيق القانون اليوم ضرورة لا يمكن التراجع عنها.وقبل محاسبة المعتدين، يجب محاسبة المحرضين.يجب محاسبة من زرع هذه الأفكار في عقول أناس عاشوا سنوات طويلة في سلام مع جيرانهم.أناس تقاسموا الأفراح والأحزان، ثم في لحظة تحولوا إلى أشخاص يحملون الكراهية والبغضاء والعنف ضد جيرانهم المسالمين، فقط لأنهم مارسوا حقهم في الصلاة.
ومن هنا فإن تطبيق القانون لا يهدف فقط إلى معاقبة من ألقى حجرًا أو حطم سيارة أو اعتدى على منزل، وإنما يهدف أيضًا إلى حماية مستقبل الوطن.فكل مرة يفلت فيها المحرض من العقاب، تزداد فرص تكرار الحادثة.
وكل مرة نكتفي فيها بالحلول العرفية، نبعث برسالة خاطئة مفادها أن الجريمة يمكن احتواؤها اجتماعيًا دون ردع قانوني.
ولهذا فإن تطبيق القانون بحسم وعدالة على كل من شارك أو حرض أو خطط لهذه الأحداث هو الضمان الحقيقي لمنع تكرارها، وحماية حق كل مواطن في أن يعيش آمنًا، وأن يمارس شعائره الدينية بحرية، وفقًا لما كفله الدستور والقانون.
جرس إنذار
في النهاية...إن حادثة التلة القبلية ليست مجرد مشاجرة أو أزمة محلية تنتهي بعودة الهدوء، وإنما هي جرس إنذار جديد يؤكد أن معركتنا الحقيقية ليست فقط مع من ألقى حجرًا، بل مع الفكرة التي دفعته إلى إلقائه.الأمن نجح في احتواء الأحداث، وألقى القبض على المتورطين، وأعاد الاستقرار إلى القرية، وهو دور مهم لا غنى عنه، لكن المواجهة الحقيقية تبدأ بعد انتهاء الأزمة.
إن ما جرى في التلة القبلية ليس حادثًا منفصلًا عن الواقع، بل هو انعكاس لحالة من خطاب الكراهية أخذت تتسع خلال السنوات الأخيرة، حتى أصبحت جزءًا من المشهد اليومي في مواقع التواصل الاجتماعي، وبعض المنابر الإعلامية، بل وأحيانًا في بعض الخطابات الدينية التي لا تزال تقدم الآخر باعتباره خصمًا لا شريكًا في الوطن.
لم يعد الأمر يقتصر على الأزمات الطائفية، بل أصبحنا نرى هذا الخطاب يتسلل إلى كل مناسبة؛ مباراة كرة قدم تتحول إلى صراع ديني، وخبر عن فنان أو شخصية عامة يختلف أصحابها في الدين يتحول إلى ساحة للتراشق والإساءة، ومنصات التواصل تمتلئ بمحتوى تحريضي، وأخبار زائفة، ومنشورات تؤجج المشاعر وتغذي التمييز على أساس الدين، حتى أصبح البعض يقيس الأشخاص بعقائدهم قبل أن يقيسهم بإنسانيتهم أو مواطنتهم.
والأخطر أن هذا الخطاب لا يبقى حبيس شاشة هاتف أو منشور على "فيسبوك"، بل ينتقل إلى الشارع، وإلى المدارس، وإلى عقول الأطفال، ثم يظهر في صورة حجر يُلقى على منزل جار، أو اعتداء على مصلين، أو رفض لحق مواطن في ممارسة شعائره الدينية. فكل جريمة كراهية تبدأ بفكرة، وكل فكرة تبدأ بكلمة، وكل كلمة تجد من يرددها حتى تتحول إلى سلوك.
ولهذا فإن مواجهة خطاب الكراهية لم تعد ترفًا فكريًا أو مسؤولية جهة بعينها، بل أصبحت قضية أمن قومي تتعلق بحماية المجتمع ومستقبل الدولة. فكما نواجه الإرهاب بالسلاح والقانون، يجب أن نواجه الكراهية بالفكر والتعليم والإعلام والخطاب الديني المستنير، وتحرير المجتمع المدني ليصل إلى القرى الأكثر احتياجًا للتنوير، وتجريم التحريض على الكراهية وسرعة انشاء مفوضية التمييز، وغرس قيم المواطنة في نفوس الأطفال قبل الكبار. مع تطبيق صارم للقانون على كل من يحرض أو يروج للتمييز أو ينشر الأكاذيب التي تشعل الفتن بين أبناء الوطن.
إن حماية مصر لا تكون فقط بإعادة الهدوء بعد كل أزمة، وإنما بمنع الأسباب التي تصنع الأزمات من الأساس. فالأوطان لا تهزمها الاختلافات، وإنما يهزمها التحريض، ولا يهددها التنوع، وإنما يهددها من يحول هذا التنوع إلى وقود للكراهية. ومن هنا، فإن معركة مصر الحقيقية اليوم ليست فقط ضد من يرشق حجرًا، بل ضد كل خطاب يصنع يدًا تحمل هذا الحجر.
فالوطن الذي يحمي حق جميع أبنائه في الصلاة، ويحترم اختلافهم، ويواجه الكراهية بالقانون والوعي، هو وحده القادر على حماية مستقبله ومنع تكرار مثل هذه الأحداث، وأن حماية الجبهة الداخلية هي الحصن الأمن ضد أي محاولات خارجية تسهدف الوطن.





