بقلم الأب يسطس الأورشليمى
تعتبر هذه الرسالة من أعذب، وأجمل الرسائل التي كتبها بُولس الرسُول، حيثُ يُوجهها إلى الكنيسة في كُل العصُور..

كتبت إلى شعب اتسم بعلاقة حُب خاصة معه، ومن أجل محبتهُم له كانُوا دائماً يمدُونه بالعطايا، لكي ينفق على رسالة الإنجيل، سواء في احتياجاته الضرُورية، واحتياجات الخدام المرافقين له..

كان في سجنه الأول في رُوما لمدة عامين، ممنُوعاً من السفر ليكرز بالإنجيل، لكنه كما يشهد أن قيُوده قد آلت بالأكثر إلى تقدم الإنجيل، ولم يكن للقيُود أن تحرمه من الشهادة للمسيح..

لقد وجد في سجنه فرصة للحديث مع الحُراس ورجال الدُولة عن الرّب، فهي فرصة بالنسبة له للكرازة، وأدرك الحُراس ذلك، وصارُوا يهتمُون بالإنجيل، ومنهُم مَن شهدُوا له بمحبته للرّب..

هكذا كلمة الله حيةٌ وفعالةٌ وأمضى من كُل سيفٍ ذي حدّين، وخارقةٌ إلى مفرق النفس والرُوح والمفاصل والمخاخ، ومُميزةُ أفكار القلب ونياته، راجع (عب12:4)، حتى تحُول قوات الشرّ للخير، والاعتراف بعظمة الله وقُدرته الفائقة، وكما سبق أن استخدم فرعُون أثناء خرُوج شعبه من أرض مصر، وهيرُودس في ميلاد الطفل يسُوع، والساخرين أثناء صلبه، وحُراس القبر عند دفنه للكشف عن عمل الله العجيب..

عمل أعداؤه بقُوة حتى يثيرُوا الإمبراطُور عليه، ولا يسمحُوا بإطلاقه من السجن، ومع ذلك كان مُتهللاً من أجل الكرازة بالمسيح..

راجع الكتاب المُقدس (في16:1-18)..

اسم فيلبي معناه: مُحب للخيل أو للحرب، وقد اُعتبرت المدينة الأولى من حيثُ الأهمية، لأنها أول مدينة يصلها المسافر على مكدُونية، ودُعيت على اسم فيليب الثاني والد الإسكندر الأكبر.. 

وبعد استيلاء الرُومان عليها صارت جزءً من مقاطعة مكدُونية، وتقع مدينة فيلبي في الشمال الشرقي لمقاطعة مكدُونية شمال اليُونان على بعد 9 أميال من بحر إيجة، بينما يُحيط بها سهل خصيب، وعلاوة على خصُوبتها تُوجد مناجم للذهب، والفضة بجُوارها..

البشارة في مدينة فيلبي..
نحُو عام 50 م، ظهرت لبُولس رُؤيا في الليل رجل مقدُوني قائم يطلب إليه: أعبر إلى مكدُونية وأعنا (أع9:16)، فللوقت طلب أن يخرج إليها ومعه سيلا ولُوقا وتيمُوثاوس، وذهب إلى فيلبي التي هي أول مدينة في المقاطعة، كان بُولس يهُودياً بينما أهل فليبي أمميين، كان هُو فخُوراً بأصله اليهُودي ويجيد اليونانية، وهُم فخُورين بأنهُم رُومانيُون ويتحدثُون اللاتينية واليُونانية، ويعيشُون في رجاسات الوثنية..

زار بُولس فيلبي في رحلته الكرازية الثانية، حيثُ أسس فيها أول كنيسة في أوربا، وهُناك تحدث عن الخلاص، وسمعت إحدى النساء وتُدعى ليديا يهُودية غنية بائعة الأرجُوان، فآمنت واعتمدت هي وأهل بيتها، وصارت أول مسيحية، وفيلبي أول مدينة في أوربا تُؤمن بالمسيحية.. 

راجع الكتاب (أع16:16-40؛ 1:20)..

سمات الكنيسة التي في فيلبي..
صغر الجالية اليهُودية، فكانت أقل تعصباً من مدُن أخرى، كما أنها لها مكانة في قلبه، لأنه ذهب لها بمُوجب رُؤيا سماوية..

تميز شعبها بمحبته لبُولس، وأرسلُوا المعُونات له أكثر من مرة، وكانت الكنيسة متألمة، لأن اليهُود يعيرُونهُم بأنهُم يعبدُون إنساناً حكُم عليه بالموت، وهذه الكنيسة تُمثل البيت الذي يستريح فيه..

تاريخ وغاية الرسالة..
عُرفت هذه الرسالة مع رسالة أفسس وكُولُوسي وفليمُون برسائل الأسر لأنه كتبها الرسُول بُولس أثناء سجنه في رُوما (61- 63م)، هذه الرسالة هي آخر رسالة في الأسر، حيثُ بعثها مع أبفرُودتس..

هدف الرسالة كما يعلنه الوحي هُو: مساندة الله لأولاده إزاء شدائد العالم وترينا صُورة المُؤمن المُتألم وهُو فرح في الرّب كُل حين، توضح لنا أن العالم لا يقدر أن يُحرمنا من التعزية والتسلية في المسيح، واختبار الانتصار الرُوحي على جميع الظرُوف السيئة..
الرسالة دعُوة إلى الفرح في جميع المناسبات، والشركة في البشارة بالإنجيل في نعمة وآلام المسيح..

راجع (في5:1؛ 1:2؛ 10:3؛ 14:4)..

كتب بُولس يشكرهُم على العطاء الذي قدمُوه، ويظهر امتنانه لهُم، ولكي ينصحهُم ويرشدهُم ويحذرهُم من المعلمين الكذبة..
اشتهاؤنا هُو أن نرحل ونكُون مع المسيح، فهذا أفضل جداً..

ملامح الرسالة إلى أهل فيلبي..
الفرح هُو سمة هذه الرسالة حيثُ الشركة في الرّب (في1:4)..
الفرح هُو السمة الرئيسية للعلاقة بين الرسُول والمجتمع الكنسي..
الفرح يُعين المُؤمنين لاحتمال الألم، ومواجهة احتمال الاستشهاد..
إننا نُمارس الحياة المُفرحة على الأرض، مادام المسيح هُو حياتنا والمُوت هُو ربح ومكسب، إذ نراه وجهاً لوجه عند رحيلنا..

إننا نُجاهد نحُو الهدف لننال الجعالة لدعُوة الله العليا في المسيح يسُوع لأن موطننا في السماء، ومع هذا فلم يفكر في نوال المكافأة بعد المُوت، إنما كان يشغله هُو انتشار الإنجيل في العالم..

ننتظر يسُوع الذي سيُغير أجسادنا الضعيفة إلى شكل جسده الممجد..

يحسب فرح شعبه وأكاليله فرحه هُو وإكليله، ويُمارس الخادم الصالح حياة الشركة مع مخدُوميه، فيتمخض حتى يتشكل المسيح فيهُم، دعُوته دعُوة للفرح، افرحُوا في الرّب في كُل حين، وأقول أيضاً افرحُوا.. 

راجع الكتاب (غل19:4؛ في8:3؛ 4:4)..

التعاون بين النعمة الإلهية وإرادة الإنسان، والجهاد بلا انقطاع، كما صار  مصدر فرح للمُتألمين، وعاش يشفع في الآخرين، حتى في السجن كان يُصلّي عن أصدقائه، كما يُشير إلى أهمية حياة التسليم، وتقديس العُواطف، فيقُول: كيف أشتاق إلى جميعكُم في أحشاء يسُوع..
راجع الكتاب (في8:1؛ 21:2؛ 14:3؛ 9:4).

السيد المسيح هُو كُل شيء في حياتنا وعلاقتنا:
في رسالة أهل رُومية نُدرك أن المسيح برّنــا..
وفي كُورنثُوس الأولى المسيح غنـــــــــــــــــــــــانا.. 
وفي كُورنثُوس الثانية المسيح راحـــــــــــــــــــــــتنا.. 
وفي رسالة غلاطية المسيح محـــــــــــــــــــــــرّرنا.. 
وفي أفسس المسيح حيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاتنا.. 
وفي فيلبي المسيح ســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــعادتنا.. 
وفي رسالتي تسالونيكي المسيح قادم لمجدنا.. 
وفي رسالة تيطس المسيح مُعلمــــــــنا ومثالنا..  
وفي رسالة فليمون المسيح مثال لنــــــــا كسيد.. 
وفي رسالة العبرانيين المسيح شفيعنا الكفاري.. 

أما في رسالة كُولُوسي فالمسيح هُو كُل شيء لنا، وأنتُم مملوُؤن فيه، الذي هُو رأس كُل رياسة وسُلطان، فهو رأس الكنيسة، هُو النور الذي ينقذنا من سُلطان الظُلمة، ونقلنا إلى ملكُوت ابن محبته، لنصير نحنُ أنفُسنا به نُور العالم (يو12:8؛ كو12:1)..

هُو المُخلّص الذي يُخلصنا من سُلطان إبليس وجنُوده وكُل أثاره، والذي لنا فيه الفداء، بدمه غفران الخطايا (كو14:1)، ينقلنا إلى ملكُوته، أي مملكة ابن محّبة الآب، فبالمعمُودية باسمه نتمتع بالبنُوة للآب، ونُحسب أولاد الله المحبُوبين لديه، راجع (رو16:8)..