مدخل: من الوعي التاريخي إلى مساءلة المؤسسة
أثناسيوس سرجيوس
إذا كان عزيز سوريال عطية قد أعاد تأسيس الوعي التاريخي والعلمي، وإيريس حبيب المصري قد حوّلت هذا الوعي إلى ذاكرةٍ كنسية حيّة، وسليمان نسيم قد وجّه الاهتمام إلى بناء الإنسان بالتربية، ووليم سليمان قلادة إلى بناء الشراكة الكنسية ودور العلمانيين، وميلاد حنّا إلى توسيع الأفق نحو المواطنة والدولة المدنية، فإن كمال زاخر حاول أن يجمع هذه المسارات جميعًا في مشروع إصلاحي واحد يسائل بنية المؤسسة الكنسية وآليات عملها، وينقل سؤال الإصلاح من دائرة النخبة إلى دائرة الحوار العام
وهكذا لم يبدأ مشروع زاخر من فراغ، ولم يكن قطيعةً مع المسار الذي سبقه، بل جاء امتدادًا لخطٍّ تراكمي انتقل فيه الفكر القبطي الحديث من استعادة التاريخ، إلى تجديد التربية، إلى إعادة تعريف موقع العلماني في الجسد الكنسي، ثم إلى المواطنة والدولة المدنية، قبل أن يتبلور في خطاب إصلاحي يسائل البنية الكنسية ذاتها: آلياتها، وتوزيع أدوارها، وحدود العلاقة بين السلطة الروحية والتدبير المؤسسي. ومن ثمّ لا يُقرأ مشروعه بوصفه خروجًا على هذا الخط، بل بوصفه أحد امتداداته الأكثر مباشرة؛ إذ نقل ما ظل عند سابقيه موزعًا بين التاريخ والتربية والمواطنة والشراكة إلى مستوى السؤال المؤسسي الصريح، عبر الحوار لا القطيعة، ومن داخل الانتماء لا من خارجه.
ومن هنا يبرز السؤال المنهجي: هل يمثّل خطاب كمال زاخر مشروعًا إصلاحيًا متكاملًا، أم يظل خطابًا نقديًا احتجاجيًا يحمل عناصر الإصلاح دون أن يستوفي بنيته؟ ولا يُطرَح هذا السؤال للحكم على الرجل أو تصنيفه، بل لفحص المفاهيم التي يتحرك بها، والمنهج الذي يبني به حججه، والآليات التي يقترحها، والأسئلة التي يتركها مفتوحة أمام الفكر الكنسي المعاصر.
١. تحرير المفاهيم: النقد والإصلاح والعلمانيون
١.١ النقد الكنسي: بين الإفراز الآبائي والاحتجاج الحديث
إن النقد الكنسي ليس بدعة حداثية وافدة، بل هو ممارسة عريقة عرفها التقليد الآبائي تحت اسم الإفراز أو التمييز (διάκρισις)، وهو عند الآباء موهبة روحية قبل أن يكون ملكة عقلية، بها يُفرَز الجوهر عن العرَض، والثابت الإيماني عن المتغير الإداري. وقد مارسه الأنبياء في وجه الكهنوت اللاوي حين تحجّر، ومارسه بولس الرسول في وجه بطرس نفسه بأنطاكية: «قاوَمتُهُ مُواجَهَةً لأنّه كان ملومًا» (غلاطية ٢: ١١)، ومارسه ذهبي الفم في وجه البلاط والأساقفة معًا فدفع ثمنه نفيًا.
غير أن لهذا النقد شرطَين لازمَين: أن يصدر من داخل الشركة لا من خارجها، وأن يكون باعثه محبة الجسد الواحد وبنيانه لا الشماتة به. وههنا يفترق النقد الإصلاحي عن الاحتجاج المجرد؛ فالاحتجاج يكتفي بإعلان الرفض ويستنفد طاقته في الصراخ، أما الإصلاح فيقترح البديل ويصبر على نضجه. لكن رسم الحد بينهما في خطاب حي ليس بالأمر اليسير؛ إذ قد يتداخلان في النص الواحد، وقد يحتفظ الخطاب بسمات الاحتجاج لأن بنية التلقي هي التي تفرض عليه هذا الشكل.
١.٢ مفهوم «العلمانيين»: استعادة مقولة كنسية
أما المفهوم الثاني الذي قام عليه مشروع الرجل فهو مقولة «العلمانيين». فاللفظ عنده مشتق من الأصل اليوناني λαϊκός المنحدر من λαός أي «الشعب»، شعب الله المقتنى، ولا صلة له البتة بالعلمانية بمعناها السياسي الحديث (sécularisme). فالعلماني في الاصطلاح الكنسي هو العضو المعمَّد غير المرتسم، الشريك في الكهنوت العام الذي أعلنه الرسول: «وأمّا أنتم فجِنسٌ مُختار، وكهَنوتٌ مُلوكيّ، أُمّةٌ مُقدَّسة، شَعبُ اقتِناء» (١ بطرس ٢: ٩).
غير أن الباحث مطالب بالتوقف عند سؤال منهجي: هل يكفي القصد التأثيلي للمصطلح لضبط معناه في التلقي؟ إن مغالطة الاشتراك اللفظي التي يقع فيها الخصوم لا تلغي السؤال عن الحكمة التواصلية من اختيار مصطلح شديد الالتباس في السياق المصري المعاصر، حيث العلمانية مصطلح مشحون بدلالات الصراع بين الديني والسياسي. وهذه قضية تحتاج إلى دراسة مستقلة.
٢. السياق التاريخي والكنسي: أرضية النشوء
لا يُفهَم خطاب إصلاحي بمعزل عن الظرف التاريخي والمؤسسي الذي أنتجه. وقد نشأ خطاب زاخر في سياق كنسي مزدوج: من جهة، كنيسة قبطية خرجت من عقود من العزلة النسبية إلى انخراط متصاعد في الشأن العام، ثم إلى مواجهة تحديات التشديد الديني المجتمعي، مما عزز في الوعي الجمعي القبطي مكانة المؤسسة الكنسية بوصفها الحامي والملاذ، وأضفى على رأسها الإكليريكي طابعًا كاريزماتيًا يتجاوز وظيفته الرعوية. ومن جهة أخرى، كنيسة شهدت تطورًا مؤسسيًا مضطردًا في حجم الإيبارشيات والمؤسسات الخدمية، بينما ظلت آليات الحوكمة والمساءلة متخلفة عن هذا النمو الكمي.
وتزداد خلفية هذا المسار وضوحًا إذا استحضرنا شهادة كمال زاخر نفسه عن تجربته المبكرة في الكتابة داخل الأطر الكنسية؛ إذ يشير إلى أنه كتب في مجلة مدارس الأحد بين ديسمبر ١٩٩٢ وأغسطس ١٩٩٤، في الفترة التي كان يرأس تحريرها الدكتور سليمان نسيم، قبل أن تتعرض المجلة، عقب عدد أغسطس ١٩٩٤، لأزمة انتهت بسحب الاعتراف بها ومنع بعض كتّابها ومحرريها من الخدمة، على خلفية اتهامها — بحسب ما أورده زاخر — بأنها «خرجت عن الخط الروحي» وسمحت لكتّاب من خارج الكنيسة بالكتابة فيها. ومن هنا اختار، بحسب روايته، أن يرفع الحرج عن المجلة وأن يتجه إلى الكتابة في الصحف العامة.
هذه الإشارة لا تُستدعى هنا لتبرير المسار أو إدانته، بل لفهم أحد مفاتيح انتقال خطابه الإصلاحي من المنابر الكنسية الداخلية إلى المجال العام. فظهور كتاباته في الصحافة العامة يمكن أن يُقرأ في ضوء انسداد بعض القنوات الكنسية الرسمية أمام هذا النوع من النقاش، لا بوصفه خروجًا على الكنيسة أو رغبة في نقل الخلاف إلى الخارج.
٣. الإطار المفهومي: ركائز المشروع الفكري
إذا أردنا أن نقرأ كتابات زاخر بوصفها كلًّا متماسكًا، فإن علينا أن نبحث عن الأسس المفهومية التي تنتظمها. ويمكن رصد ثلاث ركائز كبرى:
٣.١ مبدأ الشراكة الجسدية
ينطلق زاخر من لاهوت جسد المسيح كما صاغه بولس الرسول، حيث الجسد واحد وأعضاؤه مختلفة. وتُترجَم هذه الرؤية اللاهوتية عنده إلى مبدأ عملي: شراكة العلمانيين في حياة الكنيسة وتدبيرها ليست تفضّلًا من الإكليروس، بل هي استحقاق لاهوتي نابع من طبيعة الكنيسة ذاتها. وتوحي هذه القراءة بسؤال: هل هذا المبدأ هو استعادة دقيقة للاهوت الكنيسة الأول، أم هو قراءة معاصرة تتأثر، عن وعي أو عن غير وعي، بالتحولات الديمقراطية في الفضاء السياسي الحديث؟ وهل ثمة توتر بين نموذج «شعب الله» الأفقي والتمثلات التاريخية للكهنوت الأسقفي في التقليد الأرثوذكسي؟ هذه أسئلة تبقى مفتوحة للنقاش اللاهوتي.
٣.٢ التمييز بين الثابت العقيدي والمتغير التدبيري
يرتكز مشروع زاخر على تمييز منهجي أساسي بين ما هو من صميم الإيمان والعقيدة وما هو من تدبير الكنيسة وإدارتها وتشريعاتها التاريخية. وكثير مما يُدافَع عنه بوصفه «تسليمًا» هو في الحقيقة اجتهادات تاريخية قابلة للمراجعة. والتمييز نفسه يمكن إرجاعه إلى مبدأ الإفراز الآبائي (διάκρισις). غير أن النصوص المطروحة تسمح بالتساؤل: هل يقدم زاخر معايير واضحة لهذا التمييز تصلح للتطبيق المتسق؟ ومن يملك سلطة تقرير ما هو ثابت وما هو متغير؟ هل الجماعة الكنسية بمجموعها؟ أم المجامع؟ إن غياب معايير صريحة لا يبطل أهمية التمييز، وهو ما يستدعي مزيدًا من البحث.
٣.٣ مركزية مفهوم المجمعية
المجمعية هي الركيزة الثالثة في جهاز زاخر المفهومي. والنموذج الذي يحتكم إليه ليس نموذجًا برلمانيًا مستعارًا من السياسة، بل نموذج مجمع أورشليم نفسه حيث صدر القرار الرسولي الأول عن «الرُّسُل والمَشايخ مع كلِّ الكنيسة» (أعمال ١٥: ٢٢). فالمجمعية عنده تعبير عن طبيعة الكنيسة ذاتها بوصفها جماعة شركة. وتقود هذه القراءة إلى التساؤل: كيف تُترجَم المجمعية الكتابية إلى إجراءات مؤسسية ملموسة؟ وما الذي يميز المجمعية الكنسية عن الديمقراطية السياسية على المستوى الإجرائي؟ وهما سؤالان يستدعيان مزيدًا من البحث.
٤. تحليل المنهج: أدوات التفكير وآليات الجدل
إذا انتقلنا من المفاهيم إلى المنهج، وجدنا كتابة زاخر تقوم على ثلاث أدوات متضافرة:
أولها التوثيق التاريخي: فهو يستند إلى خبرات مؤسسية موثقة في تاريخ الكنيسة القبطية الحديث. غير أن المنهج التاريخي عنده يظل في معظمه منهج استدعاء الشواهد المؤيدة لفرضية الإصلاح، لا منهج استقصاء التاريخ في تعقده وطبقاته المتعددة. وهذا يثير السؤال: هل كانت ثمة اتجاهات مضادة داخل هذه التجارب التاريخية نفسها لم تُستعرَض بالقدر نفسه من التحليل؟ وهو نقاش لم يُحسم بعد.
ثانيتها التحليل البنيوي: فهو يقرأ الأزمة قراءة مؤسسية لا شخصانية؛ ليست عنده أزمة أفراد، بل أزمة بنية ضاقت فيها قنوات المشاركة، وتضخمت المركزية الإدارية حتى التبست بالسلطان الروحي. غير أن السؤال يظل مطروحًا: إلى أي مدى يأخذ التحليل البنيوي في اعتباره العوامل الثقافية والنفسية الأوسع التي تتفاعل مع البنية المؤسسية؟
ثالثتها المرجعية الكتابية والآبائية: فهو يسعى إلى تأصيل مواقفه في الكتاب المقدس وكتابات الآباء، مما يميز خطابه عن خطاب الاحتجاج العلماني الخالص. لكن الباحث يتساءل: هل ثمة انتقائية في توظيف النصوص الآبائية، بحيث تُستدعى النصوص المؤيدة للفرضية الإصلاحية فيما تظل نصوص أخرى خارج التحليل؟ وهذا مما يفتح مجالًا لبحوث لاحقة.
٥. البعد النفسي والمؤسسي: آليات المقاومة وشكل الخطاب
لا يكتمل فهم المسألة دون بعدها النفسي العميق؛ فالمؤسسات — كالأفراد — تقاوم ما يهدد صورتها عن ذاتها، وتستدعي في وجه الناقد الداخلي آليات دفاع معروفة: الإنكار الذي يحول الأزمة إلى «افتراء»، والإسقاط الذي يُلبِس الناقد من الداخل قناع العدو من الخارج، وتعبئة الجماعة حول التماهي مع القيادة بحيث يغدو السؤال ذاته تهديدًا وجوديًا.
وهذا البعد يفسر ظاهرة منهجية تستحق الانتباه: فإن النبرة الاحتجاجية التي تخللت بعض كتابات زاخر قد لا تكون دومًا اختيارًا حرًا للشكل، بل يمكن أن تُفهَم على أنها الشكل الوحيد الذي تتركه المؤسسة المغلقة للكلمة. هذا لا يعني أن نعفي الناقد من مسؤولية الشكل، لكنه يدعونا إلى تحليل العلاقة الجدلية بين شكل الخطاب وطبيعة التلقي: هل يمكن للخطاب أن يحتفظ بالسمات الإصلاحية الهادئة حين تكون بنية الاستقبال عازفة عن الإصغاء أصلًا؟ وهنا تكتسب حادثة مجلة مدارس الأحد — المشار إليها سابقًا — دلالة إضافية: فإغلاق المنبر الكنسي في وجه الكاتب لا ينهي السؤال الإصلاحي، بل ينقله إلى فضاء آخر.
٦. ملامح المشروع وحدوده: نحو تقييم منهجي
٦.١ ملامح البنية المشروعية
إن المشروع الإصلاحي يقوم على ثلاثة أركان: تشخيص للداء، ورؤية للغاية، وآليات للانتقال. وبهذا المعيار يمكن رصد ما يلي في خطاب زاخر:
أ. التشخيص: تسمح النصوص المطروحة برصد تشخيص واضح: خلل في العلاقة بين الإكليروس والشعب أفضى إلى تآكل المجمعية وانكماش دور العلمانيين. وهذا التشخيص يُصاغ بلغة النقد البنيوي لا الشخصاني.
ب. الرؤية: يبدو من خلال النصوص أن ثمة رؤية حاضرة، إن تكن في حاجة إلى مزيد من التحديد: استعادة الشراكة الكنسية على أساسها اللاهوتي، وشفافية التدبير الإداري والمالي، وتجديد الخطاب اللاهوتي بالعودة إلى ينابيع الآباء.
ج. الآليات: تفتح هذه المعطيات احتمال النظر في محاولات لبلورة الآليات: من تفعيل المؤسسات اللائكية القائمة، إلى مؤتمر العلمانيين سنة ٢٠٠٦. غير أن هذه الآليات تظل متفاوتة في درجة تبلورها.
ومن اللازم الإشارة هنا إلى أن هذه الرؤية لم تظهر دفعة واحدة، بل تشكلت عبر مسار زمني ممتد، يمكن تتبعه من خلال أربعة مؤلفات رئيسية صدرت على فترات متباعدة، أعاد فيها زاخر صياغة مشروعه تدريجيًا حتى صار رؤية متكاملة لا مجرد مقالات متناثرة. بدأ المسار بكتاب العلمانيون والكنيسة سنة ٢٠٠٩، ثم تلاه كتاب قراءة في واقعنا الكنسي سنة ٢٠١٥، ثم الكنيسة صراع أم مخاض ميلاد سنة ٢٠١٩ عن دار بتانة، وأخيرًا كتاب كنيستنا القبطية إلى أين؟ سنة ٢٠٢٦ عن دار ديوان. وقد صدر الكتاب الأول في زمن البابا شنودة الثالث وأرسل إليه زاخر نسخة منه فور صدوره، كما سُلّمت نسخ من الكتب الأربعة لاحقًا إلى البابا تواضروس الثاني. وتشي هذه الإشارات، بغض النظر عن طبيعة التلقي الرسمي الذي لقيته، بأن المشروع كان يستهدف الحوار مع رأس الكنيسة والمؤسسة الكنسية من داخلها، لا مجرد مخاطبة الرأي العام من خارجها، مما يعزز فرضية طابعه الإصلاحي الداخلي.
٦.٢ حدود المشروع وأسئلته المفتوحة
غير أن الإنصاف الذي نطالب به الآخرين نطبقه على التحليل نفسه، فنسجل أسئلة مفتوحة لا أحكامًا ناجزة:
أ. إشكالية الحامل المؤسسي: هل يمكن لمشروع إصلاحي أن يستمر دون حامل مؤسسي راسخ؟ لقد ظل التيار الذي عبر عنه زاخر تيار أفراد ومقالات أكثر منه بنية منظمة. فهل هذه سمة عرضية أم بنيوية؟
ب. غياب الخطة الانتقالية التفصيلية: تدعو هذه المعطيات إلى التساؤل: هل يفتقر المشروع إلى خطة انتقالية تجيب عن سؤال: كيف ننتقل من الواقع إلى الرؤية بخطوات قابلة للقياس؟ وهل هذا ناتج عن قصور في الرؤية، أم عن طبيعة الإصلاح الكنسي الذي لا يخضع لمنطق التخطيط الهندسي بل لمنطق النضج التاريخي والروحي؟ وهذا سؤال يستدعي مزيدًا من البحث.
ج. إشكالية الاستجابة: المشروع الإصلاحي الكنسي رهين استجابة السلطة الكنسية. فكيف يُفكَّر في إصلاح لا يملك صاحبه قراره النهائي؟ هل هذا مأزق أم شرط لاهوتي أصيل؟
د. إشكالية جنس الكتابة: إن جنس الكتابة المقالية الذي غلب على إنتاج زاخر يفرض التجزئة على ما قد يكون في حاجة إلى بناء نسقي جامع. فهل ثمة تصور نسقي موحَّد ينتظر من يجمعه؟ وهو سؤال يفتح مجالًا لبحوث لاحقة.
٧. الأثر المرصود: بساعتين للقياس
إذا شئنا مقاربة ما ترتب على هذا المشروع، فينبغي أن نميز بين ساعتين للقياس. فبساعة التغيير المؤسسي المباشر، تبدو الحصيلة متواضعة: لم تتغير بنية اتخاذ القرار تغييرًا جوهريًا، وظلت كثير من الأسئلة معلقة. لكن هل هذه الساعة هي المقياس الوحيد؟ وبساعة تشكيل الوعي والخطاب — وهي الساعة التي يُقاس بها الفكر عادةً — يبدو من خلال النصوص أن الحصيلة أكثر امتدادًا: فقد طُبِّع سؤال الإصلاح بعد أن كان محظورًا، وصيغت مفردات صارت جزءًا من المعجم القبطي العام، وتأثر جيل من الباحثين صار يميز بين الثابت العقيدي والمتغير الإداري. وتاريخ الكنيسة يشهد أن الإصلاح الحقيقي قلما يجني غارسه ثمرته في حياته.
والباحث مطالب هنا بالتوقف عند سؤال المنهج في قياس «الأثر»: كيف نعزل أثر مفكر واحد في حراك فكري معقد تتشابك فيه عوامل متعددة؟ وهل يمثل خطاب زاخر سببًا أم مؤشرًا على تحولات أوسع؟
٨. أسئلة مفتوحة: نحو استكمال الحوار
إن أي مشروع يثير الأسئلة يفتح بدوره أسئلة جديدة، لا على سبيل الاعتراض، وإنما على سبيل استكمال الحوار. وقد أشار زاخر، في سياق حواري مع هذه القراءة، إلى أن بعض الأسئلة المتعلقة بالنموذج وآليات الانتقال حاول أن يجيب عنها في كتابه الأخير كنيستنا القبطية إلى أين؟، الصادر عن دار ديوان في يناير ٢٠٢٦، وهو ما يفرض على أي قراءة لاحقة لمشروعه أن تعود إلى هذا النص بوصفه محاولة أحدث لتجميع الرؤية وتوضيح مقاصدها. ومن ثم فإن الأسئلة المطروحة هنا لا تُصاغ باعتبارها إقرارًا بغياب الإجابة، بل باعتبارها دعوة إلى قراءة هذا الكتاب وغيره من نصوص المشروع قراءة أوسع وأدق.
السؤال الأول: صورة المؤسسة المنشودة. ما الصورة المؤسسية التي يُتطلَّع إليها في نهاية مسار الإصلاح؟ كيف تُتصوَّر العلاقة بين الإكليروس والعلمانيين؟ وما شكل المشاركة الذي يحقق الإصلاح مع الحفاظ على الطبيعة الرسولية للكنيسة؟
السؤال الثاني: آليات الانتقال. ما الطريق العملي للوصول إلى هذه الرؤية؟ هل يكون الإصلاح من خلال تطوير اللوائح؟ أم عبر المجالس الكنسية؟ أم بالحوار الداخلي؟ أم بالتدرج الثقافي والتعليمي؟ وكيف يمكن أن يتحقق الإصلاح دون انقسام؟
السؤال الثالث: معايير التقييم. ما المعايير التي ينبغي أن يُقيَّم بها مشروع إصلاحي كنسي؟ هل معايير الفعالية المؤسسية؟ أم معايير الأمانة للتقليد؟ أم معايير الأثر في الوعي؟ وكيف تُوزَّن هذه المعايير إذا تمايزت نتائجها؟
لا تُطرَح هذه الأسئلة لأنها تكشف عن فراغ في المشروع، بل لأنها تمثل المرحلة التالية لأي نقاش جاد حول الإصلاح الكنسي. فالأسئلة الصادقة ليست نقيض الإصلاح، بل هي إحدى أدواته.
حين تنتقل الفكرة إلى المؤسسة
لعلّ القيمة الأساسية لهذه القراءة لا تكمن في إصدار حكم نهائي على مشروع كمال زاخر، بل في وضعه داخل المسار الأوسع للفكر القبطي المدني والإصلاحي. فهذا المسار لم يبدأ معه، كما أنه لم ينتهِ عنده؛ غير أنه بلغ في كتاباته درجةً أكثر مباشرة من المساءلة المؤسسية. فما كان عند عزيز سوريال عطية سؤالًا عن الوعي بالتاريخ، وعند سليمان نسيم سؤالًا عن التربية والتكوين، وعند وليم سليمان قلادة سؤالًا عن الشراكة وموقع العلماني، وعند ميلاد حنّا سؤالًا عن المواطنة والدولة المدنية، صار عند زاخر سؤالًا عن الكيفية التي يمكن بها ترجمة هذه المبادئ إلى بنية كنسية وآليات مشاركة ومساءلة.
ومن هنا لا يعود السؤال: لماذا انتقد كمال زاخر المؤسسة؟ بل: لماذا أثار نقده قدرًا من الحساسية يفوق ما أثارته بعض المقدمات الفكرية التي مهّدت له؟ ولعل الجواب يكمن في انتقاله من مستوى الفكرة العامة إلى مستوى التطبيق المؤسسي المباشر. فحين يبقى الإصلاح حديثًا عن التاريخ أو التربية أو المواطنة، يمكن استيعابه داخل الخطاب العام؛ أمّا حين يقترب من توزيع السلطة، وحدود الاختصاص، والمشاركة في القرار، واللوائح، والشفافية، والمحاسبة، فإنه لا يعود فكرةً مجردة، بل يصير سؤالًا موجّهًا إلى بنية قائمة ومصالح مستقرة وصورة رسختها المؤسسة عن ذاتها.
ولهذا قد لا يكون الجدل حول كمال زاخر ناتجًا أساسًا من خروجه عن خطّ رواد الفكر القبطي الحديث، بل من أخذه بعض الأسئلة التي مهّدوا لها إلى مداها المؤسسي المباشر. فهو لم يكتفِ باستعادة التاريخ، ولا بالدعوة إلى التربية، ولا بتأكيد المواطنة، بل سأل كيف يمكن لهذه المبادئ أن تُترجم داخل الكنيسة نفسها. وعند هذه النقطة تحديدًا يتحول الإصلاح، في نظر بعض المتلقين، من فكرة يُحتفى بها إلى تهديد يُخشَى منه.
ومن ثم يبقى السؤال مفتوحًا: لماذا يُلام كمال زاخر وهو يسير في هذا الخط التراكمي؟ قد لا يكون السبب اختلاف موضوعه عن سابقيه، بل لأنه نقل الأفكار من مستوى التأمل التاريخي والتربوي والمدني إلى مستوى المساءلة المباشرة للبنية الكنسية القائمة. فحين يبقى الإصلاح فكرةً عامة، يُحتفى به؛ وحين يقترب من توزيع السلطة، والمشاركة، واللوائح، والشفافية، والمحاسبة، يتحول في نظر بعضهم من فكر إلى تهديد.





