لماذا ما زال هذا السؤال مطروحًا؟
محمد نبيل المصرى
في كل مرحلة يمر بها العالم بأزمات سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، يعود الحديث عن الأصولية بوصفها أحد أكثر المفاهيم إثارة للجدل. فهي ليست مجرد مصطلح ديني، بل أصبحت مفهومًا سياسيًا وثقافيًا يعكس طريقة في التفكير تقوم على الاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة، ورفض التعددية، والسعي إلى إعادة المجتمع وفق تصور واحد لا يقبل الاختلاف.
يستعرض كتاب “زمن الأصولية: رؤية للقرن العشرين” للكاتب مراد وهبة الجذور التاريخية لهذا المفهوم، موضحًا أن مصطلح Fundamentalim
لم ينشأ في البيئة الإسلامية، بل ظهر في الولايات المتحدة خلال بدايات القرن العشرين مع حركة بروتستانتية دافعت عن ما اعتبرته “أصول الإيمان” في مواجهة الحداثة والنظريات العلمية. ومع مرور الزمن، تجاوز المصطلح سياقه المسيحي ليصبح وصفًا لكل تيار يرفض النقد والتأويل، ويتمسك بقراءة حرفية للنصوص أو المبادئ ويرفض محاولات تجديد الخطاب الديني .
وتكمن أهمية الكتاب في أنه لا يكتفي بسرد التاريخ، بل يحاول تفسير كيف تحولت الأصولية في بعض المجتمعات إلى مشروع سياسي يسعى للوصول إلى السلطة واحتكار المجال العام. ويرى المؤلف أن المشكلة لا تكمن في التدين ذاته، وإنما في توظيف الدين باعتباره أداة لإقصاء الآخرين أو منع الحوار، وهو ما يؤدي إلى تضييق مساحة الحرية وإضعاف قيم المواطنة.
كما يلفت الكتاب الانتباه إلى العلاقة بين الأصولية والعنف، موضحًا أن غياب ثقافة النقد، ورفض الاختلاف، والاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة، قد يفتح الباب أمام تبرير ممارسات متشددة، خصوصًا عندما تمتزج الأفكار الدينية بالصراعات السياسية. لذلك يدعو إلى ترسيخ التفكير العقلاني، واحترام التعددية، وإعلاء قيمة الحوار باعتبارها وسائل أكثر فاعلية في حماية المجتمع من التطرف.
ورغم أن الكتاب كُتب في سياق القرن العشرين، فإن كثيرًا من أفكاره لا تزال حاضرة اليوم. فما زالت مجتمعات عديدة تواجه تحديات تتعلق بخطاب الكراهية، والاستقطاب الفكري، وتسييس الدين، وهي قضايا تجعل مناقشة مفهوم الأصولية ضرورة فكرية وليست مجرد استعادة لتاريخ مضى.
في النهاية، يقدم مراد وهبة رؤية تدعو إلى أن يكون الإيمان والعقل شريكين لا خصمين، وأن تقوم نهضة المجتمعات على حرية التفكير واحترام التنوع، لأن مواجهة التطرف لا تتحقق بالشعارات، بل ببناء ثقافة تؤمن بأن الاختلاف ليس تهديدًا، وإنما مصدرًا للإثراء الإنساني والتقدم الحضاري






