بقلم / هاني صبري - الخبير القانوني والمحامي بالنقض
لا تُقاس خطورة الأحداث بعددها فحسب، وإنما بما تكشف عنه من مؤشرات تستوجب الانتباه والتدخل قبل أن تتحول إلى ظاهرة تمس استقرار المجتمع.
ومن هذا المنطلق، فإن تكرار وقائع الاعتداء على عدد من الكهنة والمواطنين الأقباط خلال فترة زمنية وجيزة وفي محافظات مختلفة، يفرض قراءة قانونية ووطنية تتجاوز حدود كل واقعة على حدة، باعتبار أن الدولة الدستورية لا تنظر إلى الوقائع بمعزل عن آثارها على السلم العام والأمن المجتمعي.
ففي غضون أيام قليلة، شهدت البلاد ثلاث وقائع متتابعة؛ الأولى تمثلت في الاعتداء على عدد من الأقباط بقرية التل القبلية بمحافظة المنيا وتحطيم سيارة الكاهن بافلوس كمال أثناء إقامة أحد القداسات، والثانية تمثلت في الاعتداء على القمص أنطونيوس زاهر، كاهن كنيسة السيدة العذراء بمدينة السلام، وحدثت الواقعة بمنشية التحرير بمنطقة عين شمس - القاهرة وما صاحبها من تعدٍ على شخصه وإتلاف سيارته، بينما وقعت الثالثة بمدينة شرم الشيخ، حيث تعرض القمص متى رشدي هابيل ونجله لاعتداء أسفر عن إصابتهما ونقلهما إلى المستشفى لتلقي العلاج .
وسواء اختلفت الملابسات أو الدوافع الخاصة بكل واقعة، فإن القاسم المشترك بينها هو وقوع اعتداءات تمس سلامة المواطنين، وتثير القلق بشأن ضرورة الحسم القانوني السريع في مواجهة كل صور العنف والخروج على القانون، دون تفرقة أو تهاون.
إن الدستور المصري أقام بنيانه على مبدأ المواطنة وسيادة القانون. فقد نصت المادة (4) على أن السيادة للشعب وحده وهو مصدر السلطات، ويمارسها ويحميها، ويصون وحدته الوطنية، كما أكدت المادة (53) أن المواطنين لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، ولا تمييز بينهم بسبب الدين أو العقيدة أو لأي سبب آخر، وأوجبت على الدولة اتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على جميع صور التمييز، وإنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض.
كما كفل الدستور في المادة (64) حرية الاعتقاد وحرية ممارسة الشعائر الدينية، وألقى على الدولة التزامًا أصيلًا بحماية دور العبادة وتأمين ممارستها في إطار من الأمن والاستقرار، بينما نصت المادة (59) على أن الحياة الآمنة حق لكل إنسان، وتلتزم الدولة بتوفير الأمن والطمأنينة لمواطنيها ولكل مقيم على أراضيها.
ومن المبادئ المستقرة في قضاء المحكمة الدستورية العليا أن مبدأ المساواة ليس مبدأً شكليًا، وإنما هو ضمانة دستورية جوهرية تكفل الحماية القانونية المتكافئة لجميع المواطنين دون تمييز، وأن الدولة القانونية هي التي يخضع فيها الجميع، حكامًا ومحكومين، لسيادة القانون باعتباره أساس الشرعية وحماية الحقوق والحريات. كما استقر قضاؤها على أن الحق في الأمن يمثل أحد المقومات الأساسية اللازمة لممارسة الحقوق والحريات العامة ممارسة فعلية، وليس مجرد ضمان نظري.
ومن ثم، فإن أي اعتداء يقع على مواطن بسبب انتمائه الديني، أو على رجل دين أثناء أداء رسالته، لا يقتصر أثره على المجني عليه وحده، وإنما يمتد إلى المجتمع بأسره، لأنه يمس أحد أهم مرتكزات الدولة الحديثة، وهو شعور المواطنين بأن القانون يحمي الجميع على قدم المساواة.
وليس المقصود من ذلك إضفاء وصف معين على الوقائع قبل انتهاء التحقيقات، فهذه مهمة جهات التحقيق وحدها، وإنما المقصود هو التأكيد على أن تكرار مثل هذه الاعتداءات يستوجب سرعة كشف الحقيقة، ومحاسبة كل من يثبت ارتكابه أو اشتراكه أو تحريضه على أي فعل مؤثم قانونًا، تطبيقًا لأحكام قانون العقوبات، وترسيخًا لمبدأ عدم الإفلات من العقاب.
إن التجارب كافة تؤكد أن هيبة الدولة لا تتحقق بكثرة النصوص القانونية، وإنما بحسن إنفاذها وعدالة تطبيقها. فحين يشعر المواطن أن القانون يطبق على الجميع بلا استثناء، تتعزز الثقة في مؤسسات الدولة، وتترسخ قيم المواطنة، ويتحصن المجتمع ضد دعاوى الفتنة والانقسام.
ومن هنا، فإن سرعة تحرك النيابة العامة، بوصفها الأمينة على الدعوى الجنائية والمختصة بتحريكها ومباشرتها، لإجراء تحقيقات عاجلة وشاملة، وإحالة كل من يثبت تورطه إلى المحاكمة الجنائية، يمثل التطبيق العملي لمبدأ سيادة القانون، وتحقيقًا للردع العام والخاص، وحمايةً للأمن المجتمعي.
كما أن اللجنة العليا لمواجهة الأحداث الطائفية، المنشأة بقرار رئيس الجمهورية رقم 602 لسنة 2018، يقع على عاتقها دور بالغ الأهمية في اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة، ورصد أسباب التوتر المجتمعي، ووضع الحلول الكفيلة بمنع تكرار مثل هذه الوقائع، حفاظًا على وحدة النسيج الوطني وصونًا للاستقرار الداخلي.
وفي السياق ذاته، يبقى من الضروري استكمال الاستحقاقات الدستورية، وفي مقدمتها الإسراع بإنشاء مفوضية القضاء على التمييز المنصوص عليها في المادة (53) من الدستور، باعتبارها إحدى الضمانات المؤسسية لترسيخ المساواة، ومكافحة جميع صور التمييز، وتعزيز ثقافة المواطنة وسيادة القانون.





