أثناسيوس سرجيوس
مكرم عبيد ونموذج الزعامة عند البابا شنودة الثالث: قراءةٌ نفسيّةٌ تاريخيّةٌ في انتقال وظيفة الحزب إلى داخل الكنيسة.
«فَلاَ يَكُونُ هكَذَا فِيكُمْ» (متّى ٢٠: ٢٦)
 
مدخل: خطر التفسير السهل
ليس أخطرَ على الدرس التاريخيّ من إغراء التفسير السهل. وأسهلُ ما يُغري به تاريخُ الأقباط في القرن العشرين أن يُردَّ صعودُ «البطريرك السياسيّ» إلى نزوعٍ فرديٍّ نحو السلطان، أو إلى مقايضةٍ صامتةٍ بين كنيسةٍ ودولةٍ اقتسمتا جماعةً واحدة. وكلا التفسيرين يُريح الباحثَ ولا يزيده فهمًا؛ لأنّ الظواهر الكبرى في حياة الجماعات لا تصدر عن علّةٍ مفردة، بل عن تضافُر عللٍ متفاوتة المراتب: تكوينٍ نفسيٍّ مبكِّرٍ في شخص القائد، وانسدادٍ في المجال السياسيّ صنعته الدولة، وبنيةٍ مِلّيّةٍ قديمةٍ ظلّت كامنةً في المؤسّسة، وحاجةِ جماعةٍ خائفةٍ إلى مَن يحميها.
 
أطروحة الدراسة
ولا تفترض هذه الدراسة أنّ البابا شنودة استنسخ مكرم عبيد، ولا أنّه نقل عنه مشروعًا. وإنّما تقترح أنّ نموذج الزعامة الذي عرفه نظير جيّد في شبابه أسهم، مع تلك العوامل الأخرى، في تشكيل صورةٍ حديثةٍ للبطريرك تجمع بين الراعي والزعيم والمفاوِض السياسيّ. فما انتقل من مكرم لم يكن مشروع المواطنة — بل خالفه البابا في جوهره — وإنّما بعضُ أدوات القيادة؛ وما أُعيد إنتاجه في الكنيسة لم يكن الحزبَ تنظيمًا، بل الحزبَ وظيفةً اجتماعيّة. وهذه أطروحةٌ نزعم أنّ المادّة تحتملها، ولا نزعم أنّها تُثبتها إثباتًا.
 
مزالق التحليل النفسي في التاريخ
على أنّ الاشتغال بالتحليل النفسيّ في التاريخ محفوفٌ بمزالقَ ينبغي أن تُسمَّى قبل السير فيه. فالمحلِّل لا يحلّل غائبًا، ولا يفتح لاوعيًا لا يجلس صاحبُه أمامه؛ وكلُّ ما يملكه الباحث في هذا الباب أثرٌ لا اعتراف، وقرينةٌ لا وثيقة. وفي دراسة فرويد عن ليوناردو، وفي دراسته المشتركة مع وليام بوليت عن ولسون، شاهدٌ على أنّ إسقاط الجهاز التحليليّ على الشخصيّات التاريخيّة قد ينقلب إلى روايةٍ مُحكمةِ البناء ضعيفةِ السند. ولذلك نصطنع هنا تمييز ياسبرز بين الفهم ⁦(Verstehen)⁩ والتفسير ⁦(Erklären)⁩: نطلب أن نفهم كيف تترابط المعاني في سيرةٍ وفي مؤسّسة، لا أن ندّعي أنّنا نُفسِّر بعلّةٍ ضروريّة. ونتوقّى معها مغالطةَ الأصل ⁦(fallacia genetica)⁩؛ فليس ردُّ نموذج الزعامة إلى تماهٍ مبكِّرٍ إبطالًا لذلك النموذج ولا تصحيحًا له، إنّما هو كشفٌ عن نَسَبه. والنسبُ لا يُغني عن الحكم، لكنّه شرطٌ لفهمه.
 
الطبقة الموثَّقة من الحكاية
فأمّا الطبقةُ الموثَّقة من الحكاية فقليلةٌ إذا قيست بما يُبنى عليها، وحقُّ العلم أن يُقال ذلك صراحةً. تُجمِع رواياتٌ صحفيّةٌ وكنسيّةٌ متأخّرةٌ على صلة نظير جيّد الشابّ بمحيط «الكتلة الوفديّة» التي تشكّلت حول مكرم عبيد بعد انشقاقه عن الوفد سنة ١٩٤٢، وعلى إلقائه شعرًا سياسيًّا مناصرًا لمكرم، حتى شاع تلقيبُه بـ«شاعر الكتلة». غير أنّ ما وراء هذه الواقعة الدنيا يظلّ محتاجًا إلى سندٍ أوّليّ: مَن أطلق اللقبَ أوّلَ مرّة، أمكرمٌ نفسُه أم شاع بين أنصاره؛ وأين نُشرت القصائد، وفي أيّ الصحف، وفي أيّ التواريخ؛ وما مبلغُ الصحّة فيما يُروى من أنّه كان يحفظ خُطب مكرم ومرافعاته، وفيما يُنقل عن معاصريه من ربط نزوعه إلى الشعر والخطابة بتأثيره. وهذه مسائل لا تُحسَم إلّا بمراجعة صحف الأربعينيّات وشهادات المعاصرين مراجعةً منهجيّة. ولا يضيرنا الاعترافُ بذلك، بل يُحصّننا؛ فإنّ الأطروحة لا تقوم على تفاصيل اللقب، بل على واقعةٍ لا خلاف عليها: أنّ الرجل خبر المجال العامّ قبل أن يبلغ موقعَ التعليم الكنسيّ، فعرف فيه أثرَ المنبر والصحافة والكلمة في تكوين الجماعة.
 
المنقول: شكل الزعامة لا مضمونها
ولم يكن المنقولُ أفكارًا؛ فإنّ أفكار مكرم عبيد في المواطنة والاندماج الوطنيّ لم تصر مذهبًا للبابا شنودة، بل صار بعضُها في زمنه موضعَ رِيبةٍ عمليّة. وإنّما كان المنقولُ شكلًا، وهذا هو مفصل الدراسة كلّها. فمورفولوجيا الزعامة — لا مضمونُها — هي التي انتقلت: هيئةُ الخطيب الذي يصوغ وعي الجمهور بالكلمة؛ والمنبرُ الدوريّ الذي يجمع الناس في موعدٍ ثابتٍ حتى يصير الاجتماعُ نفسُه طقسًا للانتماء؛ والصحيفةُ أداةً لبناء الرأي العامّ وتوحيد الاتّجاه؛ وتكوينُ قاعدةٍ وجدانيّةٍ تتّصل بشخص القائد أكثر ممّا تتّصل ببرنامجٍ مؤسّسيٍّ مكتوب؛ وتحويلُ المظلوميّة من ألمٍ ساكنٍ إلى طاقةٍ متحرّكة؛ والتحدّثُ باسم جماعةٍ واسعةٍ والتفاوضُ نيابةً عنها؛ والجمعُ بين الرمز الثقافيّ والقائد التنظيميّ في شخصٍ واحد. وهذه أدواتٌ لا تُورَث في كتاب، ولا تُنقَل بقرار.
 
التماهي ومثال الأنا
والتماهي ⁦(Identifizierung)⁩ في اصطلاح التحليل النفسيّ ليس محاكاةً ولا تقليدًا واعيًا؛ إنّه أقدمُ من ذلك وأعمق: هو الشكل الأوّل الذي ترتبط به النفسُ بموضوعها، أن تصير إيّاه لا أن تملكه. والفتى الذي ينظم الشعر في مناصرة زعيمٍ وينتسب إلى جماعته لا يستعير منه أسلوبًا في القول فحسب، بل يُقيم صورةً منه في ذلك الموضع من الجهاز النفسيّ الذي سمّاه فرويد «مِثالَ الأنا» ⁦(Ichideal)⁩؛ وهو الموضع الذي منه تُستمدّ المقاييس، وعليه تُقاس الذاتُ نفسُها. ولمّا كانت الصورةُ المُستدخَلة صورةَ فصاحةٍ ونزاهةٍ وشجاعةٍ وحضورٍ جماهيريّ، لزم أن يبقى الطموحُ إلى تحقّقها قائمًا مهما تبدّلت الميادين؛ فالمِثالُ لا يعرف الميدان، إنّما يعرف الصورة. ونقول هذا فرضيّةَ فهمٍ لا تشخيصًا؛ فليس للمؤرّخ على النفوس سلطانُ التشخيص.
 
نموذج فرويد في علم نفس الجماهير
ويقدّم فرويد في «علم نفس الجماهير وتحليل الأنا» ⁦(Massenpsychologie und Ich-Analyse, 1921)⁩ نموذجًا يُعين على الفهم، لا وصفًا مُثبَتًا للواقع. فقد اتّخذ الكنيسةَ والجيشَ مثالين للجماعات المصنوعة، ورأى أنّ ما يُمسك الجماعةَ ليس عقدًا ولا مصلحة، بل رباطٌ مزدوج: أن يضع أفرادُها موضوعًا واحدًا بعينه في موضع مِثالهم الأنويّ، فيتماهى بعضُهم ببعضٍ من طريقه. ويتيح هذا النموذجُ أن نفهم كيف تصنع مركزيّةُ القائد رابطةً أفقيّةً بين أتباعه؛ لا لأنّهم متطابقون، بل لأنّهم يشتركون في وضع الموضوع نفسه في مقام المِثال. غير أنّ فرويد، وهو يصف الكنيسة، إنّما افترض أنّ الموضوع القائم في ذلك المقام هو المسيح. وهاهنا يولد السؤال اللاهوتيّ الذي تدور عليه هذه الدراسة كلُّها: ماذا يحدث حين يزحف على ذلك المقام مَن ليس له فيه إلّا أن يدلّ عليه؟
 
الإزاحة المؤسّسية
ويمكن، على سبيل الاستعارة التحليليّة لا على سبيل التوصيف السريريّ، أن يُسمّى ما تلا ذلك إزاحةً مؤسّسيّة. فالإزاحة ⁦(Verschiebung)⁩ في أصلها انتقالُ شحنةٍ وجدانيّةٍ من تمثيلٍ نفسيٍّ إلى آخر وفق روابطَ لا واعية، وليس في سيرة الرجل ما يُثبت ذلك على الوجه السريريّ، ولا يجوز لنا أن نستعير سلطانَ العيادة لتقوية حجّةٍ تاريخيّة. لكنّ البنية المنقولة تُغري بالاستعارة إغراءً شديدًا: فقد وجدت خبرةُ المنبر والصحافة والتعبئة، بعد أن انسدّ أمامها المجالُ الحزبيّ، مجالًا بديلًا داخل الكنيسة. وبهذا صار الاجتماعُ الكنسيّ الجماهيريّ نظيرًا وظيفيًّا للاجتماع الحزبيّ، والمجلّةُ الكنسيّة نظيرًا للصحيفة الحزبيّة، والعظةُ التعليميّةُ التي يُعدّ جمهورُها بالألوف نظيرًا للخطبة السياسيّة، والخادمُ المُعَدُّ في مدارس الأحد نظيرًا للكادر، والجماعةُ الملتفّة حول البطريرك نظيرًا للقاعدة الانتخابيّة. والنظيرُ الوظيفيّ ليس هو الأصل، لكنّه يؤدّي عملَه.
 
إعادة التمثيل البنيوي
ولا يصحّ أن نسمّي هذا تكرارًا بالمعنى الفرويديّ الصارم؛ فقهرُ التكرار مشدودٌ إلى خبرةٍ صراعيّةٍ يتعذّر تمثيلُها فتُعاد بلا وعي، وليس هذا شأنَنا هنا. والأدقّ أن نسمّيه إعادةَ تمثيلٍ بنيويّ: أن تُترجَم بنيةُ نموذجٍ أوّلَ إلى مؤسّسةٍ أخرى وسياقٍ آخر، فتبدو للناظر جديدةً وهي في عمقها منقولة. فلم يتكرّر مضمونُ مشروع مكرم — بل انقلب — وإنّما أُعيد تمثيلُ بعضٍ من بنيته القياديّة في مؤسّسةٍ لم تكن معدّةً لها.
 
فرضية الأفق المفقود
وثمّة فرضيّةٌ أبعدُ من هذه، أعرضها بوصفها سؤالًا مفتوحًا لا نتيجةً مقرّرة. ذلك أنّ الجماعة القبطيّة فقدت في منتصف القرن وعدًا لا شخصًا: ذلك الأفقَ الذي كان مكرم عبيد أبلغَ تجسيداته، حين كان القبطيّ يُنتخَب بأصوات المسلمين ويتكلّم باسم الأمّة لا باسم الطائفة؛ وهو الأفق الذي تلخّصه العبارةُ المنسوبة إليه على نطاقٍ واسع: مسيحيٌّ دينًا، مسلمٌ وطنًا. ثمّ انطفأ ذلك الأفق أسرعَ ممّا أضاء: أُقصي مكرم عن الوزارة والوفد سنة ١٩٤٢، ثمّ أصدر «كتابه الأسود» سنة ١٩٤٣ فاعتُقل، ثمّ أُفرج عنه بعد سقوط حكومة الوفد سنة ١٩٤٤ وعاد إلى الوزارة، لكنّ كتلته لم تبلغ قطُّ ما بلغه الوفد من حضورٍ جماهيريّ. ثمّ جاءت سنة ١٩٥٣ فطوت التجربة الحزبيّة كلَّها.
 
الحداد التاريخي غير المكتمل
ويمكن الحديث هنا عن حدادٍ تاريخيٍّ غير مكتمل على انحسار أفق المواطنة الليبراليّة: حدادٍ لم يُفضِ إلى التخلّي عن النموذج، بل إلى إعادة توظيف بعض عناصره داخل المجال الكنسيّ. ولا أذهب إلى تسمية ذلك كآبةً بالمعنى الفرويديّ الصارم؛ فالكآبة ⁦(Melancholie)⁩ عنده لا تكتفي بالعجز عن التخلّي عن الموضوع المفقود، بل تقتضي أن يقع ظلُّ الموضوع على الأنا، وأن ينقلب العدوانُ إلى الداخل، وأن يظهر التبخيسُ واللومُ وافتقارُ الأنا. وهذه علاماتٌ لم نُقم عليها الدليل في خطاب الجماعة، ولا يجوز أن تُفترَض افتراضًا. ومَن أراد أن يمضي بالفرضيّة إلى غايتها فسبيلُه أن يفتّش عن تلك العلامات في نصوصها: في أدب الوعظ، وفي أدبيّات الشتات، وفي خطاب المظلوميّة. فإن وجدها فقد بلغ ما هو أعمق ممّا بلغناه، وإن لم يجدها فقد نفعنا بالنفي.
 
مفارقة التلميذ والزمن
وأيًّا كان مصيرُ تلك الفرضيّة، فالمفارقةُ ثابتة: وَرِثَ التلميذُ الصورةَ في اللحظة عينها التي أثبت فيها التاريخُ استحالةَ أصلها. فلم يبقَ أمام الصورة إلّا أن تتحقّق في مسرحٍ آخر، ولم يبقَ من مسرحٍ قادرٍ على احتواء تلك الطاقة، باتّساع الكنيسة وحصانتها، إلّا الكنيسةُ نفسها.
 
تضافر العلل: فرط التحديد
على أنّ من الظلم — وهو ظلمٌ للعلم قبل أن يكون ظلمًا للرجل — أن يُحمَّل هذا التحوّلُ على تكوينٍ نفسيٍّ وحده. فالظاهرة مفرطةُ التحدّد ⁦(Überdeterminierung)⁩: لها من الأسباب ما يكفي كلٌّ منها لتفسير طرفٍ منها، ولا يكفي أيٌّ منها لتفسيرها كلّها. فقد أُعلن حلُّ الأحزاب في السادس عشر من يناير سنة ١٩٥٣، ثمّ قُنِّن الحلُّ بعد يومين بالمرسوم بقانون رقم ٣٧ لسنة ١٩٥٣، فحُظر النشاطُ الحزبيّ وتصحّر المجالُ المدنيّ، وانحسر التمثيلُ القبطيّ عن الحياة السياسيّة حتى غدت الكنيسةُ أوسعَ المجالات التي يستطيع الأقباط أن يجتمعوا فيها، وأكثرَها حصانةً واستمرارًا. ثمّ تصاعد الخطاب الدينيّ في الفضاء العامّ حتى بلغ الدستورَ نفسه سنة ١٩٨٠، حين صارت مبادئُ الشريعة الإسلاميّة «المصدرَ الرئيسيّ» للتشريع بعد أن كانت «مصدرًا رئيسيًّا». واندلع العنفُ الطائفيّ من الخانكة سنة ١٩٧٢ إلى الزاوية الحمراء سنة ١٩٨١. ونزعت الدولةُ إلى أن تتعامل مع الجماعات لا مع المواطنين، ومع رؤوس الجماعات لا مع الجماعات؛ وهو نزوعٌ يُريح الحاكمَ لأنّه يختصر التفاوضَ في رجلٍ واحد.
 
ملء الفراغ السياسي
فلم يصنع البابا شنودة الفراغَ السياسيّ، لكنّه كان الأقدرَ على ملئه؛ ولم يخترع حاجةَ الأقباط إلى مَن يحميهم، لكنّه نظّم هذه الحاجة وأعطاها بنيةً ولسانًا. ومن الإسراف في التبسيط أن يُقال إنّه «اختطف» الأقباط؛ والأصحّ أن يُقال إنّ الدولة انسحبت من وظيفة المواطنة، فتقدّمت الكنيسةُ لتؤدّي وظيفة الحماية، ثمّ استحالت الحمايةُ مع الزمن تمثيلًا، واستحال التمثيلُ نوعًا من الوصاية.
 
القالب الجاهز: بنية المِلّة القديمة
ثمّ إنّ هذا الانتقال لم يكن في حاجةٍ إلى أن يبتكر لنفسه قالبًا؛ فقد وجد القالبَ جاهزًا في ذاكرة المؤسّسة. ذلك أنّ بطريرك الإسكندريّة لم يكن، عبر القرون الوسيطة والعثمانيّة، راعيًا روحيًّا فحسب، بل كان رأسَ المِلّة: المسؤولَ أمام السلطان عن جماعته، والحاكمَ في أحوالها الشخصيّة، والوسيطَ شبه الوحيد بينها وبين الدولة. وقد نشأ المجلسُ الملّيّ في القرن التاسع عشر ليكون أحدَ الأثقال المدنيّة الموازِنة داخل هذه البنية، وليتيح للعلمانيّ القبطيّ نصيبًا مؤسّسيًّا في إدارة الشؤون الاجتماعيّة والماليّة للطائفة. غير أنّ دولة ما بعد يوليو أسهمت، بقوانينها وإعادةِ تنظيمها للمجال العامّ، في تفكيك ذلك التوازن: فألغى القانونُ رقم ٤٦٢ لسنة ١٩٥٥ المحاكمَ الشرعيّةَ والمحاكمَ الملّيّةَ ونقل اختصاصاتها القضائيّة إلى المحاكم الوطنيّة؛ ثمّ أنشأ القانونُ رقم ٢٦٤ لسنة ١٩٦٠ هيئةَ أوقاف الأقباط الأرثوذكس، فأُعيد تنظيمُ إدارة الأوقاف بعيدًا عن الصيغة القديمة التي كان المجلسُ أحدَ أطرافها. وهكذا لم يُلغَ المجلسُ الملّيّ بقرارٍ واحد، لكنّ الوظائف التي صنعت ثقلَه التاريخيّ تقلّصت واحدةً بعد أخرى، فاختلّ التوازنُ بين المؤسّستين الإكليريكيّة والمدنيّة، واتّسع المجالُ أمام مركزيّة البطريرك. فلمّا انتقلت الطاقةُ إلى الكنيسة لم تنزل في أرضٍ بِكر، بل نزلت في مجرًى قديمٍ جفّ فيه الماءُ ولم تنطمس ضفافُه. ومن هنا كانت السرعةُ التي استقرّ بها النموذجُ الجديد: لأنّه لم يكن جديدًا بقدر ما كان عائدًا. وهذه ملاحظةٌ لازمة، لأنّها تنقل السؤال من مستوى السيرة إلى مستوى البنية: فليست المسألة أنّ بطريركًا بعينه تسيّس، بل أنّ بنية المِلّة ظلّت كامنةً تنتظر شرطًا تاريخيًّا يوقظها — وقد أيقظتها الدولةُ نفسها من حيث لم تحتسب.
 
ضبط المصطلح: وظيفة الحزب
ويبقى أن نضبط العبارةَ التي تدور عليها هذه الدراسة، حتى لا تنقلب من مفهومٍ تحليليٍّ إلى مَسَبّة. فليس المقصود بـ«وظيفة الحزب» أنّ أحدًا أسّس حزبًا، ولا أنّ الكنيسة اتّخذت برنامجًا سياسيًّا مكتوبًا، ولا أنّ ثمّة قرارًا صريحًا بذلك في محضرٍ من المحاضر. المقصودُ شيءٌ أدقّ: أنّ المؤسّسة الكنسيّة اكتسبت، بالتدريج وبفعل الضرورة قبل الإرادة، حزمةً من الوظائف هي في الأصل وظائفُ الحزب: صناعةَ هويّةٍ جماعيّةٍ موحّدة تتقدّم أحيانًا على تنوّع أفرادها؛ وتعبئةَ الجمهور خلف مواقفَ مركزيّة؛ وإنتاجَ خطابٍ شبه موحَّدٍ في القضايا العامّة؛ والتفاوضَ مع الدولة باسم قاعدةٍ اجتماعيّةٍ محدّدة؛ وربطَ الولاء للجماعة بالولاء للقيادة المركزيّة؛ ثمّ — وهو أخطرُها — قبولَ أن يُنظَر إلى الأقباط أنفسهم بوصفهم كتلةً يمكن حشدُها أو مقايضتُها. وقد ظهر هذا التحوّل في أوضح صوره سنة ١٩٧٧، حين دعت الكنيسةُ إلى صومٍ عامٍّ ثلاثةَ أيّامٍ في مواجهة التشريعات المقترحة المتّصلة بالرِّدّة؛ فاتّخذ الفعلُ التعبديّ، من غير أن يفقد معناه الروحيّ، وظيفةَ احتجاجٍ سياسيٍّ رمزيّ. وفي هذه الواقعة تتكثّف الأطروحةُ كلُّها: فقد عبّأت المؤسّسةُ جمهورَها بأداةٍ ليس للأحزاب نظيرٌ لها. فالحزب، في هذا المقال، وصفٌ لوظيفةٍ لا لكِيان، وتشخيصٌ لبنيةٍ لا اتّهامٌ لشخص.
 
تكوين الزعامة: أسقفية التعليم
ولم يقع هذا التحوّل دفعةً واحدةً يوم جلس على الكرسيّ المرقسيّ سنة ١٩٧١؛ بل بدأت بنيتُه تتشكّل قبل ذلك بتسع سنين، حين رُسم في الثلاثين من سبتمبر سنة ١٩٦٢، على يد البابا كيرلس السادس، أسقفًا للتعليم الكنسيّ وعميدًا للكلّيّة الإكليريكيّة، ضمن فئةٍ ناشئةٍ من الأساقفة العامّين غير المرتبطين بإيبارشيّةٍ جغرافيّة. ونضع مسألةَ الوضع القانونيّ لهذه الفئة جانبًا، فلها بحثٌ آخر، ونقتصر هنا على أثرها الاجتماعيّ. فقد أتاحت هذه الأسقفيّةُ لصاحبها ما لا تتيحه أسقفيّاتُ الأقاليم: جمهورًا لا تحدّه جغرافيا، ومنبرًا لا يقيّده مكان، وسلطانًا على التعليم هو في حقيقته سلطانٌ على تكوين الوعي، وقدرةً على إعداد الخدّام وربطهم بشخص المعلّم المركزيّ، ومجلّةً تبلغ البيوت. وبهذا صارت أسقفيّةُ التعليم — من حيث أثرُها لا من حيث قصدُ مؤسّسها — المحضنَ الذي تكوّنت فيه الزعامةُ قبل أن تجد كرسيّها.
 
إعادة تعريف منصب البطريرك
ولذلك لا يصحّ القول إنّه «نصّب نفسه» رئيسًا للأقباط؛ فليس في التاريخ لحظةٌ يمكن أن يُشار إليها فيقال: هاهنا وقع التنصيب. وإنّما وقع ما هو أعمقُ من التنصيب وأرسخُ منه: إعادةُ تعريفٍ تدريجيّةٌ لمنصب البطريرك، حتى استقرّ في الوعي العامّ — وعي الأقباط والدولة معًا — أنّ البطريرك هو، بحكم موقعه، الناطقُ باسم جماعةٍ كاملة. والسلطةُ التي تُنتزَع بقرارٍ يمكن أن تُستردّ بقرار؛ أمّا التي تستقرّ بوصفها بديهيّةً فلا سبيل إلى مراجعتها إلّا بمراجعة البديهيّة نفسها.
 
السؤال اللاهوتي: الكنيسة حين تؤدي وظيفة الحزب
على أنّ هذه الدراسة تُخِلّ بواجبها إن وقفت عند التحليل السياسيّ والنفسيّ ولم تسأل السؤال اللاهوتيّ: ما الذي يصيب الكنيسةَ في ذاتها حين تؤدّي وظيفةَ الحزب؟
 
شهادة التقليد الأنطاكي المبكّر
والتقليدُ الأنطاكيّ المبكّر يفتح لنا الباب. فإغناطيوس الأنطاكيّ يرى الأسقفَ رئيسًا «في موضع الله» ⁦(εἰς τόπον θεοῦ)⁩، ويوصي بأن يُنظَر إليه بوصفه «مثالًا للآب» ⁦(τύπον τοῦ πατρός)⁩. والملحوظُ في هاتين الصياغتين أنّ كرامة الأسقف فيهما كرامةٌ إحاليّةٌ بالكامل: فهو قائمٌ في موضع غيره، وسلطانُه مُستعارٌ لا مملوك، ووجودُه دلالةٌ على مَن ليس هو. ومن هنا يمكن أن نستعير قاعدة القدّيس باسيليوس الكبير: «الكرامةُ المُقدَّمة للصورة تعبر إلى النموذج الأصليّ» ⁦(ἡ τῆς εἰκόνος τιμὴ ἐπὶ τὸ πρωτότυπον διαβαίνει)⁩. ونقول «نستعير» عن قصد؛ فإنّ القاعدة وردت في سياقٍ ثالوثيٍّ يبحث علاقة الابن بالآب، لا في سياق الأسقفيّة. غير أنّ التقليد نفسه قد أخرجها من موضعها الأوّل، إذ وظّفها آباءُ المجمع المسكونيّ السابع في تقرير إكرام الأيقونات. ونحن ننقلها نقلةً أخرى، معلنين أنّها قياسٌ لا استنباط: فإذا كان الأسقف قائمًا في موضع غيره، فشرطُ صحّة كرامته أن تكون عابرةً إلى ذلك الغير، لا واقفةً عنده. فإذا وقفت الكرامةُ عند الصورة، انقلب التمثيلُ حجابًا، وصارت الأيقونةُ تحجب أصلَها بدل أن تدلّ عليه.
 
الخطر: استقرار الكرامة عند الصورة
وهذا هو التوصيف الدقيق للخطر الذي نتحدّث عنه: لا أن يُكرَم البطريرك، فذلك مقتضى موقعه؛ بل أن تستقرّ الكرامةُ عنده فلا تجاوزه، فيصير هو — لا الذي يحيل إليه — مركزَ الالتفاف ومصدرَ المعيار. وحينئذٍ يصدق على الجماعة توصيفُ فرويد للجماعة المصنوعة، لكن على حساب اللاهوت لا على حسابه.
 
الوصية الإنجيلية ونمط الرئاسة
وليس هذا التحذيرُ من مستحدثات النقد الحديث؛ فهو في صميم الوصيّة. إذ يقول الربّ لتلاميذه وقد تنازعوا في المقامات: «أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَالْعُظَمَاءَ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. فَلاَ يَكُونُ هكَذَا فِيكُمْ» (متّى ٢٠: ٢٥–٢٦). والعبارةُ لا تنهى عن السلطة بل عن نمطها؛ ولا تنفي الرئاسة بل تنفي أن تكون رئاسةَ الأمم. وهي تنفي بالضبط ما نحن بصدده: أن تُنقَل بنيةُ الزعامة السياسيّة، بمنطقها وأدواتها، إلى داخل الجماعة المؤمنة. ويزيدها بطرسُ الرسول إيضاحًا حين يوصي الشيوخ: «ارْعَوْا رَعِيَّةَ اللهِ الَّتِي بَيْنَكُمْ نُظَّارًا... وَلاَ كَمَنْ يَسُودُ عَلَى الأَنْصِبَةِ، بَلْ صَائِرِينَ أَمْثِلَةً لِلرَّعِيَّةِ» (١ بطرس ٥: ٢–٣). والتمييزُ الإنجيليّ هنا ليس بين راعٍ يرعى ورئيسٍ لا يرأس — فالأسقف، في لغة التقليد نفسه، يتقدّم الجماعةَ ويرأسها — وإنّما بين نمطين من الرئاسة: رئاسةٍ تتحقّق بالبذل وتردُّ الجماعةَ إلى المسيح، ورئاسةٍ تستجمع الجماعةَ حول الذات وتستمدّ قوّتَها من خضوعها. فالراعي يجمع الخرافَ إلى راعيها الحقيقيّ؛ أمّا الزعيم فيجعل اجتماعَها حول شخصه دليلَ سلطانه.
 
تحذير الآباء من محبة الرئاسة
وقد حذّر ذهبيّ الفم في «الكهنوت» من محبّة المجد والطموح إلى المنصب الكنسيّ، ومن أن تصدر الرسامةُ عن دوافع بشريّة لا عن صلاحية الخادم؛ كما سمّى في مواضع أخرى حبَّ الرئاسة ⁦(φιλαρχία)⁩ من أخطر أسباب انقسام الكنيسة. فمتى تسلّل المجدُ الباطل ⁦(κενοδοξία)⁩ إلى الخدمة، غدا الموقعُ الكنسيّ مجالًا لإشباع الذات بدل رعاية النفوس. وسمّى غريغوريوس اللاهوتيّ في عظته الثانية قيادةَ النفوس «فنَّ الفنون وعلمَ العلوم» ⁦(τέχνη τεχνῶν καὶ ἐπιστήμη ἐπιστημῶν)⁩؛ ولم يقصد بذلك تعظيمَ المنصب في ذاته، بل تعظيمَ دقّة الصناعة: صناعةِ شفاء النفوس، التي لا تُحسَن بحشد الجماهير ولا تُقاس بعدد المصفّقين. ففي الميزان الآبائيّ لا تُقاس صحّةُ الرعاية بكثرة الجمهور، بل بقدرتها على شفاء النفس وقيادتها إلى الحقّ؛ فالتصفيقُ يخدع الراعيَ عن نفسه، والجمهورُ يمنح صاحبَه شعورًا بالحقّ لا يمنحه إيّاه الحقّ.
 
المشروعان المتقابلان: مكرم عبيد والمنطق المِلّي
وههنا يتبيّن أنّ المشروعين اللذين تتحدّث عنهما هذه الدراسة يقعان على طرفَي سؤالٍ واحد. فمكرم عبيد لم يطلب من القبطيّ أن يذوب في الأمّة، ولا أن يتخلّى عن خصوصيّته الدينيّة — وقد كان يجاهر بمسيحيّته مجاهرةً لم يساوم عليها — وإنّما طلب أن يدخل المجالَ الوطنيّ بصفته مواطنًا كاملًا لا ممثّلًا لطائفة. أمّا المنطقُ المِلّيّ فيطلب العكس: أن يبلغ القبطيُّ حقَّه من طريق قيادته الدينيّة. فالتقابلُ إذن ليس بين ذوبانٍ وانغلاق، بل بين خصوصيّةٍ دينيّةٍ بلا وساطةٍ سياسيّةٍ طائفيّة، وتمثيلٍ سياسيٍّ من خلال القيادة الدينيّة.
 
شهادة الرسالة إلى ديوجنيتوس
وقد قالت «الرسالة إلى ديوجنيتوس» في القرن الثاني ما لم يبلغ أحدٌ بعدُ دقّتَه: إنّ المسيحيّين يسكنون أوطانهم لكن كنُزلاء، ويشاركون في كلّ شيءٍ كمواطنين، ويحتملون كلّ شيءٍ كغرباء؛ فكلُّ غربةٍ لهم وطن، وكلُّ وطنٍ لهم غربة. فالمسيحيّ يحمل مسؤوليّة المدينة كاملةً ولا يجعلها مُطلَقه، ولا يطلب حقَّه فيها من طريق طائفته. وبين الذوبان والانغلاق طريقٌ ثالثٌ هو وحده طريق الإنجيل.
 
النزاع الكنسي: أولويات متباينة
ومن هنا نفهم أنّ النزاع الكنسيّ الكبير الذي شغل النصف الثاني من القرن العشرين في مصر لم يكن، في أعماقه، نزاعًا على نصوصٍ في الخلاص أو الإفخارستيّا فحسب — وإن اتّخذ صورةَ ذلك — بل كشف عن تباينٍ عميقٍ في ترتيب وظائف الكنيسة: أيقعُ مركزُ الثقل في حراسة الجماعة وتنظيم حضورها العامّ، أم في صيانة طبيعتها السرّيّة من أن تبتلعها مقتضياتُ التمثيل السياسيّ؟ ولم يكن أيٌّ من الطرفين خاليًا من همّ الآخر: فالبابا شنودة لم يفقد همّ السرّ، والأب متّى المسكين لم يفقد همّ الجماعة. لكنّ اختلاف ترتيب الأولويّات أنتج مشروعين متباينين في الرعاية والسلطة والحضور العامّ. وتكشف كتاباتُ الأب متّى المسكين عن تشديدٍ متواصلٍ على طبيعة الكنيسة السرّيّة، وعلى الرعاية بوصفها بذلًا لا سيادة؛ وهو تشديدٌ يُقرأ في ضوء هذه الدراسة بوصفه مقاومةً لأن تبتلع وظيفةُ التمثيل السياسيّ الوظيفةَ الرعويّة، لا مجرّدَ خلافٍ في التفسير.
 
ثمن التحوّل: سياسيًّا وكنسيًّا
وقد دُفع ثمنُ هذا التحوّل مرّتين. دُفع سياسيًّا حين صار حقُّ القبطيّ يُلتمَس عبر قناة التفاوض الطائفيّ، لا يُطالِب به المواطنُ بنفسه؛ فانتقل منطقُ الحقوق من الاستحقاق إلى المِنّة، ومن الفرد إلى الجماعة، ومن القانون إلى الوساطة. ودُفع كنسيًّا حين استقرّ في الوجدان الجمعيّ أنّ الخلاف مع القيادة خروجٌ من الجماعة، وأنّ وحدة الصفّ فضيلةٌ تعلو على فضيلة الحقّ. وليس أفسدَ لضمير الجماعة المؤمنة من أن تتعلّم أنّ الصمت طاعةٌ وأنّ السؤال تمرّد؛ فالكنيسةُ التي لا تحتمل السؤال لا تُنتج قدّيسين، بل تُنتج منضبطين.
 
ما للبابا شنودة: الإنصاف
على أنّ الإنصاف يقتضي ألّا نغادر هذا التحليل قبل أن نقرّر ما له. فقد قاد البابا شنودة الثالث جماعةً في زمنٍ عصيب، وحماها حين لم يكن لها مَن يحميها، وواجه سلطةَ الدولة في أشدّ لحظات استقوائها، فدفع ثمنَ مواجهته تحفّظًا قسريًّا في ديره دام أكثر من ثلاث سنوات، من سبتمبر سنة ١٩٨١ إلى يناير سنة ١٩٨٥. وبنى في المهجر مؤسّساتٍ حفظت هويّة الأقباط في الشتات، وأعاد إلى التعليم الكنسيّ نظامًا كان مفتقِرًا إليه. وليس نقدُ البنية إنكارًا للخدمة، ولا تحليلُ الظاهرة تجريحًا في صاحبها. بل إنّ أصدق ما يُقال إنّ الرجل لم يخترع الدورَ الذي لعبه، وإنّما وجد نفسه في مسرحٍ خالٍ من الممثّلين، ومعه من التكوين والموهبة ما يؤهّله لأن يملأه وحده. والتاريخُ لا يسأل الرجالَ لماذا ملأوا الفراغ، بل يسأل الجماعاتِ لماذا تركته خاليًا.
 
سبل اختبار الفرضية
وليست هذه القراءة، في آخر الأمر، إلّا فرضيّةً تطلب الاختبار. وسبيلُ اختبارها معروف: مراجعةُ صحف الأربعينيّات لحصر القصائد المنسوبة إلى نظير جيّد وتواريخها ومنابرها، وتحقيقُ مصدر لقب «شاعر الكتلة» ومَن أطلقه أوّلَ مرّة؛ ومقابلةُ ما رواه البابا عن نفسه بما رواه معاصروه، مع تمييز الشهادة المبكّرة من المتأخّرة؛ ومقارنةُ بنية الخطاب في المجلّة الكنسيّة ببنية الخطاب في الصحافة الحزبيّة التي نشأ عليها؛ ودراسةُ محاضر التفاوض بين الكنيسة والدولة بوصفها نصوصًا سياسيّةً لا رعويّة؛ ثمّ تفتيشُ خطاب الجماعة عن علامات الحداد غير المكتمل. فإن صمدت الفرضيّةُ لهذا الاختبار فقد أضاءت، وإن سقطت فقد خدمت العلمَ بسقوطها؛ وليس في البحث خسارةٌ إلّا في فرضيّةٍ لا تقبل أن تُختبَر.
 
خلاصة القراءة
فخلاصةُ هذه القراءة أنّ صعود «البطريرك السياسيّ» في الكنيسة القبطيّة ليس واقعةً في سيرة رجل، بل عَرَضٌ مفرطُ التحدّد لعلّةٍ في المدينة: التقى فيه مِثالٌ نفسيٌّ استُدخِل في شبابٍ باكر، بفراغٍ سياسيٍّ صنعته الدولة، ببنيةٍ مِلّيّةٍ قديمةٍ لم تمت في المؤسّسة، بخوفٍ جماعيٍّ لم يجد ملجأً سواها. ولذلك لا يُرجى شفاؤه بتغيير الأشخاص، ولا بمطالبة الكنيسة بأن تصمت — فصمتُها في وجه الظلم خيانةٌ لنبوّتها — بل باستعادة التمييز الذي أضاعه القرنُ العشرون: بين الصوت النبويّ والوظيفة السياسيّة، وبين حماية المظلوم وتمثيل الكتلة، وبين الراعي الذي يبذل نفسه والزعيم الذي يجمع الناس حول نفسه.
بلغ القبطيُّ مع مكرم عبيد ذروةَ خروجه من منطق المِلّة إلى فضاء الأمّة؛ ثمّ أعادت دولةُ ما بعد يوليو السياسةَ القبطيّةَ من فضاء الأمّة إلى داخل الكنيسة، فوجدت في تكوين البطريرك ما يقبل أن يحملها. ولم يكن ذلك خيانةً لمعلّمٍ ولا استنساخًا له، بل وفاءً لصورته في زمنٍ لم يعد يحتمل مشروعه. وتلك هي المأساة في أنقى صورها: أن يتحقّق المِثالُ بأن ينقلب على نفسه.