كاتب مغربي
بصراحة، هذه آخر مرة سأضيّع فيها وقتي للحديث عن الجهل الكروي الذي يتصدر المشهد في الشارعين المصري والمغربي، وعن تلك الأسطوانات المشروخة التي يكررها إعلام المغرب وإعلام مصر، حتى أصبحت أقرب إلى النكات منها إلى التحليل الرياضي.
لنبدأ بالمنتخب المصري.
كفى تعلقًا بشماعة المؤامرة، وكفى حديثًا عن أن الفيفا "تريد إخراج مصر"، وكأنها تركت كل بطولات العالم وجلست تخطط لإقصاء منتخبكم. الحقيقة أبسط من كل هذه الروايات الخيالية: القرارات التحكيمية كانت صحيحة، أما الكارثة الحقيقية فهي أن لديكم مدربًا "حمارًا".
منتخبك متقدم بهدفين دون رد حتى الدقيقة الثامنة والسبعين، ولم يتبقَّ سوى دقائق معدودة. أي شخص شاهد مباراة كرة قدم واحدة في حياته يعلم أن المنتخب الخاسر سيرمي بكل أوراقه إلى الأمام، لأنه لم يعد يملك شيئًا يخسره. الخسارة بهدفين أو بخمسة أهداف؟ النتيجة واحدة... الخروج من البطولة.
لكن يبدو أن حسام حسن كان يشاهد فيلمًا لعادل إمام، وليس المباراة.
فبدلًا من أن يستغل المساحات الشاسعة التي سيتركها المنتخب الأرجنتيني، قرر الحمار سحب أحد أفضل لاعبيه، هيثم حسن، ثم أعلن حالة طوارئ دفاعية، وكأن الفريق متقدم في الدقيقة الأخيرة أمام فريق من الهواة، لا أمام منتخب سيهاجم بكل خطوطه، وكأننا أمام مشهد خلف مصنع الكراسي.
وهنا لم يعد الأمر دفاعًا، بل أصبح دعوة مفتوحة للأرجنتين للدخول إلى المباراة من الباب العريض، مع شوية ڤازلين، وربما زيوت مرطبة أيضًا. وكأن المنتخب المصري قال لمنافسه: "تفضل... المباراة لك، ونحن سنتفرج."
وبالفعل، استلمت الأرجنتين الهدية بكل امتنان، بينما خرجت مصر من البطولة بعد أن أهدت التأهل لمنافسها بمؤخرتها.
لذلك، بدلًا من البحث عن مؤامرات في السماء، انظروا أولًا إلى دكة البدلاء، فهناك ستجدون الجواب الحقيقي.
أما المنتخب المغربي...
فبصراحة، كانت الخسارة أمام فرنسا بمثابة كوب ماء بارد أعاد الجميع إلى الواقع، بعد موجة من النفخ الإعلامي حتى كاد البعض يقنعنا بأن كأس العالم حُجز باسم المغرب، ولم يتبقَّ سوى مراسم التسليم.
أي كأس عالم يا جماعة؟
اهدؤوا قليلًا.
لدينا منتخب جيد، نعم. يضم أسماء مميزة، نعم. يستطيع المنافسة إفريقيًا وعربيًا، نعم. لكن تحويله إلى منتخب لا يُقهر لم يكن سوى "استمناء فكري" انتهى عند أول احتكاك جاد مع منتخب من الصف الأول.
فرنسا لم تنتصر فقط، بل أعادتنا إلى حجمنا الحقيقي. وفجأة اختفت الشعارات، وخفتت الضوضاء، وعاد الجميع يتحدث بلغة أكثر واقعية، بعدما كانت بعض المنابر توزع كؤوس العالم قبل أن تبدأ البطولة أصلًا.
والأجمل من ذلك أن المباراة أعادت التوازن إلى النقاش؛ لأن الحقيقة لا تحتاج إلى مكبرات صوت، بل إلى تسعين دقيقة فقط.
وفي النهاية...
هذه هي المشكلة في الشارع العربي. بمجرد تحقيق انتصارين أو ثلاثة، يبدأ الحديث عن السيطرة على العالم، ثم تأتي أول مواجهة حقيقية، فنتحول إلى "ميا خليفة" بلا ملابس.
قد تكون قويًا داخل قارتك، وقد تتفوق على جيرانك، لكن كرة القدم العالمية لا تعترف بالضجيج، ولا بالهاشتاغات، ولا بالعناوين الرنانة. إنها تعترف بشيء واحد فقط... بما يحدث داخل المستطيل الأخضر.
وكما يقول المثل: عاش من عرف قدره، واستراح من أوهامه.
كاتب مغربي





