أثناسيوس سرجيوس
قراءة فلسفية تاريخية ولاهوتية في النسبية والأصولية والعلمانية وإعادة تشكيل الوعي القبطي
المصطلح قبل الحكم
لا تستقيم قراءة موقف مراد وهبة من البابا شنودة الثالث إذا بدأت بتصنيف الأشخاص قبل تحرير المفاهيم. فالأصولية والعلمانية والنسبية والمطلق والمركزية الكنسية ليست ألفاظًا وصفية بريئة ولا شتائم جاهزة بل مفاهيم تنتمي إلى حقول فلسفية وتاريخية متباينة. وإذا اختلطت دلالاتها تحولت المناقشة من فحص للمشروعات إلى محاكمة للنوايا ومن تحليل للبنى إلى تبادل للاتهامات.
المطلق في دلالته الفلسفية هو ما لا يتوقف وجوده أو صدقه على ظرف تاريخي أو ثقافي ولا يخضع للتغير الذي يلحق الموجودات النسبية. وفي السياق اللاهوتي لا يكون المطلق فكرة مجردة فحسب بل يُنسب أولًا إلى الله الذي لا تحده الأزمنة ولا تستنفد حقيقته المفاهيم البشرية. غير أن الإشكال الذي شغل مراد وهبة لم يكن الإيمان بوجود المطلق في ذاته بل ادعاء الإنسان أنه اقتنصه واقتناعه بأن فهمه التاريخي المحدود أصبح مطابقًا للحقيقة المطلقة.
ومن هنا يجب الفصل بين الحقيقة في ذاتها ومعرفة الإنسان بها والصياغة المؤسسية التي تتبنى فهمًا بعينه. فقد تكون الحقيقة مطلقة بينما تظل المعرفة الإنسانية محدودة ومتنامية. وقد تكون العقيدة ملزمة لجماعة الإيمان من غير أن يصبح كل شرح فردي لها أو تدبير مؤسسي يصدر باسمها مطلقًا معصومًا من النقد. فالمشكلة ليست أن يؤمن الإنسان بحقيقة تتجاوزه بل أن يختزلها في تصوره ثم يمنح تصوره حصانتها.
أما النسبية فلا ينبغي أن تُساوى ابتداءً بإنكار الحقيقة. ثمة نسبوية متطرفة ترى أن الحقيقة تتبدل بتبدل الأفراد والثقافات وأن الآراء جميعها متساوية ولا معيار للتمييز بينها. لكن النسبية التي يقوم عليها مشروع مراد وهبة هي في أصلها نسبية إبستمولوجية أي اعتراف بأن معرفة الإنسان مشروطة باللغة والتاريخ والثقافة وحدود العقل. فالإنسان لا يقف خارج الزمن ليعاين الحقيقة من كل جهاتها بل يدركها من موضع محدود وبأدوات قابلة للتصحيح.
لا تعني النسبية بهذا المعنى أن الحقيقة غير موجودة بل أن إدراك الإنسان لا يستنفدها. وهي لذلك ليست بالضرورة خصمًا للحقيقة بل خصم لادعاء احتكارها. وفي المجال اللاهوتي يزداد هذا التمييز ضرورة. فالله ليس نسبيًا لكن معرفة الإنسان بالله لا تستوعب الله. والوحي ليس رأيًا بشريًا لكن تلقي الوحي وتفسيره وصياغته اللاهوتية وتطبيقه المؤسسي تجري كلها داخل التاريخ واللغة. وبين مطلقية الحقيقة ومحدودية حاملها تقع المساحة التي ينبغي أن يجتمع فيها صدق العقيدة وتواضع المعرفة.
ويبدأ التحول إلى الأصولية حين يُرفع النسبي إلى مرتبة المطلق. يحدث ذلك عندما يتحول تفسير لاهوتي مخصوص إلى العقيدة كلها ورأي معلم إلى صوت الإيمان الوحيد وقرار إداري إلى حكم مقدس ومرحلة تاريخية إلى نموذج أبدي والولاء لقائد إلى معيار للولاء لله. عندئذ تنتقل صفات المقدس من الله إلى الوسيط البشري ويصبح نقد التأويل مساويًا لنقد الوحي والاعتراض على المؤسسة مساويًا للخروج على الإيمان.
أما الأصولية في معجم مراد وهبة فلا تعني مجرد العودة إلى الأصول ولا المحافظة على العقيدة ولا حتى التشدد الأخلاقي. إنها بنية معرفية تقوم على «التفكير في النسبي بما هو مطلق». ومن ثم قد توجد الأصولية في خطاب منظم هادئ إذا قام على امتلاك تفسير نهائي ورفض تاريخية الفهم وتحصين المرجعية من المراجعة واختزال الجماعة في صوت واحد. وفي المقابل عرّف وهبة العلمانية بأنها «التفكير في النسبي بما هو نسبي لا بما هو مطلق». وهي عنده نظرية في المعرفة قبل أن تكون مجرد صيغة قانونية للفصل بين الدين والدولة.
غير أن هذا التقابل الوهبي بين الأصولية والعلمانية يحتاج بدوره إلى مراجعة. فليس كل اعتقاد بحقيقة ملزمة أصولية وإلا فقد المصطلح قدرته على التمييز. وينبغي الفصل بين الإيمان بمطلق وادعاء امتلاكه وبين سلطة التعليم واحتكار التفسير وبين المحافظة العقائدية وإغلاق باب البحث. كما أن وصف المؤسسات والتأويلات بأنها نسبية لا يكفي وحده لبناء معيار للحق والعدل. فالعلمانية لا تصبح مشروعًا أخلاقيًا مكتملًا إلا إذا اقترنت بالمواطنة وسيادة القانون وحرية الضمير والكرامة الإنسانية المتساوية.
والمركزية الكنسية بدورها ليست مرادفًا آليًا للاستبداد. فقد تكون وسيلة للتنسيق وحماية الوحدة في مؤسسة ممتدة. لكنها تتحول إلى مشكلة حين تتجمع في المركز نفسه وظائف التعليم والإدارة والحكم العقائدي والتمثيل السياسي وإدارة الإعلام وتعريف الهوية الجماعية. فإذا ارتبطت هذه الوظائف بشخص ذي حضور كاريزمي واسع لم يعد القائد أبًا روحيًا أو رئيسًا إداريًا فحسب بل صار مركزًا رمزيًا يعيد تشكيل طريقة الجماعة في فهم ذاتها.
ويجب كذلك التمييز بين «العلماني الكنسي» والعلمانية. فالعلماني الكنسي من اليونانية λαϊκός — laikos — أي المنتمي إلى الشعب هو العضو غير الإكليريكي في الكنيسة. أما العلمانية secularism فهي تصور فلسفي وسياسي لحدود السلطة الدينية وتنظيم المجال العام. وقد يكون المرء علمانيًا كنسيًا دون أن يكون علمانيًا فلسفيًا وقد يدافع عن الدولة المدنية من داخل إيمان مسيحي راسخ. ولذلك فإن تراجع دور العلمانيين الكنسيين قضية مؤسسية لا تُختزل في السجال حول العلمانية السياسية.
أما «الهوية المحصنة» فهي هوية تتكون في مواجهة خطر فتشدد حدودها وتوحد خطابها وتلتف حول رموزها. وقد تكون هذه الوظيفة ضرورية لجماعة مهددة. غير أن الحصن الذي يحميها من الخارج قد يضيق بالمختلفين في الداخل. وكلما تضخم الإحساس بالخطر صار السؤال ثغرة والاختلاف خيانة والوحدة تطابقًا مفروضًا. عندئذ ينتقل القائد من خدمة وحدة الجماعة إلى تمثيلها الرمزي الكامل.
بهذه التمييزات يمكن الانتقال من المصطلح إلى التاريخ ومن الحكم العام إلى المشروعين اللذين مثلهما مراد وهبة ونظير جيد.
الرحم الإصلاحي الواحد
يروي مراد وهبة في مقاله «الطريق إلى الإصلاح الكنسي» أنه جلس في أواخر أربعينيات القرن الماضي مع نظير جيد على مقهى بمحطة مصر يتباحثان في مستقبل الكنيسة وإمكان تغيير بنيتها. والرجلان متقاربان في المنشأ والجيل والتعليم. وُلد وهبة سنة ١٩٢٦ في القوصية بأسيوط ووُلد نظير جيد سنة ١٩٢٣ في قرية سلام بأسيوط. وتخرجا سنة ١٩٤٧ في كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول أحدهما في الفلسفة والآخر في التاريخ. وكانا من الحلقة الأولى المرتبطة بمجلة «مدارس الأحد» ومن كتّابها الأوائل مع وهيب عطالله وسليمان نسيم ووليم سليمان قلادة وغيرهم من أبناء ذلك الجيل. وتؤيد المادة المنشورة على الموقع الرسمي للكنيسة وجود مراد وهبة ونظير جيد ضمن الرعيل الأول من كتّاب المجلة وإن كان ينبغي التمييز توثيقيًا بين المؤسسين القانونيين وهيئة التحرير والكتّاب الأوائل.
اتخذت المجلة صورة المسيح مطهرًا الهيكل رمزًا لها وحملت شعار «رسالة البعث الجديد». ولم تكن الصورة زينة طباعية بل إعلانًا عن وعي إصلاحي يرى أن الأزمة ليست ضعفًا فرديًا متناثرًا بل خللًا أصاب بنية التعليم والقيادة والوعي. وكان ذلك الجيل ابنًا للمناخ الذي أنشأه الأرشيدياكون حبيب جرجس حين ربط نهضة الكنيسة بالتعليم ورأى أن الجهل الديني ليس نقص معلومات فحسب بل عجز عن إنتاج إنسان كنسي قادر على الفهم والمسؤولية.
تلقى مراد وهبة ونظير جيد التشخيص نفسه: داء الكنيسة هو الجهل ودواؤها التعليم. ولم يفارقا هذا اليقين. كانت مسيرة نظير جيد كلها مسيرة معلم. كتب في مجلة «مدارس الأحد» ثم تولى رئاسة تحريرها ودرّس في الإكليريكية وصار أسقفًا للتعليم ثم جعل منبر الأربعاء وكتبه ومجلة «الكرازة» أدوات واسعة لتكوين الوعي. وكانت مسيرة مراد وهبة هي الأخرى مسيرة معلم. عمل أستاذًا للفلسفة في جامعة عين شمس وترأس قسمها وأصدر المعجم الفلسفي وجعل من العقلانية والعلمانية وإحياء ابن رشد مشروع حياته. كلاهما اعتقد أن التحول يبدأ من العقل. لكنهما اختلفا في السؤال الذي يتلو ذلك: كيف تتحول المعرفة إلى قوة تاريخية؟
هذا هو موضع اللقاء الحقيقي. أما مفرق الطريق فبدأ عندما سأل كل منهما عن علاقة المعرفة بالمؤسسة. هل ينبغي أن تدخل المعرفة إلى مركز السلطة كي تغيره أم ينبغي أن تبقى خارجه كي لا تتحول إلى أداة من أدواته؟
شهادة مقهى محطة مصر وقيمتها المنهجية
نشر مراد وهبة في جريدة «وطني» بتاريخ ١٦ أكتوبر ٢٠١٩ مقالًا بعنوان «الطريق إلى الإصلاح الكنسي» روى فيه أن الحوار بينه وبين نظير جيد انتهى إلى تشخيص بنيوي للمجمع المقدس. فعدد أعضائه محدود والأسقف لا يُعزل في الظروف العادية ومن ثم لا يمكن تغيير اتجاه المجمع بالوعظ وحده. ونسب إلى نظير جيد تصورًا يقوم على توسيع عدد الأعضاء عن طريق تقسيم الإيبارشيات ورسامة أساقفة عموم بلا إيبارشيات كأسقف للتعليم وآخر للخدمات ثم تشجيع خدام مدارس الأحد على الرهبنة وانتقاء الصالحين منهم للرسامة.
إذا صحت الرواية في جوهرها فإنها تكشف عن وعي مبكر بأن الإصلاح لا يكتمل بإنتاج خطاب جديد ما لم يمتلك الخطاب موقعًا داخل المؤسسة. لكنها لا يجوز أن تُقرأ بوصفها محضرًا حرفيًا لجلسة. فهي شهادة فردية مروية بعد قرابة سبعين عامًا ونشرت بعد نياحة البابا شنودة بسنوات. والقاعدة اللاتينية testis unus testis nullus لا تعني أن الشاهد الواحد كاذب بل أن شهادته لا تكفي وحدها لبناء واقعة مركبة من غير قرائن مستقلة.
والذاكرة لا تستعيد الماضي كما تستخرج الوثيقة من خزانة بل تعيد بناءه من موقع الحاضر. لذلك فإن حوارًا يُروى بعد سبعة عقود بهذه الحبكة والوضوح أقرب إلى إعادة تركيب أدبية لمعنى التجربة منه إلى نقل حرفي للألفاظ. كما أن مراد وهبة لم يكن شاهدًا محايدًا حين كتب. فقد صار مشروعه الفلسفي قائمًا على نقد مَن يسميهم مالكي الحقيقة المطلقة. ومن ثم يبقى احتمال «التماسك بأثر رجعي» قائمًا أي احتمال أن تكون الذاكرة قد أعادت ترتيب بدايات العلاقة في ضوء النتائج التي آلت إليها.
ولا تنفع حجة أن المقال ربما نُشر في حياة البابا فلم يعترض إلا بعد العثور على طبعة أقدم مؤرخة. وحتى لو ثبتت تلك الطبعة فإن argumentum ex silentio — الاستدلال بالسكوت — لا يكفي وحده لأن السكوت قد يدل على القبول كما قد يدل على عدم العلم أو عدم الاكتراث أو رفض الدخول في سجال.
ومع ذلك لا تُطرح الشهادة جانبًا. فالمنهج السليم لا يساوي بين ضعف الدليل وانعدام القيمة. شهادة وهبة ضعيفة بوصفها إثباتًا حرفيًا للحوار لكنها ذات قيمة تفسيرية مرتفعة في كشف الطريقة التي فهم بها أحد طرفي الجيل الإصلاحي مسار الآخر. وهي تزداد أهمية حين تتقاطع بعض عناصرها مع أقوال منسوبة إلى البابا شنودة نفسه.
حين يشهد صاحب الشأن
ورد في مصدر ثانوي منسوبًا إلى البابا شنودة في حديثه عن «الفكر التقدمي» للبابا كيرلس السادس أنه قال إن الأخير أقدم في سبتمبر ١٩٦٢ على رسامة ثلاثة أساقفة أحدهم لبني سويف والثاني للخدمات وكان هو الثالث للتعليم. وأضاف أن هذه كانت المرة الأولى بحسب روايته التي يُرسم فيها أساقفة بلا إيبارشيات وأن الأساقفة العموميين المتفرغين للخدمات والتعليم كانوا «بمثابة سكرتارية للبابا بدرجة أسقف» ثم وصف رسامة الأساقفة العموميين وتقسيم الإيبارشيات بأنهما مبدآن ناجحان. ويرد النص في مصدر ثانوي ينقله عن كتاب غالي شكري «الأقباط في وطن متغير» ولذلك ينبغي قبل النشر البحثي النهائي رده إلى التسجيل أو النص الأول إن وُجد.
تتوافق هذه العبارة مع عنصرين جوهريين في شهادة مراد وهبة: تقسيم الإيبارشيات ورسامة أساقفة عموم. غير أن هذا التوافق لا يثبت أن خطة المقهى وقعت بالحروف التي رواها وهبة ولا يبرهن على أن الهدف الأصلي كان التحكم في أصوات المجمع. ما يثبته بدرجة معقولة هو أن الأداتين المؤسسيتين اللتين نسبهما وهبة إلى نظير جيد كانتا لاحقًا حاضرتين في تصور البابا شنودة لنجاح الإصلاح الكنسي.
فالالتقاء بين الشهادتين يعزز صدقية «البنية العامة» للرواية لا تفاصيلها الزمنية والنفسية. إنه يثبت أن إعادة تركيب المؤسسة عن طريق الإيبارشيات والأسقفيات العامة كانت فكرة مقبولة لدى البابا شنودة لكنه لا يحول التأويل المتعلق بالدوافع إلى حقيقة وثائقية. وهذا التمييز هو الحد الفاصل بين التاريخ التحليلي والتاريخ الاتهامي.
في مساء ٢٩ سبتمبر ١٩٦٢ أُلبس الراهبان مكاري وأنطونيوس السريانيان الإسكيم تمهيدًا للرسامة وفي صباح ٣٠ سبتمبر رُسم الأول باسم الأنبا صموئيل للخدمات العامة والاجتماعية والثاني باسم الأنبا شنودة للتعليم والتربية الكنسية والمعاهد الدينية. وثبت تاريخ الرسامة في المصادر القبطية كما ثبت أن الأنبا شنودة عُد أول أسقف للتعليم في التاريخ القبطي الحديث.
لكن الدلالة الأعمق ليست في التاريخ وحده بل في التحول الذي طرأ على وظيفة الأسقفية.
المعرفة حين تلبس الرتبة
كان الأسقف في النموذج الكنسي المبكر مرتبطًا بجماعة محلية محددة وبإفخارستيا وكنيسة وشعب. وتعبّر رسائل إغناطيوس الأنطاكي عن هذه العلاقة العضوية حين تربط وحدة الجماعة ووحدة الإفخارستيا بحضور الأسقف.
وعندما تُنشأ أسقفية على اختصاص لا على إيبارشية جغرافية ينشأ توتر بين النموذج المحلي القديم والنموذج الوظيفي المركزي. لا يعني هذا أن الرسامة باطلة ولا أن الكنيسة لم تعرف صورًا متنوعة من الأساقفة ذوي المهام العامة لكنه يعني أن الأسقفية أصبحت تؤدي وظيفة جديدة داخل جهاز بطريركي مركزي. فلم يعد الأسقف رئيس جماعة محلية فحسب بل صار حامل ملف تخصصي له رتبة سرائرية وموقع مجمعي.
وتكشف القاعدة التي صاغها القانون السادس لمجمع خلقيدونية عن حساسية الكنيسة القديمة تجاه «الرسامات المطلقة» التي لا تُربط بكنيسة أو مدينة أو قرية أو دير. ولا يُستشهد بهذا القانون بوصفه ملزمًا للكنيسة القبطية التي لا تقبل مجمع خلقيدونية بل بوصفه شاهدًا مقارنًا على حضور مبدأ ارتباط الرسامة بموضع كنسي محدد في الضمير القانوني المتأخر للعصور القديمة.
كان إنشاء أسقفيتي التعليم والخدمات سنة ١٩٦٢ ابتكارًا مؤسسيًا ذا مقصد مفهوم. فالكنيسة احتاجت إلى تعليم أكثر تنظيمًا وإلى خدمة اجتماعية أوسع. لكن هذا الابتكار نقل المعرفة والخدمة من مستوى النشاط الكنسي إلى مستوى السلطة المجمعية. وهنا تكمن دلالة العبارة «سكرتارية للبابا بدرجة أسقف». فالمعرفة لم تعد وظيفة تخصصية مستقلة عن بنية السلطة بل صارت جزءًا منها وصار حاملها صاحب رتبة وصوت.
ولا يجوز اختزال هذا التحول في مؤامرة على المجمع. فقد تكون الحاجة التعليمية والرعوية حقيقية تمامًا. غير أن الدافع الرعوي والأثر السلطوي يمكن أن يجتمعا. فالظاهرة المؤسسية لا تُحكم بنوايا مؤسسيها فقط بل بما تنتجه بنيتها على المدى الطويل. وقد يُنشأ الموقع لخدمة المعرفة ثم يصبح وسيلة لإخضاعها وقد يُنشأ لتوسيع الخدمة ثم يسهم في توسيع المركزية.
١٩٦٢ و١٩٦٧: جينالوجيا السلطة وجينالوجيا المعرفة
تسمي رواية مراد وهبة أسقفيتين: التعليم والخدمات. وتسمي شهادة البابا شنودة والواقعة التاريخية الاسمين نفسيهما. أما أسقفية الدراسات العليا والثقافة القبطية والبحث العلمي فلم تُنشأ إلا حين رُسم الأنبا غريغوريوس في ١٠ مايو ١٩٦٧. والتاريخ الصحيح هو ١٠ مايو وفق العدد التوثيقي الرسمي من مجلة «الكرازة» لا ١٥ مايو كما تذكر بعض المصادر الثانوية.
هذه الفجوة الزمنية لا تبرر إقامة تعارض مطلق بين أسقفيتي ١٩٦٢ وأسقفية ١٩٦٧ لكنها تسمح بالتمييز تحليليًا بين منطقين. فأسقفيتا التعليم والخدمات ظهرتا في سياق إعادة بناء الجهاز البطريركي وتوسيع أدواته التنفيذية. أما أسقفية غريغوريوس فجاءت بعد مسار أكاديمي طويل ارتبط بالإكليريكية والمعهد العالي للدراسات القبطية والدكتوراه في الفلسفة واللغة القبطية والحاجة إلى موقع متخصص للبحث العلمي.
يمكن لذلك وصف المسار الأول بحذر بأنه «جينالوجيا السلطة» أي انتقال التعليم والخدمة إلى بنية مركزية ذات صوت مجمعي. ويمكن وصف المسار الثاني بأنه «جينالوجيا المعرفة» أي انتقال مشروع أكاديمي قائم بالفعل إلى رتبة كنسية. لكن هذا التفريق ليس حكمًا على نقاء دوافع أحد ولا إنكارًا لتداخل المعرفة والسلطة في الحالتين. إنه يرفض فقط سردية تضع كل الأسقفيات العامة في لحظة تأسيسية واحدة وتفترض أن منشأها ووظيفتها كانا متطابقين.
مفرق الطريق: الإصلاح من الداخل أم حرية المعرفة خارجه؟
اختار نظير جيد طريق الإصلاح من داخل العقيدة والمؤسسة. صار المسار عنده مدارس الأحد ثم الرهبنة ثم الأسقفية ثم المجمع ثم الكرسي. ولم تكن هذه المراحل في وعيه بالضرورة درجات صعود شخصي بل وسائل لنقل التعليم من الأطراف إلى المركز وتحويله إلى قوة قادرة على التأثير في الكنيسة كلها.
أما مراد وهبة فاختار المسار المقابل. خرج من المجال الإصلاحي الكنسي إلى الجامعة والفلسفة وظل يرى أن المعرفة تفقد حريتها عندما تتحد بالمؤسسة التي تمتلك أدوات المنع والإلزام. فالمعرفة عنده لا تحرر إلا إذا احتفظت بمسافة من السلطة ولم تسمح للرتبة بأن تحدد قيمتها.
يمكن تلخيص الافتراق هكذا: أراد نظير جيد أن تدخل المعرفة المؤسسة كي تصلحها وأراد مراد وهبة أن تظل المعرفة خارج المؤسسة كي لا تفسدها المؤسسة. رأى الأول أن المعرفة بلا سلطة عاجزة ورأى الثاني أن المعرفة حين تتحول إلى سلطة تصبح معرضة لفقدان طبيعتها النقدية.
لم يكن هذا اختلافًا بين الإيمان والعقل بل اختلافًا في فلسفة التجسد المؤسسي. فالطريق الأول يقبل أن تتجسد الفكرة في بنية ورتبة ونظام ولو تعرضت لخطر البيروقراطية. والطريق الثاني يحمي الفكرة من المؤسسة لكنه يعرضها لخطر العزلة وفقدان القدرة على التحول إلى ممارسة اجتماعية.
وهكذا صار مقهى محطة مصر في رواية وهبة رمزًا تاريخيًا صالحًا حتى إذا لم يكن الحوار قابلًا للإثبات حرفيًا. كان رصيفًا أخيرًا وقف عليه الرجلان داخل السؤال نفسه ثم افترق قطاراهما: أحدهما إلى الدير والمجمع والكرسي والآخر إلى الجامعة وابن رشد والعلمانية.
مراد وهبة وميلاد حنّا: منطلق واحد وطريقان وغاية واحدة
يلتقي مراد وهبة مع ميلاد حنّا في المنطلق والغاية وإن اختلف عنه في الطريق. انطلق كلاهما من رفض اختزال القبطي في مؤسسة تتحدث باسمه دينيًا وسياسيًا وثقافيًا. وسعى كلاهما إلى إنسان قادر على الوجود في الوطن مواطنًا كاملًا لا عضوًا في طائفة تحتاج دائمًا إلى وسيط بينها وبين الدولة.
سلك مراد وهبة الطريق الفلسفي. بدأ من سؤال المعرفة: كيف يتحول الفهم النسبي إلى مطلق وكيف يصبح التأويل البشري مالكًا للحقيقة وكيف يمكن تحرير العقل من الوصاية؟
أما ميلاد حنّا فسلك الطريق الاجتماعي والسياسي. بدأ من سؤال المواطنة: كيف يخرج القبطي من العزلة الطائفية وكيف يتعامل مع الدولة مواطنًا لا تابعًا لمِلّة وما الحدود التي ينبغي أن تفصل بين الكنيسة بوصفها جماعة روحية والكنيسة حين تؤدي وظيفة التمثيل السياسي الشامل؟
كان المنطلق واحدًا: تحرير الإنسان من الاختزال الطائفي والوصاية المؤسسية. وكان الطريقان مختلفين: العقلانية والنسبية والعلمانية عند مراد وهبة والمواطنة والدولة المدنية والاندماج الوطني عند ميلاد حنّا. وكانت الغاية متقاربة: عقل لا تنوب المؤسسة عنه ومواطن لا تحصره طائفته وكنيسة لا تضطر إلى أن تقوم مقام الدولة.
غير أن التقارب لا يساوي التطابق. فمراد وهبة أكثر جذرية في نقد المطلقات وأكثر ميلًا إلى صياغة الأزمة بوصفها أزمة معرفة. أما ميلاد حنّا فأكثر واقعية سياسية ويرى الأزمة في ضعف الدولة المدنية وبقاء المواطن رهينة نظام التمثيل الطائفي. الأول يريد تحرير العقل من امتلاك الحقيقة والثاني يريد تحرير المواطن من الوساطة الكنسية.
البابا شنودة وإعادة تشكيل الوعي القبطي
أصاب مراد وهبة في إدراكه أن عهد البابا شنودة لم يكن مجرد فترة رعوية ممتدة بل مشروعًا لإعادة تشكيل الوعي القبطي. فقد اختار نظير جيد الإصلاح من داخل العقيدة والمؤسسة ثم تطور مشروعه إلى بناء هوية كنسية قوية مركزية ومحصنة عقائديًا وثقافيًا.
بدأ المشروع قبل البطريركية في أسقفية التعليم. فالتعليم عند الأنبا شنودة لم يكن قسمًا إداريًا محدودًا بل مدخلًا لإنتاج الإنسان الكنسي. ثم اتسع بعد جلوسه على الكرسي سنة ١٩٧١ عبر عظات الأربعاء والكتب ومجلة «الكرازة» والإكليريكيات وشبكات الخدمة والرعاية والانتشار في المهجر.
أول عناصر المشروع كان توحيد التعليم. امتلك البابا شنودة قدرة استثنائية على تبسيط القضايا وصياغتها في جمل واضحة سهلة الحفظ والتداول. ومنح قطاعات واسعة من الشعب قاموسًا دينيًا مشتركًا وربط أجيالًا جديدة بالكنيسة ورفع مستوى المعرفة الأساسية. لكن نجاحه في توحيد اللغة التعليمية أدى في الوقت نفسه إلى تضييق مساحة تعدد المدارس اللاهوتية. فلم يعد التعليم أحد أصوات الكنيسة بل صار الخطاب البابوي المرجعية الأوسع في الوعي اليومي.
والعنصر الثاني كان ضبط الحدود العقائدية. نظر البابا شنودة إلى الكنيسة بوصفها حاملة παραθήκη — parathēkē — الوديعة أو الأمانة. ولذلك اهتم باللاهوت المقارن والردود العقائدية وتعريف الأرثوذكسية وتحديد الفروق بين الكنائس والتدخل في الخلافات الداخلية. ولم يكن الدفاع عن العقيدة في ذاته أصولية. فكل جماعة إيمان تملك حدودًا تميز ما تعتقده مما ترفضه. لكن السؤال يبدأ عندما يتداخل حد العقيدة مع تفسير المعلم وعندما يصير الخلاف مع صياغة بعينها خلافًا مع الإيمان كله.
أما العنصر الثالث فهو توسيع سلطة المؤسسة. في ظل صعود الإسلام السياسي وضعف الأحزاب وتكرار التوترات الطائفية وعجز الدولة عن ضمان مواطنة متساوية اتسع دور الكنيسة من الرعاية الروحية إلى الدفاع الاجتماعي والتمثيل السياسي والتفاوض مع الدولة. لم تكن المركزية إذن رغبة فردية في السيطرة فحسب بل استجابة تاريخية لقلق جماعة لم تجد في المجال المدني حماية كافية.
غير أن المؤسسة حين تسد فراغ الدولة يصعب عليها أن تنسحب منه. فالحماية تتحول إلى تمثيل والتمثيل إلى وصاية والوصاية إلى تصور ضمني أن الفرد لا يدخل المجال العام إلا من خلال الكنيسة. وما بدأ بوصفه ضرورة تاريخية قد يتحول إلى قاعدة ثابتة تعيد إنتاج الظرف الذي نشأت لمواجهته.
والعنصر الرابع هو ارتباط الهوية القبطية بشخص البطريرك. جمع البابا شنودة صورة المعلم والأب والمدافع والمفاوض وحارس العقيدة والرمز الوطني. ولم يكن ارتباط الشعب به صناعة خطابية خالصة بل استند إلى خبرة حقيقية من التعليم والرعاية والدفاع. لكن نجاح الرمز في احتواء الجماعة جعل الفصل بين الشخص والمؤسسة والعقيدة أكثر صعوبة. وصار الاختلاف معه في قضية لاهوتية أو إدارية قابلًا لأن يُستقبل بوصفه عداءً للكنيسة ذاتها.
بهذا المعنى أعاد عهد البابا شنودة تشكيل تصور القبطي لعقيدته وهويته ودور البطريرك وعلاقته بالدولة وحدود الاختلاف المقبول. وتلك هي النقطة التي أصاب مراد وهبة في التقاطها: لم يكن أمام «عهد» فحسب بل أمام «مدرسة» استمرت في اللغة والتلاميذ وآليات الشرعية بعد رحيل مؤسسها.
«فكر أصولي نقي»
في الثاني من يناير ٢٠٢٠ وصف مراد وهبة البابا شنودة في برنامج «نظرة» بأنه صاحب «فكر أصولي نقي» وربط ذلك بما اعتبره صراعًا بين البابا تواضروس الثاني وأساقفة ينتمون إلى مدرسة البابا شنودة.
لا تُفهم العبارة خارج نسقه الفلسفي. فـ«الأصولي» عنده ليس بالضرورة المتعصب العنيف بل من يفكر في النسبي بوصفه مطلقًا. أما «نقي» فليست مجرد زيادة هجائية بل وصف لنموذج مكتمل السمات. كأنه يقول إن البابا شنودة جسد الأصولية في صورة منسجمة داخليًا تقوم على اليقين الصارم ومركزية المعلم ووحدة الخطاب وإحكام الحدود واتساع سلطة المؤسسة.
واللافت أنه لم يتحدث عن شخص انتهى بوفاته بل عن «أساقفة البابا شنودة». أي إنه رأى «الشنودية» نمطًا في تكوين الوعي والسلطة يواصل حياته بعد صاحبه. وهذا التحليل صحيح من حيث المبدأ. فالكاريزما عندما تدخل المؤسسة تتحول إلى تقليد وشبكة من التلاميذ وقواعد ضمنية لما يجوز وما لا يجوز.
لكن وصف مشروع كامل بأنه «أصولي نقي» يظل أوسع من الأدلة التي يحملها. فهو يضم في لفظ واحد المحافظة العقائدية والكاريزما التعليمية والاستجابة لتهديد الجماعة والمركزية الإدارية والتمثيل السياسي. وهذه وظائف مختلفة لا يكفي اجتماع بعضها للحكم على المشروع كله بحكم واحد.
أين أصاب مراد وهبة؟
أصاب أولًا في رؤية المشروع لا الشخص. فقد فهم أن البابا شنودة لم يترك عظات وكتبًا فقط بل ترك نموذجًا للعلاقة بين الحقيقة والسلطة والجماعة. وهذا إدراك تاريخي مهم لأن المؤسسات لا تستمر بقراراتها وحدها بل بالمخيلة التي تنتجها وباللغة التي تجعل بعض الاختيارات بديهية.
وأصاب ثانيًا في كشف خطر انتقال المؤسسة من خدمة الحقيقة إلى ادعاء امتلاكها. فحين تستمد السلطة حصانتها من مطلقية الحقيقة التي تقول إنها تحملها يصبح نقد القرار نقدًا للعقيدة ويصبح السؤال عن الإدارة تمردًا روحيًا. والإيمان بالمطلق لا يمنح الإنسان مطلقية مماثلة بل يفترض أن يجعله أكثر تواضعًا لأن المحدود لا يحيط بغير المحدود.
وأصاب ثالثًا في رد الأصولية إلى بنية الوعي لا إلى العنف وحده. فالإقصاء الرمزي يسبق غالبًا العقوبة المؤسسية. وحين لا يُناقش المخالف في حجته بل يُصنف متكبرًا أو متمردًا أو غير خاضع تكون المؤسسة قد استبدلت فحص الدليل بمحاكمة النية.
وأصاب رابعًا في إدراك أن المدرسة تستمر بعد المؤسس. فما كان في حياة البابا حضورًا شخصيًا قويًا صار بعد رحيله تراثًا تعليميًا ونمطًا في ممارسة السلطة وشبكة من التلاميذ. وسواء صح توصيفه لكل تفاصيل الصراع مع البابا تواضروس أم لم يصح فإن المبدأ الذي انطلق منه وجيه: الكاريزما المؤسسية لا تموت بموت صاحبها.
أين اختزل مراد وهبة؟
اختزل أولًا حين اقترب من افتراض أن الإيمان بالمطلق ينتهي بالضرورة إلى ادعاء امتلاكه. وهذا الافتراض لا يوافق التقليد الآبائي في أعمق طبقاته. فالقديس غريغوريوس النزينزي يقرر في خطبته اللاهوتية الثانية أن التعبير عن الله متعذر وأن إدراكه أشد تعذرًا.
ويبني غريغوريوس النيصصي لاهوت الحياة الروحية على ἐπέκτασις — epektasis — الامتداد الدائم في معرفة الله. فمعرفة الله حقيقية لكنها لا تنتهي لأن كل اقتراب يفتح أمام الإنسان عمقًا جديدًا. ويصوغ أوغسطينوس المبدأ نفسه بقوله si comprehendis non est Deus أي «إن كنت قد أحطت به فليس هو الله».
فالوديعة مطلقة لا لأن حاملها استنفدها بل لأنها تتجاوزه. ومن يحملها لا يملكها كما يملك شيئًا بل يحمل «كنزًا في أوان خزفية» (٢ كو ٤: ٧). ولذلك فإن «مالك الحقيقة المطلقة» ليس نتيجة لازمة للإيمان بالمطلق بل قد يكون خطيئة ضده أي توهم أن الوعاء قد استوعب الكنز.
ومن هنا يمكن القول إن خصومة مراد وهبة الحقيقية لم تكن مع المطلق في ذاته بل مع بيداغوجيا الإغلاق التي واجهها: الجواب المحسوم الذي لا يميز بين العقيدة وتفسيرها وبين السؤال والتمرد. وهذه البيداغوجيا قابلة للنقد لكنها ليست كل الإيمان ولا كل التقليد. ومأساة وهبة أنه لم يميز بينهما بما يكفي ومأساة الخطاب الديني في عصره أنه لم يقدم له دائمًا نموذجًا آخر واضحًا.
واختزل ثانيًا حين أقام ثنائية حادة تجعل الإنسان إما علمانيًا وإما أصوليًا. وقد صرح في حواره مع «وطني» بهذا التقابل المباشر. لكن بين النسبوية التي تذيب الحقيقة والأصولية التي تحتكرها توجد مساحة واسعة من الإيمان النقدي. يستطيع المرء أن يؤمن بحقيقة العقيدة وأن يعترف بتاريخية تفسيره وأن يثبت حدودًا معرفية من غير أن يجعل ذاته معصومة.
كما يحمل تعريفه خطر contradictio performativa — التناقض الأدائي — إذا تحولت العلمانية نفسها إلى معيار نهائي لا يقبل النقد. فمَن ينفي كل إطلاق بحكم مطلق يقع في الصورة التي يقاومها. غير أن هذا النقد ينبغي صياغته بوصفه احتمالًا بنيويًا لا اتهامًا جاهزًا لمراد وهبة بأنه «أصولي علماني». فقد كان يصر في مواضع أخرى على أن الفكر العلماني يراجع نفسه ولا يدعي الوصول إلى حقيقة نهائية.
واختزل ثالثًا حين لم يمنح السياق التاريخي لسلطة الكنيسة وزنًا كافيًا. فالجماعة لم تلتف حول البابا شنودة لأنها أُجبرت ببساطة على الطاعة بل لأنها وجدت فيه أبًا ومدافعًا في زمن كانت الدولة فيه عاجزة أو غير راغبة في تقديم الحماية المتساوية. والفلسفة التي تكشف خطر الحصن قد تفشل في فهم السبب الذي دفع الناس إلى الاحتماء به.
واختزل رابعًا حين قرأ الدين غالبًا بوصفه قضية في نظرية المعرفة. لكن الدين ليس أفكارًا عن المطلق فحسب بل طقس وذاكرة وانتماء وألم ورجاء وشبكة تضامن. وتحرير العقل لا يلغي حاجة الإنسان إلى الجسد الرمزي والجماعة والمعنى. ولذلك قد ينتج المشروع العقلاني فردًا حرًا لكنه معزول إذا لم يجد صورة مؤسسية تحمله من غير أن تستعبده.
الدافع الإنساني بين الاختزال والمثْلنة
قرأ مراد وهبة قرار الرهبنة في روايته قراءة أداتية بوصفه طريقًا إلى المجمع. وهذه القراءة معرضة لـ argumentum geneticum — مغالطة النشأة — حين يُحكم على حقيقة الظاهرة بما يُظن من أصلها ولـ fallacia reductionis — مغالطة الاختزال — حين تُرد خبرة مركبة إلى دافع واحد.
فليس ثمة تناقض ضروري بين أن تكون للرهبنة وظيفة في مشروع إصلاحي وأن تكون دعوة روحية حقيقية. قد تسكن النفس الواحدة الرغبة في الله والرغبة في التأثير والدعوة والزهد والطموح. والإنسان لا يكذب بالضرورة لأن دوافعه متعددة بل يكذب حين ينكرها أو يستعمل المقدس لإخفائها.
لكن القراءة التمجيدية تقع في الخطأ المقابل حين تفترض مسبقًا نقاء كل دافع وترفض إمكان وجود خطة أو طموح لدى الشخصية المقدسة. وهذه petitio principii — مصادرة على المطلوب — لأنها تفترض ما ينبغي فحصه. وهي نفسيًا صورة من idealization — المثْلنة — التي تنزع التركيب عن الأب لأن الجماعة لا تحتمل أن يكون رمزها جامعًا بين القداسة والبشرية.
يعلمنا التحليل النفسي أن الدوافع طبقات لا خط واحد. وقد عرف التقليد النسكي هذه الحقيقة حين تحدث عن تمييز الأفكار والأرواح. فالقديس ليس من لا إرادة ولا طموح له بل من يدخل دوافعه في مسار تمييز وتنقية. والذي لا يحتمل هذا التركيب فريقان: فريق لا يطيق أن تكون للقديس خطة وفريق لا يطيق أن يكون لصاحب الخطة إيمان. وكلاهما يختزل الإنسان.
المواطنة ونظام المِلّة
في مايو ١٩٩٤ رفض البابا شنودة إدراج الأقباط ضمن «الأقليات» في مؤتمر مركز ابن خلدون وأكد أنهم مصريون وجزء من شعب مصر وأن تقسيم أبناء الوطن إلى أغلبية وأقلية يحمل معنى التمييز.
يلتقي هذا الموقف من حيث المضمون مع ما دعا إليه مراد وهبة وميلاد حنّا. فالقبطي مواطن لا وحدة سياسية طائفية. لكن اللقاء في النتيجة يخفي اختلافًا في الآلية. فقد رفض البابا تسمية الأقلية بينما ظلت الكنيسة في الممارسة المتحدث الأبرز باسم الأقباط والمفاوض عنهم أمام الدولة.
ومن منظور وهبة يمثل هذا استمرارًا لنظام المِلّة منفيًا في الخطاب ومثبتًا في الفعل. والحجة قوية لكنها لا تستنفد الواقع. فالكنيسة لم تختر وظيفة التمثيل في فراغ بل دفعتها الدولة إليها حين تعاملت مع الأقباط من خلال البطريرك وأضعفت قنوات تمثيلهم المدني. وكان انسحاب الكنيسة في بعض الأزمات يعني ترك الجماعة بلا ظهير.
هنا يظهر مأزق لا يحله اتهام المؤسسة ولا الدفاع عنها. فالكنيسة التي تمثل شعبها في مجتمع ناقص المواطنة تؤدي وظيفة حماية ضرورية لكنها تخاطر بتثبيت البنية الطائفية التي تعترض عليها. وقد تتحول من مضطرة إلى تمثيل الجماعة إلى مستفيدة من احتكار تمثيلها. والسؤال ليس هل تتكلم الكنيسة أم تصمت بل كيف تدافع عن الإنسان من غير أن تحل محله.
القراءة النفسية: الأب الحامي والعقل المنفصل
حين تتعرض جماعة زمنًا طويلًا للتهديد تنمو حاجتها إلى رمز أبوي قوي يمتص القلق ويمنحها الإحساس بالاستمرار. ويمكن وصف هذه الوظيفة بمفهوم Holding Environment — البيئة الحاضنة. وقد أدى البابا شنودة هذه الوظيفة بوضوح. شعر كثيرون أن وجوده يعني أن الكنيسة ليست متروكة وأن لها صوتًا قادرًا على حمايتها.
لكن الوظيفة الأبوية تحمل مفارقتها. فكلما اشتد اعتماد الجماعة على الأب تعثر انتقالها إلى النضج المؤسسي. ويصبح الاستقلال عقوقًا والاختلاف تمردًا والسؤال تهديدًا للأسرة. ولا يكون الخلل هنا في الأب وحده بل في علاقة متبادلة تنتج قائدًا يحتاج إلى الجماعة وجماعة تحتاج إلى قائد كلي الحضور.
وفي أزمنة القلق تستخدم الجماعات آلية Splitting — الانقسام — فتقسم المجال إلى داخل طاهر وخارج خطر وموافق أمين وناقد مريب. وليس معنى ذلك أن الأخطار الخارجية وهمية بل أن الخطر الحقيقي يُستدخل إلى بنية الجماعة حتى يصبح كل خلاف داخلي امتدادًا لعدو خارجي.
يمثل مراد وهبة الحركة النفسية المقابلة: استعادة المسافة بين الذات والمؤسسة. فالنسبية عنده ليست مبدأ معرفيًا فقط بل حماية نفسية من الذوبان في يقين الجماعة. وحين يفصل الإنسان بين الحقيقة والمؤسسة يستطيع أن ينقد المؤسسة من غير أن يشعر بأنه فقد الحقيقة.
لكن المسافة قد تنقلب اغترابًا إذا انفصل العقل عن الذاكرة والطقس والجماعة. فالإنسان لا يكتمل بذوبانه في المؤسسة ولا بتحويله إلى عقل مجرد خارج كل انتماء. وهنا يقدم ميلاد حنّا مخرجًا مدنيًا: دولة عادلة تقلل حاجة القبطي إلى الحماية الطائفية وتتيح له أن يكون عضوًا في الكنيسة من غير أن تكون الكنيسة وسيطه السياسي.
صمت غير متكافئ
لا تشير المادة المتاحة إلى عداوة كنسية معلنة بين مراد وهبة والبابا شنودة. فلا حرمان ولا إدانة مجمعية ولا حملة رسمية معروفة ضده بالاسم. كما لا تكشف عن صداقة استمرت بعد افتراق الطريقين.
إنها علاقة من الصمت غير المتكافئ. ظل البابا شنودة حاضرًا في ذاكرة مراد وهبة وتحليله بينما لا يظهر مراد وهبة حضورًا مماثلًا في خطاب البابا المنشور. الخارج من المؤسسة يظل مسكونًا بها لأنها كانت موضع تكوينه الأول أما المؤسسة فلا تحتفظ دائمًا بمن خرج منها في مركز ذاكرتها.
لكن هذه النتيجة مقيدة بحدود السجل. فعدم العثور على قول ليس دليلًا قاطعًا على عدم وجوده. وقد يكون الصمت صمت الأرشيف لا صمت الرجل. ومع ذلك يظل توزيع الكلام نفسه دالًا: تحدث وهبة عن البابا بعد رحيله بينما لم يصلنا خطاب مقابل من البابا عنه.
وحين قال وهبة إن البابا شنودة صاحب «فكر أصولي نقي» كان يطلق حكمًا تصنيفيًا على شخصية رأى فيها الخصم الأكثر اكتمالًا لمشروعه. ومن هذه الجهة يحمل الوصف اعترافًا ضمنيًا بقامة الرجل. فمراد وهبة لم يكن يحتاج إلى تصنيف الشخصيات الهامشية بوصفها نماذج فلسفية مكتملة.
غير أن نشر شهادة المقهى بعد رحيل المشهود عليه يفرض واجبًا أخلاقيًا مضاعفًا. لا يُمنع الشاهد من الكلام لأن الآخر مات لكن يجب ألا تتحول شهادته إلى سيف يعوض غياب الرد. ومن ثم ينبغي الفصل دائمًا بين ما تثبته الوثيقة وما ترجحه القرينة وما يبقى تأويلًا.
سلطان المعرفة ومعرفة السلطان
نعود إلى السؤال الذي جمعهما: كيف تكتسب المعرفة سلطانًا؟
أجاب نظير جيد من خلال مسيرته: بأن تدخل المعرفة إلى المؤسسة وأن تلبس الرتبة وأن يصير لها موضع في المجمع. وكانت النتيجة كنيسة واسعة التعليم والخدمة والمعاهد والأسقفيات والحضور. لكن هذا الجواب يحمل خطرًا ملازمًا: أن ينقلب سلطان المعرفة إلى معرفة السلطان أي أن يصبح صدق القول تابعًا لرتبة قائله وأن تتحول سلطة التعليم إلى امتياز وظيفي.
ليس المقصود أن المعرفة المؤسسية كاذبة بطبيعتها بل أن كل معرفة تُمنح سلطة إلزامية تصبح معرضة لإحلال مصدر القول محل دليله. وعندئذ لا يُسأل: ما الحجة؟ بل: من قال؟ ولا يُفحص النص بل تُفحص رتبة المفسر.
وأجاب مراد وهبة من خلال مسيرته: بألا تُرسم المعرفة وألا تسلم حريتها للمؤسسة. وكانت النتيجة فكرًا نقديًا حافظ على استقلاله لكنه بقي محدود الجسد الاجتماعي. فقد دعا عقودًا إلى ابن رشد والعلمانية في مجتمع لم يتحول فيه مشروعه إلى تيار واسع قادر على تغيير التعليم والمؤسسات.
فالمعرفة التي تدخل السلطة تخاطر بأن تصبح أداة لها والمعرفة التي ترفض كل تجسد مؤسسي تخاطر بأن تبقى بلا أثر تاريخي كاف. وهكذا أنتج كل جواب شيئًا من المرض الذي خافه صاحبه في الآخر.
الجواب الثالث: سلطان الإخلاء
لا يكفي الاختيار بين مؤسسة تحتكر المعرفة ومعرفة ترفض المؤسسة. فثمة جواب ثالث لا يلغي السلطة ولا يقدسها ولا يعزل الحقيقة عن الجسد التاريخي الذي يحملها. وهو نموذج السلطة التي تخلي ذاتها.
يقول الإنجيل عن المسيح إنه كان يعلم «كمن له سلطان» (مت ٧: ٢٩). والكلمة اليونانية ἐξουσία — exousia — تعني السلطان أو الصلاحية الحرة. لكن هذا السلطان تجلى في غسل الأرجل ورفض السيف وقبول الصليب. ولم يكن κένωσις — kenōsis — الإخلاء — إلغاء للقوة بل إعادة تعريفها بوصفها خدمة لا استحواذًا.
لا يعني الإخلاء أن تتنازل الكنيسة عن مسؤولية التعليم أو أن تتساوى الحقيقة والخطأ. معناه أن تعرف المؤسسة أنها خادمة للحقيقة وليست مالكتها وأن تخضع سلطتها للحق الذي تعلنه. فالحقيقة ليست نسبية لكن معرفتنا بها لا تستنفدها. والعقيدة ليست رأيًا شخصيًا لكن كل شرح فردي لها ليس العقيدة ذاتها. والبطريرك أب ومعلم لكنه لا يختزل الكنيسة في شخصه. والوحدة شركة وليست تطابقًا. والاختلاف ليس انشقاقًا بالضرورة.
كما لا تعني العلمانية إفقار الإنسان من المعنى الروحي بل حماية المجال العام من احتكار المقدس. ولا تعني الدولة المدنية إخراج المؤمن من السياسة بل منع المؤسسة الدينية من تحويل عقيدتها إلى سلطة قسرية على المواطنين.
إن المؤسسة التي تثق في الحقيقة لا تخاف السؤال. والتقليد الحي لا يحرس ذاته بإغلاق التاريخ بل بالعودة الدائمة إلى منبعه. والمعرفة التي تتجسد في مؤسسة من غير أن تخضع للنقد تتحول إلى أيديولوجيا. أما المعرفة التي ترفض كل تجسد فتظل أخلاقًا نبيلة بلا جسد.
خاتمة: الحصن والنافذة والصليب
خرج مراد وهبة والبابا شنودة من رحم إصلاحي قبطي واحد لكنهما اختلفا في تحديد الخطر. خشي البابا شنودة على الجماعة من الذوبان فبنى الهوية ووحّد التعليم وقوّى المؤسسة. وخشي مراد وهبة على العقل من الأصولية فدافع عن النسبية والعلمانية وابن رشد. وخشي ميلاد حنّا على المواطن من الطائفية فدافع عن الدولة المدنية والاندماج الوطني.
لم يكن أحدهم في تصوره عن نفسه يريد إلغاء الإنسان. أراد البابا شنودة إنقاذه بوصفه عضوًا في جماعة مهددة وأراد مراد وهبة إنقاذه بوصفه عقلًا معرضًا للوصاية وأراد ميلاد حنّا إنقاذه بوصفه مواطنًا معرضًا للعزل.
أصاب مراد وهبة حين رأى أن عهد البابا شنودة كان مشروعًا لإعادة تشكيل الوعي القبطي عن طريق توحيد التعليم وضبط الحدود العقائدية وتوسيع سلطة المؤسسة وربط الهوية بشخص البطريرك وخطابه. لكنه اختزل حين جمع تحت مفهوم الأصولية الإيمان بالمطلق والمحافظة العقائدية والمركزية والاستجابة التاريخية لقلق الجماعة.
وأصاب البابا شنودة حين أدرك أن المعرفة التي لا تدخل المؤسسة قد تعجز عن إصلاحها وأن الجماعة المهددة تحتاج إلى صوت وتعليم وبنية حامية. لكن مشروعه ظل معرضًا لأن يجعل من حماية المعرفة احتكارًا لها ومن وحدة الجماعة اختزالًا لتعددها ومن الأبوة إدامة لطفولتها.
كان مراد يريد نافذة في الحصن كي يتنفس العقل وكان ميلاد يريد وطنًا لا يحتاج فيه المواطن إلى الحصن أما البابا شنودة فبنى الحصن لأن الخطر كان حقيقيًا ولأن الدولة لم توفر للجماعة بيتًا مدنيًا آمنًا. لكن الحصن مهما كانت ضرورته لا يصلح أن يكون أفق الإنسان الأخير والنافذة مهما كان اتساعها لا تغنيه عن البيت.
في السابع من يناير ٢٠٢٦ رحل مراد وهبة عن تسعة وتسعين عامًا وأقيمت صلاته الجنائزية في كنيسة مار مرقس بكليوباترا في مصر الجديدة. فعاد جسده في النهاية إلى ليتورجيا الكنيسة التي قضى عمره في نقد بنيتها الفكرية. أما البابا شنودة فدُفن في دير الأنبا بيشوي فعاد إلى برية الرهبنة التي خرج منها إلى قلب المؤسسة.
ليس في هذه المفارقة حكم إلهي على أي منهما بل تذكير بأن الإنسان أوسع من مشروعه وأن الحياة ترد المفكر والمؤسسة كليهما إلى حدود لا يملكانها.
وما يزال السؤال الذي جمع الشابين على مقهى محطة مصر بحسب رواية أحدهما قائمًا:
كيف تكتسب المعرفة سلطانًا من غير أن تستحيل معرفة للسلطان؟ وكيف تمارس الكنيسة سلطان التعليم من غير أن تساوي بين أمانتها للحقيقة وامتلاكها للحقيقة؟
لا يحسم السؤالَ انتصارُ المؤسسة على الفيلسوف ولا انتصارُ الفيلسوف على المؤسسة بل حضور الصليب بينهما: سلطان يخلي ذاته ومعرفة تتجسد من غير أن تستعبد وكنيسة تحفظ الإيمان من غير أن تصادر العقل وإنسان يدخل المواطنة من غير أن يفقد ذاكرته.
الإحالات والمراجع
١. مراد وهبة «الطريق إلى الإصلاح الكنسي» جريدة وطني ١٦ أكتوبر ٢٠١٩. وهو المصدر المباشر لرواية مقهى محطة مصر. ينبغي قبل النشر الورقي النهائي البحث عن نسخة أقدم إن وُجدت وتحديد ما إذا كان النص قد نُشر في حياة البابا شنودة.
٢. لقاء مراد وهبة في برنامج «نظرة» مع حمدي رزق ٢ يناير ٢٠٢٠ وفيه وصف البابا شنودة بأنه صاحب «فكر أصولي نقي».
٣. مراد وهبة في حواره مع جريدة وطني سنة ٢٠١٤ حول تعريف الأصولية والعلمانية.
٤. مادة الموقع الرسمي للكنيسة القبطية عن زكريا إبراهيم وفيها أسماء الرعيل الأول من كتّاب مجلة «مدارس الأحد» ومنهم نظير جيد ومراد وهبة ووهيب عطالله وسليمان نسيم ووليم سليمان قلادة.
٥. في تأسيس مجلة «مدارس الأحد» وشعار تطهير الهيكل وعلاقة نظير جيد ومراد وهبة بحلقتها الأولى راجع المادة الصحفية التوثيقية عن نظير جيد.
٦. في البيانات الأكاديمية لمراد وهبة ومكان ميلاده وتخرجه سنة ١٩٤٧ راجع سيرته بمؤسسة كيميت ومؤسسة سلطان بن علي العويس.
٧. القول المنسوب إلى البابا شنودة عن أن الأساقفة العموميين كانوا «بمثابة سكرتارية للبابا بدرجة أسقف» وأن رسامتهم وتقسيم الإيبارشيات مبدآن ناجحان ورد في كتاب قراءة في حياة أبونا مينا البراموسي نقلًا عن غالي شكري الأقباط في وطن متغير. ويظل رد النص إلى أصله الأول مطلوبًا.
٨. في رسامة الأنبا صموئيل والأنبا شنودة يوم ٣٠ سبتمبر ١٩٦٢ راجع القمص صليب سوريال أحداث كنسية عشتها بنفسي ص ٥٦–٥٧ والمصادر القبطية التعريفية.
٩. في رسامة الأنبا غريغوريوس أسقفًا عامًا للبحث العلمي والدراسات العليا والثقافة القبطية يوم ١٠ مايو ١٩٦٧ راجع مجلة الكرازة ٤ أكتوبر ٢٠١٩ ص ١٦ والموقع الرسمي للكلية الإكليريكية.
١٠. إغناطيوس الأنطاكي الرسالة إلى أهل سميرنا ٨ في علاقة الأسقف بالجماعة والإفخارستيا.
١١. قانون مجمع خلقيدونية السادس في منع الرسامة بلا تعيين كنسي محدد. يرد هنا بوصفه شاهدًا تاريخيًا مقارنًا لا مرجعًا ملزمًا للكنيسة القبطية غير الخلقيدونية.
١٢. غريغوريوس النزينزي الخطبة اللاهوتية الثانية ٢٨: ٤ في تعذر الإحاطة بالله.
١٣. غريغوريوس النيصصي حياة موسى في مفهوم ἐπέκτασις — epektasis — الامتداد الدائم في معرفة الله.
١٤. أوغسطينوس العظة ١١٧: ٣: ٥ في قوله si comprehendis non est Deus.
١٥. موقف البابا شنودة من وصف الأقباط بالأقلية في مؤتمر مركز ابن خلدون سنة ١٩٩٤.
١٦. وفاة مراد وهبة في ٧ يناير ٢٠٢٦ وإقامة جنازته بكنيسة مار مرقس كليوباترا في مصر الجديدة.
١٧. الاستشهادات الكتابية بحسب ترجمة فان دايك: متى ٧: ٢٩ ويوحنا ٨: ٣٢ و٢ كورنثوس ٤: ٧ وفيلبي ٢: ٧ و١ تيموثاوس ٦: ٢٠.
١٨. المصطلحات المنهجية الواردة في الدراسة: testis unus testis nullus — شاهد واحد كلا شاهد وargumentum ex silentio — الاستدلال بالسكوت وargumentum geneticum — مغالطة النشأة وfallacia reductionis — مغالطة الاختزال وpetitio principii — المصادرة على المطلوب وcontradictio performativa — التناقض الأدائي.





