بقلم الأب يسطس الأورشليمى
صُورة المسيح الراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن الخراف، ويشتهي أن يمُوت لخلاص إخوته..

عمل الراعي الناجح يتمركز في تسليم وديعة الإيمان حّية وعملية خلال خدمته، فتتسلم الأجيال منه رُوح الإيمان المُستقيم مترجماً في عبادة مُلتهبة وسلوك عملي، وها هُو يشُوع في نهاية حياته يدعُو جميع إسرائيل وشيُوخه ورُؤساءه ليسلمهُم وصايا وداعية، جاءت مُطابقة لإيمانه وعبادته وسلوكه العملي، حقاً إن رسالة الكنيسة هي: الحفاظ على وديعة الإيمان لتسليمه عبر الأجيال فكراً، وعبادة، وسلوكاً في الرّب..

ما أجمل أن ينسى الراعي نفسه حتى في اللحظات الأخيرة من عمره، فيشُوع لم يذكّرهُم بأمانته في رعايتهُم، ولا احتماله أتعابهُم، ولا سهره عليهُم، لكنه يُركز أنظارهُم في الله وحده الصانع معهُم العجائب، المُحارب والمدافع عنهُم، والمُهتم بتقديم الميراث لهم..

حين يلتهب قلب الراعي بخلاص إخوته، مُشتاقاً أن يراهم في المجد الأبدي أعظم منه، لا يتحدث عن نفسه بل عن عمل الله الخلاصي، ليلهب كُل قلب بمحّبة الله، وينطلق بكُل نفس نحو السماويات، حيثُ تشتاق أن تنال نصيبها في الميراث الأبدي السماوي..

كانت كلمات الرّب ليشُوع عند استلامه القيادة الرُوحية: تشدّد وتشّجع، وبقيت هذه الكلمات تدوي في أذنيه وتعمل في قلبه، يُردّدها على لسانه ويحفظها في فكره ويحتضنها في قلبه بكُونها الكنز الذي يحرص عليه، وها هُو في لحظات خرُوجه من العالم لا يجد أثمن من تقديم الوديعة التي تسلّمها كما هي، يُقدمها بلسانه كما قدمها لهُم خلال حياته فيقُول: "تشدّدُوا جداً لتحفظُوا وتعملُوا كُل المكتُوب في سفر شريعة مُوسى حتى لا تحيدُوا عنها يميناً أو شمالاً "(يش6:23)..

إن جوهر التسليم المُقدس: أن نُقدم للجيل القادم كلمة الله بلا انحراف، كما تسلّمناها وعشناها، وكما تسلّمتها الأجيال وعاشتها بطريقة حيّة، وها هُو يشُوع يُقدم ما تسلمه من مُوسى سفر الشريعة، لتبعث فيهُم رُوح الرجاء والقُوة، هذا وأن التقليد الذي نتسلّمه ونُسلّمه ليس شيئاً جديداً بجانب الإنجيل، إنما في جوهره هُو الإنجيل مُعلناً في الكتاب الذي تسلمناه، وفي الحياة التعبدية التي نُمارسها، وفي السلوك ومعاملاتنا مع الآخرين..

لا يقف عمل التقليد الكنسي عند تسليم الكتاب المُقدس، مُنعزلاً عن الحياة الكنسية التي تشهد للإنجيل، وإنما يليق تقديمه ككتاب مُوحى به من الرُوح، حيّ وفعّال مُعلناً في حياة الكنيسة خاصة في رُوحها المملوء رجاءً، هذا ما نلمسه من كلمات يشُوع بن نُون الوداعية قائلاً: "قد طرد الرّب من أمامكُم شعُوباً عظيمةً وقويةً، وأما أنتُم فلم يقف أحدٌ قُدامكُم إلى هذا اليوم، رجلٌ واحدٌ منكُم يطرد ألفاً، لأن الرّب إلهكُم هُو المُحارب عنكُم كما كلّمكُم..." راجع (يش9:23)..

إن كانت الحياة في جوهرها سلسلة معارك يتمتع خلالها المُؤمن بالنُصرة الدائمة، فيليق في جهاده أن يكُون حكيماً لا مُندفعاً، بل يعرف أن يُميز في المعركة ما هُو للبنيان وما هُو للهدم، قد يظن الإنسان في نفسه أنه قُوي، فيستعرض عضلاته، ولا يُدرك أن الامتناع عن قطع الأشجار والحفاظ عليها يتطلب قُوة أعظم، فالهدم أسهل من البناء، ولنتطلع إلى الرّب الذي يحرُص أن يجمع الكِسر حتى لا يفقدها المجتمع..

حقاً إن محّبة المسيح والوعُود الإلهية المُمتزجة معاً مع توبيخاته يجب أن تكُون موضع انشغال كُل أحدٍ، الآن يعيش الخطاة في الحياة السهلة، لكن كارثتهُم قادمة، الله مُستعد أن يستمع إلى صلواتهُم، لكنهُم فيما بعد يصرخُون باطلاً، فهل لازلنا نحتقر الحكمة الإلهية؟!

إن كان الله مُحب للخطاة، إنما لأجل توبتهُم وتقديسهُم ومجدهُم برجُوعهُم إليه، لهذا فهُو يرفض أن ينصت إلى الخطاة المُصرّين على عدم التوبة، كما فعل مع إسرائيل، إنهُم يُبكرُون إليه لا ليتمتعُوا به، بل لنوال بركات زمنية دُون التمتع به لذلك لن يجدُوه، لأن مَن يجد الحكمة يجد الحياة والبركة، برفضه صلواتهُم يحثهُم على العُودة إليه، فيجدُوا فيه: قيامتهُم من الموت، ومجدهُم الأبدي، وفرحهُم الدائم، وشبعهُم الداخلي..