رحلة الإنسان من امتلاء الحياة إلى عتبة الأبدية
تأملات في الصحة، والعطاء، والمرض، والوحدة، والموت، والرجاء
الأب أغسطينوس بالميلاد ميلاد سامي ميخائيل بطرس طوس
المقدمة:
  ليست الحياة عددًا من السنوات تُضاف إلى عمر الإنسان، بل هي مقدار ما يسكبه الإنسان من ذاته في حياة الآخرين. فقد يعيش إنسان عمرًا طويلًا دون أن يترك وراءه سوى اسمه المنقوش على حجر، وقد يعيش آخر سنوات أقل، لكنه يكتب اسمه في القلوب قبل أن يُكتب على صفحات التاريخ.
 
  فالإنسان لا يُقاس بطول أيامه، بل بعمق حضوره، ولا بما جمعه من أموال، بل بما وزعه من محبة، ولا بما امتلكه من سلطان، بل بما بذله من رحمة، ولا بما وصل إليه من مجد، بل بما رفع إليه من نفوس كانت على وشك السقوط فأقامها من جديد.
 
  ومنذ أن يفتح الإنسان عينيه على هذا العالم، يبدأ في جمع كنوزه. غير أن هذه الكنوز ليست كلها من ذهب أو فضة، بل أكثرها لا يُرى بالعين.
هناك كنز الصحة التي تمنحه القدرة على الحركة والعمل والإبداع.
 
وكنز العقل الذي يفتح أمامه أبواب المعرفة والحكمة.
 
وكنز القلب القادر على الحب والمسامحة والعطاء.
 
وكنز المواهب التي يزرعها الله في أعماقه لتتحول إلى رسالة، لا إلى زينة، وإلى خدمة، لا إلى وسيلة للسيطرة.
 
ثم تأتي كنوز أخرى يصنعها الإنسان عبر سنوات عمره؛ عائلته التي تمتد جذورها في قلبه أكثر مما تمتد في شجرة النسب، وأصدقاؤه الذين تصبح أفراحهم جزءًا من فرحه، وأحزانهم امتدادًا لأحزانه، وزملاؤه الذين يشاركونه رحلة الكفاح، وتلاميذه إن كان معلمًا، ومرضاه إن كان طبيبًا، ورعيته إن كان راعيًا، وكل نفس أودعها الله في طريقه لتكون جزءًا من رسالته على الأرض.
 
وهكذا، شيئًا فشيئًا، يمتلئ عالم الإنسان حتى يظن، دون أن يشعر، أن هذه الأشياء كلها أصبحت جزءًا من كيانه، وأنها ستظل ترافقه ما دام قلبه ينبض.
غير أن الحياة تخفي في أعماقها حكمة لا تعلنها إلا للذين عبروا وادي الألم.
 
فكل ما نمتلكه هو عطية...
 
وكل عطية قابلة لأن تُسترد في الوقت الذي يراه الله صالحًا.
 
ولذلك فإن أعظم خدعة قد يقع فيها الإنسان، ليست أن يظن نفسه خالدًا، بل أن يظن أن ما بين يديه ملكٌ له، بينما هو في الحقيقة وديعة مؤقتة.
  إن الصحة وديعة؛ والقوة وديعة؛ والذكاء وديعة؛ والموهبة وديعة؛ والنجاح وديعة؛ والمنصب وديعة؛ والمال وديعة؛ والأسرة وديعة؛ والأصدقاء وديعة؛ بل إن العمر نفسه وديعة؛ لا يملك الإنسان أن يزيد فيه نبضة واحدة إذا جاء أوان الرحيل.
 
  ولأنها ودائع، فإن قيمتها الحقيقية لا تكمن في امتلاكها، بل في طريقة استخدامها. فالله لا يسأل الإنسان يومًا: ماذا امتلكت؟ بل يسأله: ماذا صنعت بما ائتمنتك عليه؟
  وهنا تبدأ قصة الإنسان الحقيقية.
ليست عندما يولد...
ولا عندما ينجح...
ولا عندما يصبح مشهورًا...
بل عندما يكتشف أن الحياة ليست ما أخذه، بل ما أعطاه.
وليس ما احتفظ به لنفسه، بل ما صار سبب حياة للآخرين.
  فالإنسان العظيم ليس الذي عاش لنفسه حتى آخر يوم، بل الذي جعل من حياته جسرًا يعبر عليه الآخرون نحو حياة أفضل.
إنه الإنسان الذي حمل في قلبه أكثر مما حمل بين يديه.
وحمل في ضميره أكثر مما حمل في جيوبه.
وحمل في صلاته أكثر مما حمل في ذاكرته.
وحمل في محبته بشرًا لم يكن بينهم وبينه نسب، لكن جمعتهم أخوة الإنسانية التي أودعها الله في قلب كل من عرف أن الحب هو اللغة الوحيدة التي تبقى عندما تصمت جميع اللغات.
ومع مرور الأيام، اتسعت دائرة عطائه حتى صار يعيش للآخرين أكثر مما يعيش لنفسه.
  كان يحمل أسرته في قلبه كما تحمل الشجرة ثمارها، لا لأنها عبء، بل لأنها امتداد حياتها. وكان يحمل والديه وإخوته وأقاربه وأصدقاءه وزملاءه في أعماق وجدانه، ويصير نجاحهم جزءًا من سعادته، وانكسارهم جرحًا في داخله، وكأن أرواحهم أقامت في روحه، لا إلى جوارها، بل في أعماقها.
 
  وكان يحملهم أيضًا في عقله، فيفكر في مستقبلهم قبل أن يفكر في راحته، ويبحث عن وسائل إسعادهم قبل أن يبحث عن أسباب راحته الشخصية. أما في صلاته، فكان يرفع أسماءهم إلى الله في صمت، مؤمنًا أن الصلاة هي أنقى أشكال المحبة، لأنها العطاء الذي لا ينتظر مقابلاً، والحضور الذي لا يحتاج إلى كلمات.
 
  ولم تكن صحته عنده وسيلة للترف، بل كانت أداة للرسالة. كان يرى في كل صباح جديد فرصة ليعمل أكثر، ويخدم أكثر، ويبدع أكثر، لأن الجسد القوي، في نظره، ليس غاية في ذاته، بل وسيلة تمنح الروح القدرة على أن تفيض خيرًا على العالم.
 
  وكان يمارس الرياضة بمحبة، لا ليغلب الآخرين، بل ليغلب ضعفه، وليحفظ الجسد الذي ائتمنه الله عليه، ويجعله قادرًا على مواصلة الطريق، لأن الإنسان الذي يريد أن يخدم طويلًا، عليه أن يتعلم كيف يحافظ على الأدوات التي يخدم بها.

القسم الأول:
الإنسان في زمن القوة
  حين كانت الحياة تتدفق في كل شيء؛ ما أجمل الإنسان عندما يكون ممتلئًا بالحياة، لا لأنه يملك القوة، بل لأنه يعرف لماذا مُنح القوة.
 
  فالصحة، في معناها الأعمق، ليست مجرد انتظام نبض القلب، ولا سلامة الأعضاء، ولا قدرة الجسد على الحركة، بل هي تلك الطاقة الخفية التي تجعل الإنسان قادرًا على أن يخرج من ذاته، وأن يحوّل أيامه إلى رسالة، ووجوده إلى بركة، وعمره إلى عطية تتوزع على الآخرين دون أن تنقص.
 
  إن الإنسان، حين يكون صحيح الجسد، يشعر وكأن العالم كله مفتوح أمامه. يستطيع أن يسير، وأن يعمل، وأن يبدع، وأن يحلم، وأن يبني، وأن يحمل أثقال غيره وهو لا يشعر بثقلها. يظن أن هذه القدرة سترافقه دائمًا، وأن خطواته ستظل ثابتة، وأن صوته سيبقى قويًا، وأن عقله سيظل حاضرًا كما هو اليوم.
 
  لكن الصحة ليست مجرد نعمة يستمتع بها الإنسان، بل هي مسؤولية يضعها الله بين يديه، ليُسأل عنها كما يُسأل عن كل عطية أخرى.
 
  فالعضلات التي لم تُخلق إلا لتخدم، والعقل الذي لم يُعطَ إلا ليهدي، والقلب الذي لم يُخلق إلا ليحب، والمواهب التي لم تُزرع في النفس إلا لتنمو في حقول الآخرين، كلها عطايا تتحول إلى دين مقدس في عنق صاحبها، لا إلى امتياز يتباهى به أمام الناس.
 
  ولذلك كان الإنسان الحقيقي يرى في كل موهبة رسالة، وفي كل نجاح أمانة، وفي كل قدرة تكليفًا جديدًا.
 
  لم يكن ينظر إلى ذكائه بوصفه وسيلة ليتقدم على الآخرين، بل ليقودهم إلى آفاق أرحب. ولم يكن يرى في خبرته سلطة، بل مسؤولية. ولم يكن يعتبر الإبداع زينة للعقل، بل صلاة تؤديها الموهبة عندما تبلغ كمالها.
 
  وكان يعلم أن الإنسان الذي يعيش لنفسه وحدها، مهما اتسعت حياته، يبقى ضيقًا في عين الله، أما الذي يعيش للآخرين، فتصير حياته أوسع من حدود عمره، لأن الخير الذي يزرعه يستمر في النمو بعد أن تتوقف أنفاسه.
 
  لهذا لم يكن يحمل الناس في ذاكرته فقط، بل كان يحملهم في قلبه، وفي عقله، وفي وجدانه، وفي صلاته. كان يحمل أسرته بمحبة الأب الذي يسبق أبناءه إلى التعب، ويؤخر نفسه عن الراحة، ويحسب نجاحهم نجاحًا له، ويعدّ استقامتهم أعظم إنجاز يحققه في حياته.
 
  وكان يحمل والديه بكل وفاء، وإخوته بكل إخلاص، وأصدقاءه بكل صدق، وأقاربه بكل أمانة، وجيرانه بكل مودة، وزملاءه بكل احترام، حتى صار قلبه بيتًا يسكنه كثيرون، دون أن يضيق بأحد.
 
  وكان يرى أن الإنسان لا يصبح غنيًا بكثرة ما يملك، بل بكثرة من يجدون مكانًا في قلبه.
  وكانت صلاته امتدادًا لهذه المحبة.
 
  لم تكن الصلاة عنده واجبًا يؤديه، بل لقاءً يحمل فيه إلى الله كل الذين أحبهم، وكل الذين تعبوا، وكل الذين فقدوا الرجاء، وكل الذين أثقلهم المرض أو الفقر أو الوحدة.
 
  وكان يؤمن أن أجمل ما يستطيع الإنسان أن يقدمه لأخيه الإنسان هو أن يذكره أمام الله بمحبة، لأن من تحمله الصلاة لا يسقط، وإن تعثر.
  وكان يعمل كما لو أن الله قد ائتمنه على قطعة صغيرة من هذا العالم، وطلب منه أن يتركها أجمل مما كانت. فكل مكان خدم فيه، أراد له أن يزدهر. وكل مؤسسة عمل فيها، أراد لها أن تنجح.
 
وكل مسؤولية أُسندت إليه، حملها كما يحمل المؤمن أمانة مقدسة.
 
  لم يكن يعمل خوفًا من مراقب، ولا طمعًا في مديح، بل لأن ضميره كان المراقب الذي لا يغيب، وكان الله هو الشاهد الذي لا ينام.
  وكان يؤمن أن الإخلاص لا يظهر عندما يراه الناس، بل عندما يغيب الناس ويبقى الإنسان وحده مع ضميره.
 
  ولم يكن النجاح بالنسبة إليه أن يرتفع اسمه، بل أن ترتفع المؤسسة التي يخدمها، وأن ينجح العمل الذي ائتمن عليه، وأن يثمر الخير في حياة كل من يتعامل معهم.
 
وكان إذا رأى إنسانًا مكسورًا، شعر وكأن جزءًا من قلبه قد انكسر معه. لم يكن يطيق منظر الفقر لأنه كان يرى فيه كرامة تتألم. ولم يكن يحتمل المرض لأنه كان يرى فيه جسدًا يصرخ بصمت.
 
  ولم يكن يمر على المحتاج مرور المتفرج، بل مرور الأخ الذي يعرف أن عطية اليوم قد تكون سببًا في أن ينام إنسان الليلة دون دموع. وكان عطاؤه يختلف عن كثير من العطاء. لم يكن يعطي ليُذكر اسمه. ولا ليُمدح. ولا ليشعر بتفوقه على أحد.
 
  بل كان يعطي في صمت، كما تعطي الأرض بذورها، وكما تعطي الشمس نورها، وكما تعطي الأم قلبها دون أن تنتظر مقابلًا. وكان يرى أن العطاء الذي يجرح كرامة الفقير ليس عطاءً، بل إهانة مغلفة بالإحسان.
 
  لذلك كان يحرص أن يكون عطاؤه وافرًا، لا يكتفي بسد جوع يوم، بل يحاول أن يمنح المحتاج فرصة ليعيش أيامًا طويلة دون أن يضطر إلى مد يده مرة أخرى.
 
 كان يريد أن يمنحه ما يحفظ له كرامته، وأن يقيه قسوة السؤال، وأن يحميه من نظرات الشفقة التي قد تؤلم النفس أكثر مما يؤلمها الفقر.
  وكان يفرح عندما يظل عطاؤه مجهولًا. وكان يعتبر أن اليد التي تعطي لا ينبغي أن تتوقف لتنتظر التصفيق.
 
  وكان يؤمن أن الشكر الحقيقي لا يُقال بالكلمات، بل يظهر عندما يستعيد الإنسان رجاءه، ويقف من جديد على قدميه، ويبتسم بعد طول انكسار.
  وكان يعيش أيضًا من أجل أسرته.
 
لا ليجمع لهم المال وحده، بل ليبني لهم حياة.
 
كان يريد لهم علمًا يحرر عقولهم. وأخلاقًا ترفع نفوسهم. وإيمانًا يسندهم إذا مالت بهم الأيام. واحترامًا يجعلهم يوقرون الإنسان أيًا كان موقعه.
 
وثقافةً تفتح لهم أبواب العالم. وبيتًا يشعرون فيه بالأمان. وحضورًا يجعلهم، مهما ابتعدوا، يعودون إليه بقلب ممتلئ بالسلام.
 
  وكان يحلم أن يرى كل فرد منهم يبلغ أقصى ما يستطيع أن يبلغه من نضج، وكرامة، وعلم، ورسالة، دون أن يفرض على أحدهم صورته، أو يلغي شخصيته، أو يصادر حريته. كان يريد أن يكون لهم سندًا، لا قيدًا. وجذرًا، لا جدارًا. وظلًا يستريحون تحته، لا سقفًا يحجب عنهم السماء. وكان يعطيهم كما يعطي الجميع... في صمت.
 
بكرم. وبمحبة. دون أن يعيرهم بما أعطى. ودون أن يطالبهم بثمن عطائه. وكان يعلم أن أجمل عطية هي التي ينسى صاحبها أنه قدمها. وكان يشعر في أعماقه أن الحياة قصيرة. قصيرة إلى الحد الذي يجعل كل يوم مؤجل خسارة لا تعوض.
 
  لذلك كان يستيقظ وفي قلبه رغبة أن ينجز خيرًا جديدًا، وأن يزرع بذرة جديدة، وأن يواسي قلبًا جديدًا، وأن يمسح دمعة جديدة، وأن يفتح باب رجاء لإنسان جديد.
 
  كان يشعر أن العمر ليس ملكًا له، بل رسالة ينبغي أن تكتمل قبل أن يستدعيه الله.
 
  وكان كل مساء يسأل نفسه: كم إنسانًا صار اليوم أقل ألمًا لأنني كنت موجودًا؟ وكم إنسانًا أصبح أكثر رجاء لأن الله سمح لي أن أمر في طريقه؟
  وكان ينام، لا لأنه انتهى من رسالته، بل لأنه كان يعرف أن الغد، إن أشرق، سيحمل إليه فرصة جديدة ليحب أكثر، ويخدم أكثر، ويعطي أكثر.
 
ولم يكن يعلم...
 
  أن الزمن الذي كان يملأه بكل هذا الخير، كان يقترب بهدوء من المنعطف الذي تتغير عنده كل الأشياء...
 
القسم الثاني:
الإنسان في زمن الانكسار
حين يكتشف الإنسان أن الألم لا يمكن أن يُقاسَم
  يأتي المرض غالبًا في الوقت الذي يكون الإنسان فيه أكثر انشغالًا بالحياة؛ لا يطرق الباب ليستأذن؛ ولا ينتظر حتى تنتهي الأحلام؛ ولا يسأل الإنسان إن كان مستعدًا لاستقباله.
 
  إنه يدخل بصمت، كما يدخل الليل إلى الأرض عند غروب الشمس، حتى إذا أقبل، اكتشف الإنسان أن شيئًا عظيمًا قد تبدل في داخله، وأن العالم الذي كان يعرفه بالأمس لم يعد هو العالم نفسه.
 
  في البداية يظن أن الأمر عارض عابر؛ ثم تمر الأيام، فيكتشف أن الألم لا يسكن الجسد وحده، بل يبدأ في إعادة تشكيل النفس، وترتيب الأفكار، وكشف الحقائق التي كانت مستترة تحت ضجيج الحياة.
 
  هناك، في غرفة المرض، يبدأ الإنسان ينظر إلى نفسه بعين أخرى، فاليدان اللتان طالما حملتا الآخرين، أصبحتا تطلبان من يحملهما؛ والقدمان اللتان كانتا تجوبان الطرقات لخدمة الناس، أصبحتا تتعلمان السير من جديد، خطوةً بعد خطوة؛ والجسد الذي كان يفيض بالحيوية، صار يفاوض الألم على دقائق من الراحة؛ والعين التي كانت تلتقط وجوه الناس، أصبحت تبحث عن بصيص رجاء وسط ليل طويل لا يريد أن ينقضي.
 
 ويبدأ الإنسان يكتشف أن المرض لا يسرق الصحة فقط، بل ينتزع من القلب أوهامًا كثيرة كان يظنها حقائق؛ هناك يدرك أن القوة لم تكن ملكًا له؛ وأن الشباب لم يكن وعدًا بالأبدية؛ وأن الجسد، مهما بدا صلبًا، يبقى خزفًا رقيقًا، يحمل في داخله هشاشة لا يراها أحد إلا حين يبدأ بالتصدع.
 
  ومع ازدياد الألم، تنكشف حقيقة أخرى، حقيقة لا يريد معظم الناس الاعتراف بها، إن الألم هو أكثر التجارب الإنسانية وحدة.
 
  فقد يجلس حول سرير المريض عشرات الأشخاص، وقد تمتلئ الغرفة بالوجوه التي تحبه، وقد ترتفع الصلوات من أجله في كنائس كثيرة، وقد تبكيه عيون صادقة.
 
ولكن...
  لا أحد يستطيع أن يدخل إلى داخل ألمه؛ إنهم يرون ملامحه، لكنهم لا يشعرون بحرارته، يسمعون أنينه، لكنهم لا يسمعون الصراخ الذي يدور في أعماق أعصابه.
 
  يمسكون بيده، لكنهم لا يحملون عنه لحظة واحدة من وجعه؛ إن للألم لغة لا يتقنها إلا من يتألم.
 
  ولهذا يبقى الإنسان، مهما أحاطه الناس بمحبتهم، وحيدًا في قلب معركته.
 
وليس في ذلك قسوة من الناس، ولا نقصًا في محبتهم، بل هي الحدود التي رسمها الله للطبيعة البشرية.
 
  فالإنسان يستطيع أن يحب، ويستطيع أن يعزي، ويستطيع أن يبكي، لكنه لا يستطيع أن يتألم بدلًا من غيره؛ 
 
  إن لكل إنسان صليبه الخاص، وكل صليب، مهما تشابه مع غيره، يبقى له خشبته الخاصة، وثقله الخاص، وطريقه الخاص.
 
  وحين تنتهي الزيارة... ويغلق الباب... ويعم الصمت... يعود كل واحد إلى عالمه، يعود الأب إلى أسرته، والأم إلى أولادها، والصديق إلى عمله، والطالب إلى جامعته، والتاجر إلى متجره، والخادم إلى خدمته.
 
  وتعود الحياة إلى دورتها المعتادة، تُعد الموائد، وتعلو الضحكات، وتستمر الاجتماعات، وتقام الاحتفالات، وتولد أحلام جديدة، ويشرق صباح جديد على العالم.
 
  أما المريض... فيبقى حيث هو؛ بين سريره وألمه، وبين الدواء وانتظاره، وبين الرجاء والخوف، وبين الليل الطويل وسؤال الصباح.
 
  وليس هذا لأن الناس لا يحبونه، بل لأن للحياة إيقاعًا لا يتوقف عند باب أحد.
 
  فالزمن لا يعرف التوقف، والشمس لا تؤجل شروقها، والأنهار لا تكف عن الجريان، والأرض لا تمتنع عن الدوران.
 
  هكذا خلق الله العالم... يسير إلى الأمام، حتى وهو يودع الذين أحبهم.
 
  وعند هذه الحقيقة، ينكسر في داخل الإنسان شيء آخر؛ يكتشف أن حضوره، مهما بدا عظيمًا، لم يكن يمسك العالم بيديه كما كان يتصور.
 
  فالعمل الذي كان يظن أنه لا يقوم إلا به، وجد من يكمله، والمسؤولية التي حملها سنوات طويلة، انتقلت إلى كتفين آخرين؛ والمكتب الذي امتلأ بوجوده، جلس فيه إنسان آخر، والقرارات التي كان يصنعها، صار يصنعها غيره؛ والمكان الذي كان يضج بصوته، عاد يمتلئ بأصوات جديدة.
 
  لا لأن الناس نسوه... بل لأن الحياة، منذ أن خلقها الله، لا تتوقف عند رحيل أحد.
 
  قد يحزنون، وقد يبكون، وقد يذكرون فضله بكل امتنان، لكنهم، بعد أن يجف الدمع، يواصلون السير.
 
  وهكذا هي الحياة. ترفع قبعة الاحترام لمن خدمها بإخلاص... ثم تتابع طريقها.
 
  لقد رحل ملوك، فقام بعدهم ملوك؛ ورحل قادة، فجاء غيرهم؛ ورحل علماء، فواصل العلم مسيرته؛ ورحل قديسون، واستمرت الكنيسة تصلي؛ ورحل آباء، وكبر الأبناء؛ ورحل معلمون، وجلس معلمون آخرون على المقاعد نفسها.
 
  إنها ليست قسوة التاريخ... بل حكمته. فالإنسان، مهما عظم، ليس محور الكون؛ والله وحده هو الذي يبقى حين يتغير كل شيء.
 
وهنا يبدأ المرض في اقتلاع آخر جذور الكبرياء الخفية.
 
  فالإنسان الذي كان بالأمس يظن أن العالم يحتاج إليه، يكتشف اليوم أنه هو المحتاج إلى كأس ماء يناوله إياه أحد بمحبة.
 
 والذي كان يسند الآخرين، صار يبحث عن كتف يسنده؛ والذي كان يركض ليحقق أحلام الجميع، صار يحلم بليلة ينام فيها دون ألم.
  وهناك... في أعماق هذا الانكسار... لا يعود السؤال: لماذا مرضت؟
 
بل يصبح السؤال: ماذا يريد الله أن يعلمني من خلال هذا المرض؟
 
وحين يبدأ هذا السؤال يولد في القلب...
 
يبدأ الألم يتحول، ببطء شديد، من عدو يهاجم الإنسان...
 
إلى معلم يقوده نحو الحقيقة.
 
فبعض الدروس... لا تستطيع الصحة أن تعلمها.
 
وبعض الحكم... لا يكتبها إلا الوجع.
 
وبعض اللقاءات مع الله... لا تتم إلا عندما يعجز الإنسان عن الاتكال على كل شيء سوى رحمته.
 
وهكذا... كلما انكسرت في يدي الإنسان قوة من قوى الأرض...
 
بدأت تنفتح في داخله مساحة جديدة، تستطيع نعمة الله أن تملأها.
 
وكان الإنسان يظن، طوال حياته، أنه يحمل العالم فوق كتفيه.
 
حتى جاء اليوم... الذي لم يعد يستطيع فيه أن يحمل إلا ألمه.
 
القسم الثالث:
الإنسان في زمن الحقيقة
حين يسقط كل شيء... ويبقى الله
  إذا كانت الصحة تكشف للإنسان اتساع إمكاناته، وكان المرض يكشف له حدود طبيعته، فإن اللحظات الأخيرة من العمر تكشف له الحقيقة التي ظل العمر كله يقترب منها دون أن يراها كاملة.
 
  إن الحياة، مهما طالت، ليست سوى طريق، وكل طريق، مهما بدا ممتدًا، ينتهي إلى باب.
 
  والإنسان، منذ أن أطلق صرخته الأولى على هذه الأرض، بدأ في الحقيقة رحلته نحو ذلك الباب؛ وكل يوم يمر ليس ابتعادًا عن البداية فحسب، بل اقترابًا من اللقاء الأخير.
 
  غير أن الإنسان، وهو منهمك في تفاصيل الحياة، ينسى هذه الحقيقة، تخطفه الأيام بما فيها من أعمال، ومسؤوليات، ونجاحات، وإخفاقات، وأفراح، وأحزان، حتى يخيل إليه أن الطريق هو الوطن، وأن الزمن هو الأبدية، وأن ما بين يديه سيبقى في يديه إلى غير نهاية.
 
  لكن تأتي ساعة، لا تتقدم دقيقة، ولا تتأخر دقيقة، ساعة لا يحددها الطبيب، ولا يؤجلها العلم، ولا يمنعها المال، ولا يغيرها النفوذ، ولا يفاوضها السلطان.
  إنها الساعة التي يقف عندها الزمن صامتًا أمام مشيئة الله.
 
وهناك... يبدأ الإنسان في خلع كل ما كان يلبسه في هذه الحياة؛ 
 
يخلع منصبه... لأن المناصب لا تعبر إلى الأبدية.
 
ويخلع سلطانه... لأن السلطان يبقى على الأرض.
 
ويخلع ثروته... لأن اليد التي كانت تمسك الذهب، ستدخل القبر خالية.
 
ويخلع شهرته... لأن الأسماء التي تتردد على ألسنة الناس، لا تغني شيئًا أمام صوت الضمير.
 
ويخلع أوسمته... لأن السماء لا تعرف إلا وسام المحبة.
 
ويخلع حتى جسده... ذلك الجسد الذي حمله منذ ولادته، والذي تعب معه، وتألم، وفرح، وشيخ، ثم أدى رسالته، وعاد إلى التراب الذي أُخذ منه.
ويبقى الإنسان... كما خرج أول مرة، فقيرًا من كل شيء... إلا من ذاته.
 
وهنا يدرك أن الحياة كلها كانت رحلة تجريد.
 
كان يظن أنه يجمع... بينما كان، في الحقيقة، يتعلم كيف يترك.
 
يجمع المال... ليتعلم أنه سيتركه.
 
ويجمع العلاقات... ليتعلم أن لكل إنسان طريقه الأخير.
 
ويجمع النجاح... ليكتشف أن النجاح الحقيقي لا يقاس بما احتفظ به، بل بما بذله.
 
ويجمع الخبرات... ليدرك أن الحكمة الأخيرة هي مخافة الله.
 
وهكذا...
 
لا يكون الموت سرقة للحياة، بل يكون اكتمالًا لدرسها الأخير.
 
  وحين يدخل الإنسان في سكرات الموت... يدخل وحده؛ يقف الطبيب عند حدود علمه، ويقف الدواء عند حدود تأثيره، ويقف الأحباء عند حدود عجزهم، ويقف الجسد عند حدود طاقته.
 
  أما الروح... فتبدأ عبورها الذي لا يستطيع أحد أن يعبره معها.
 
  إنها لحظة لا يمكن أن تُستعار، ولا يمكن أن تُقسَم، ولا يمكن أن يحملها إنسان عن إنسان.
 
هناك... لا يعود الإنسان ابن عائلة؛ ولا صاحب منصب، ولا قائدًا؛ ولا غنيًا؛ ولا مشهورًا؛ ولا فقيرًا. ولا قويًا؛ ولا ضعيفًا.
 
  بل يصير نفسًا واقفة أمام خالقها؛ لا تتكلم الألقاب، ولا تدافع الأموال، ولا تشفع الشهرة، ولا يرفع الإنسان سوى ما حمله في أعماقه من إيمان، ورجاء، ومحبة، وأمانة، ورحمة.
 
وهناك... تنكشف الحقيقة التي ظل العالم يخفيها بضجيجه.
 
  أن قيمة الإنسان لم تكن يومًا فيما كان يملك... بل فيما كان هو عليه.
 
  كم من إنسان عاش مجهولًا على الأرض... وكان معروفًا في السماء.
 
وكم من إنسان دوى اسمه في الدنيا... ولم يحمل معه إلى الأبدية إلا صدى فراغه.
 
  إن الله لا ينظر إلى حجم ما فعلناه... بل إلى مقدار الحب الذي سكن ما فعلناه.
 
  فقد تكون كلمة عزاء واحدة، قيلت بصدق، أثمن في ميزان السماء من أعمال عظيمة صنعتها الكبرياء.
 
وقد تكون دمعة خفية سالت رحمةً بإنسان مكسور، أبهى من خطابات سمعها الملايين.
 
وقد يكون رغيف خبز قُدم بمحبة، أعظم من موائد امتلأت بالمظاهر.
 
لأن الله لا يزن الأعمال بعددها..
.
بل بالروح التي وُلدت منها.
 
وعندما يوارى الجسد في القبر... يعود الجميع.
 
تغلق المقبرة أبوابها؛ وتنتهي مراسم الوداع؛ ويعود الأبناء إلى بيوتهم، والأصدقاء إلى أعمالهم، والكنائس إلى صلواتها، والمؤسسات إلى نشاطها، والشوارع إلى ازدحامها.
 
وتشرق الشمس في صباح اليوم التالي... كما كانت تشرق دائمًا، وتزهر الأشجار، ويولد أطفال جدد. ويبدأ عشاق جدد أحلامهم. 
 
  وتستمر الحياة... لأن الحياة على الأرض لم تُخلق لتتوقف عند قبر واحد.
 
أما هو... فيبقى في ذلك السكون الذي لا يشبه أي سكون.
 
سكون لا يسمعه العالم... لكن تسمعه السماء.
 
وهناك... حيث لا يبقى مع الإنسان أحد...
 
يكتشف الحقيقة التي كانت ترافقه منذ أول يوم دون أن ينتبه إليها.
 
لم يكن وحده قط؛ فالذي كان يظنه قوةً منه... كان نعمة من الله.
 
والذي كان يظنه نجاحًا شخصيًا... كان عطية من الله.
 
والذي كان يظنه ثمرة ذكائه... كان نورًا من الله.
 
والذي كان يظنه قدرته على حمل الآخرين... كان في الحقيقة لأن الله كان يحمله هو أولًا.
وهنا تسقط آخر الأوهام.
 
  لم يكن الإنسان يحمل العالم... بل كانت يد الله تحمله، وتحمل العالم معه.
 
ولذلك...
  حين سقطت من يديه الصحة... لم تسقطه يد الله.
 
وحين غادرته القوة... لم تغادره رحمة الله.
 
وحين تركه الناس عند باب القبر... لم يتركه الله.
 
  بل كانت اليد الإلهية، التي رافقته منذ أول نبضة في قلبه، هي نفسها التي أمسكت بروحه عند آخر نبضة، وقادتها، لا إلى الفراغ، بل إلى حضرة الآب، حيث لا مرض، ولا وجع، ولا دموع، ولا وداع، بل ملء الحياة في شركة المحبة التي لا تنتهي.
 
  وهكذا تنتهي رحلة الإنسان على الأرض... لكنها لا تنتهي في الله.
 
  فالذي عاش عمره كله يبحث عن معنى الحياة... يكتشف أخيرًا أن الحياة لم تكن غاية في ذاتها، بل كانت الطريق إلى الحياة الحقيقية.
 
وأن الموت، في عين الإيمان، ليس الكلمة الأخيرة... بل الباب الأخير الذي يعبر منه المؤمن إلى اللقاء الذي انتظره الله له منذ الأزل.
حين تبقى يدُ الله وحدها
 
  بعد رحلة العمر الطويلة، يقف الإنسان أخيرًا على قمة الجبل الذي صعده سنوات وسنوات، فيلتفت وراءه، فلا يرى فقط ما أنجزه، بل يرى أيضًا ما كان يجهله طوال الطريق.
 
  يرى أن كثيرًا مما كان يقلقه لم يكن يستحق كل ذلك القلق.
 
وكثيرًا مما كان يسعى إليه بكل قوته، لم يكن يستحق أن يستهلك من أجله قلبه وعمره.
 
وكثيرًا من الانتصارات التي ظنها عظيمة، لم تضف إلى إنسانيته شيئًا.
 
وكثيرًا من الهزائم التي بكى بسببها، كانت في الحقيقة بدايات لانتصارات أعمق لم يكن يراها آنذاك.
 
ويرى أيضًا أن الله، الذي ظنه أحيانًا بعيدًا في ساعات التجربة، كان أقرب إليه من أنفاسه.
 
ففي أيام الصحة، كان الله يعمل معه.
 
وفي أيام القوة، كان يسنده دون أن يشعر.
 
وفي أيام النجاح، كان يحرس قلبه من السقوط، وإن لم يدرك ذلك.
 
وفي أيام المرض، لم يكن الله يراقب ألمه من بعيد، بل كان يدخل معه إلى أعمق أعماقه، ويتألم معه بمحبة لا تستطيع الكلمات أن تصفها.
إن الله لا يقف خارج آلام الإنسان.
 
ففي سر التجسد اقترب من الإنسان حتى صار واحدًا منه.
 
وفي آلام الصليب دخل إلى أقصى أعماق الوجع الإنساني، حتى لم يعد في العالم ألم يستطيع إنسان أن يقول لله: أنت لا تعرفه.
 
لقد عرفه... وعاشه... وقدسه بحضوره. ولهذا، فإن الألم، وإن بقي موجعًا، لم يعد عديم المعنى.
 
والموت، وإن بقي يفصل الإنسان عن هذه الأرض، لم يعد نهاية الإنسان.
 
والوحدة، وإن بدت ثقيلة، لم تعد فراغًا، لأن الله يملؤها بحضوره.
 
إن الإنسان يقضي سنوات طويلة وهو يضيف إلى حياته أشياء كثيرة.
 
يضيف علمًا، ويضيف خبرة، ويضيف أصدقاء، ويضيف مسؤوليات، ويضيف ممتلكات، ويضيف نجاحات، لكن الحكمة الإلهية تعمل في الاتجاه الآخر.
  فهي تبدأ، في الوقت الذي يراه الله مناسبًا، في تجريد الإنسان مما أضافه الزمن إليه، حتى يعود كما خرج أول مرة بسيطًا، وفقيرًا، ومتكلًا على الله وحده؛ ليس لأن الله يريد أن يحرمه، بل لأنه يريد أن يحرره.
 
  فالإنسان لا يدخل الأبدية بما يملكه... بل بما صار عليه؛ ولا يدخلها بما جمع... بل بما أحب؛ ولا بما أخذه... بل بما أعطاه؛ ولا بما قيل عنه... بل بما عرفه الله فيه.
 
  ولعل أجمل ما يمكن أن يبلغه الإنسان في نهاية رحلته، أن يستطيع أن يقول، في هدوء القلب وسلام الضمير:
لقد حاولت... أن أحب أكثر مما كرهت؛ وأن أغفر أكثر مما انتقمت؛ وأن أعطي أكثر مما أخذت؛ وأن أبني أكثر مما هدمت؛ وأن أزرع أكثر مما اقتلعت؛ وأن أواسي أكثر مما أدنت؛ وأن أرفع أكثر مما أثقلت؛ وأن أكون سبب رجاء، لا سبب يأس؛ وسبب سلام، لا سبب انقسام؛ وسبب حياة، لا سبب موت.
  فإذا استطاع الإنسان أن يقول ذلك بصدق ويعيشه حقا بعمق عملي في صمت، فإنه لا يرحل فقيرًا، حتى وإن لم يترك وراءه شيئًا من ثروات الأرض؛ لأن أعظم ميراث يتركه الإنسان ليس المال... بل الإنسان الذي أصبح أفضل لأنه التقاه؛ وليست بعقارات والعمارات... بل بالقلوب التي عمرها بالمحبة؛ وليست بالشهادات... بل بالقيم التي غرسها؛ وليست بالمناصب... بل بالأمانة التي عاش بها؛ وليست بالشهرة والديكتاتورية التي تلبس قناع الديمقراطية المزيف... بل البركة التي تركها في طريقه.
 
  وهنا تبلغ الرحلة ذروتها؛ فبعد أن كان الإنسان يحمل الجميع في قلبه... يكتشف أن الله كان يحمل قلبه؛ وبعد أن كان يسهر ليؤمن الحياة لمن أحب... يكتشف أن الله كان يؤمن له الحياة الحقيقية؛ وبعد أن كان يظن أن نجاحه هو الذي يحفظ العالم من الانهيار... يكتشف أن العالم ظل قائمًا، وسيبقى قائمًا، لأن الله وحده هو الذي يحمله.
 
  وهكذا لا يعود الإنسان يخاف أن يترك شيئًا، لأنه يعلم أنه سيترك كل شيء في اليد الأمينة، يد الله؛ اليد التي لم تتعب من حمله وهو طفل، ولم تتركه وهو شاب، ولم تهمله في نجاحه، ولم تنسه في انكساره، ولم تغب عنه في مرضه، ولم ترتبك أمام موته، بل بقيت اليد نفسها... الأمينة... الحنونة... القوية... المثقوبة بمسامير الحب، اليد التي أمسكت ببطرس حين غرق، ولمست عيني الأعمى فانفتح له النور، ورفعت ابنة يايرس من الموت، وأقامت لعازر من القبر، وكسرت الخبز للجياع، وغسلت أقدام التلاميذ، وامتدت فوق خشبة الصليب لتحتضن العالم كله، إنها اليد التي لا تزال تمتد إلى كل إنسان، تقول له في كل زمان: "لا تخف... أنا معك."، "سلامي أعطيكم. ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا. لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب".
 
  وإذا كان الإنسان قد جاء إلى العالم ويداه فارغتان... فليكن رجاؤه أن يخرج منه، لا ويداه ممتلئتان بما جمع، بل وقلبه ممتلئ بمن أحب.
  لأن القلب الممتلئ بالمحبة...هو وحده الذي يستطيع أن يدخل إلى الله، دون أن يشعر بالغربة.
 
وهناك... حين يصمت الزمن، وتسكت الأرض، وتنتهي الرحلة، ويبدأ اللقاء... لن تكون الكلمة الأخيرة للموت، ولا للقبر، ولا للدموع، بل لذلك الصوت الذي يبدد كل خوف، ويملأ كل فراغ، ويحقق كل رجاء: "تعال... أيها العبد الصالح والأمين... ادخل إلى فرح سيدك." آمين.
صلاة ختامية:
 
يا الله، يا أبانا الصالح، يا من أنت بداية حياتنا ونهايتها، وأصل وجودنا وغاية رجائنا، نقف أمامك اليوم بقلوبٍ تعرّت من كل ادعاء، بعدما أدركت أن الإنسان، مهما بلغت قوته، يبقى ضعيفًا بدونك، ومهما اتسعت يداه بالعطاء، فإنهما لم تكونا لتقدما شيئًا لولا أنك أنت أولًا ملأتهما من فيض نعمتك.
  نشكرك لأنك وهبتنا الحياة، والصحة، والعقل، والقلب، والإرادة، والموهبة، وكل قدرة صالحة. نشكرك على الأسرة التي أحطتنا بمحبتها، وعلى الأصدقاء الذين شاركونا الطريق، وعلى كل إنسان جعلته سبب بركة في حياتنا، وعلى كل فرصة منحتنا إياها لنخدم، ونبني، ونحب، ونعطي.
 
  ونشكرك، لأنك لم تتركنا في أيام القوة، كما لم تتخلَّ عنا في أيام الضعف، ولم تكن معنا في ساعات الفرح وحدها، بل بقيت أمينًا أيضًا عندما زارتنا التجارب، وأثقل المرض أجسادنا، وأرهقت الأحزان قلوبنا، وضاقت أمامنا الطرق، وخُيّل إلينا أن الليل لن يعرف فجرًا.
 
  لقد كنت معنا في كل خطوة من خطوات العمر؛ في طفولتنا عندما لم نكن نعرف كيف نسير، وفي شبابنا حين امتلأت قلوبنا بالأحلام، وفي نجاحاتنا حين خفنا أن تسرقنا الكبرياء، وفي إخفاقاتنا حين أوشك اليأس أن يطفئ الرجاء، وفي مرضنا حين اكتشفنا أن الإنسان، مهما أحاط به الناس بمحبتهم، يبقى محتاجًا إلى حضورك الذي وحده يدخل إلى أعماق الألم.
 
  يا رب، لقد أعطيتنا الكثير، وأنت تعلم كم كانت رغبتنا أن نجعل من حياتنا عطية للآخرين، وأن نحمل في قلوبنا كل من وضعتهم في طريقنا؛ أهلًا وأصدقاء، وأقارب، وزملاء، وأبناء، وكل من صار جزءًا من ذاكرتنا ورسالتنا. فإن كنا قد نجحنا في أن نكون سبب عزاء لنفس، أو رجاء ليائس، أو سندًا لضعيف، أو نورًا لحائر، أو معينًا لمحتاج، أو أخًا لمتألم، فلك المجد، لأنك أنت الذي أحببت فينا، وأعطيت من خلالنا، وعملت بضعفنا.
 
  وإن كنا قد أسعدنا قلبًا، أو مسحنا دمعة، أو رفعنا إنسانًا من عثرته، أو حفظنا كرامة محتاج، أو فتحنا باب رجاء ليائس، فاجعل كل ذلك زرعًا في ملكوتك، لا يضيع منه شيء أمام عينيك، لأنك الإله الذي لا ينسى كأس ماء بارد قُدم بمحبة، ولا دمعة رحمة ذُرفت في الخفاء، ولا عمل خير صُنع لوجهك دون انتظار مجد بشري.
 
  يا رب، علّمنا ألا نتعلق بعطاياك أكثر من تعلقنا بك. فإذا منحتنا الصحة، فلا تجعلنا نتكبر بها، بل نخدم بها. وإذا أعطيتنا القوة، فلا نجعلها وسيلة للسيطرة، بل وسيلة لرفع الضعفاء. وإذا باركت عملنا، فلا تجعل النجاح يحجب وجهك عن عيوننا، بل ليقربنا إليك أكثر، ويجعلنا أكثر تواضعًا، وأكثر رحمة، وأكثر استعدادًا لبذل الذات.
 
  علّمنا أن نرى في كل موهبة أمانة، وفي كل مسؤولية رسالة، وفي كل نجاح فرصة جديدة لخدمة الإنسان الذي خلقته على صورتك ومثالك.
  علّمنا أن نعطي كما تعطي أنت؛ في صمت، دون ضجيج، ودون انتظار مديح، ودون أن نكسر قلب إنسان بعطية تُشعره بصغره. اجعل عطايانا تحفظ الكرامة قبل أن تسد الحاجة، وتزرع الرجاء قبل أن تقدم المعونة، وتعيد للإنسان ثقته بنفسه قبل أن تعالج فقره.
 
  بارك يا رب كل أبٍ وأمٍ يسهران ليؤمنا مستقبل أولادهما، وكل إنسان يعمل بأمانة ليجعل العالم أكثر خيرًا، وكل يد تمتد خفية لتعطي دون أن تنتظر شكرًا، وكل قلب اختار أن يحب بدلًا من أن يدين، وأن يغفر بدلًا من أن ينتقم، وأن يبني بدلًا من أن يهدم.
 
  بارك عائلاتنا، واجعل بيوتنا مدارس للمحبة، والإيمان، والغفران، والاحترام، والحوار، والخدمة المتبادلة. اجعل الوالدين صورةً لمحبتك الأبوية، والأبناء عطيةً مقدسة نحسن تربيتها، والإخوة سندًا بعضهم لبعض، حتى يبقى البيت المسيحي كنيسةً صغيرة، يشع منها نور الإنجيل في المجتمع كله.
  وإذا جاء يوم المرض، فامنحنا نعمة القبول دون استسلام، والصبر دون تذمر، والرجاء دون يأس. وعندما يشتد الألم، كن أنت الطبيب الذي لا يخطئ، والرفيق الذي لا يغيب، والنور الذي لا ينطفئ. وإذا عجزت الكلمات، فلتتكلم نعمتك في أعماقنا، وإذا ضعفت أجسادنا، فلتكن قوتك هي السند الذي لا يسقط.
 
  بارك كل مريض يتألم في صمت، وكل من يذرف دموعًا لا يراها أحد، وكل من يحمل في قلبه وجعًا لا تستطيع اللغة أن تصفه. كن قريبًا من الوحيد، وعزاءً للحزين، وسلامًا للخائف، ورجاءً لمن أوشك أن يفقد الرجاء. وامنح جميع من يخدمون المرضى والمتألمين قلبًا رحيمًا، وصبرًا لا ينفد، ويدين تعرفان كيف تحملان الألم بمحبة، كما حمل ابنك يسوع آلام العالم على خشبة الصليب.
 
  وعندما تقترب منا الساعة التي لا يستطيع أحد أن يؤجلها، لا تسمح للخوف أن يملك قلوبنا، بل اجعلنا نعبر من هذا العالم ونحن ممسكون بيدك، عالمين أن الذي رافقنا في الطريق لن يتركنا عند عتبة الأبدية، وأن الذي كان معنا في كل أيام العمر، سيكون معنا أيضًا في ساعة الانتقال، حتى لا يكون الموت نهاية الرجاء، بل بداية اللقاء معك.
 
  ونرفع إليك، يا رب، قلوبنا من أجل هذا العالم الذي أحببته حتى بذلت ابنك الوحيد لأجله. انظر إلى البشرية التي ما زالت، رغم ما بلغته من تقدم، تتعثر في طرق الأنانية، وتتألم من الحروب، والعنف، والظلم، والجوع، والفقر، والمرض، والانقسام، وفقدان معنى الحياة.
 
  أرسل روحك القدوس ليجدد وجه الأرض، وليبدل القلوب الحجرية بقلوب تعرف الرحمة، ويحول لغة الكراهية إلى لغة المحبة، وثقافة الانتقام إلى ثقافة الغفران، وصراع المصالح إلى خدمة الخير العام، حتى يدرك الإنسان أن أخاه الإنسان ليس منافسًا له، بل أخٌ خلقته على صورتك، ودعوته إلى الميراث الأبدي نفسه.
 
  بارك يا رب جميع الشعوب والأمم، وامنح قادة العالم حكمةً تفيض من مخافتك، ليكونوا صانعي سلام وعدل، لا صانعي انقسام وحروب. ألهمهم أن يضعوا كرامة الإنسان فوق كل منفعة، والحق فوق كل مصلحة، والمحبة فوق كل حساب، وأن يسعوا إلى حماية الضعفاء، والدفاع عن المظلومين، وصيانة قدسية الحياة البشرية منذ لحظة الحبل بها وحتى انتقالها الطبيعي إلى لقائك.
 
  ونضرع إليك من أجل كنيستك المقدسة، الواحدة، المقدسة، الجامعة، الرسولية، التي أسسها ابنك يسوع المسيح على إيمان الرسل، وجعلها سر حضوره الخلاصي في العالم. احفظها أمينة للوديعة الرسولية، ثابتة في الإيمان القويم، متجذرة في كلمتك، ومغتذية من جسد المسيح ودمه الأقدسين، حتى تبقى عبر الأجيال علامةً حيةً لملكوتك، وأداةً لوحدة البشر وخلاصهم.
 
  بارك، يا رب، قداسة البابا، خليفة القديس بطرس، وثبته في خدمته الرسولية، وامنحه الصحة والقوة والحكمة والقداسة، ليقود شعبك بروح الإنجيل، ويثبت إخوته في الإيمان، ويكون شاهدًا للمسيح في العالم كله.
 
  وبارك جميع الأساقفة، شركاءه في الخدمة الرسولية، والكهنة الذين يخدمون مذابحك وشعبك، والشمامسة، والرهبان، والراهبات، والمكرسين، والإكليريكيين، والعاملين في الحقول الرسولية، وكل المؤمنين العلمانيين، حتى يكون كل واحد منهم، بحسب دعوته، نورًا للعالم، وملحًا للأرض، ورسولًا للمحبة، وصانعًا للسلام، وشاهدًا أمينًا لإنجيل ابنك.
 
  واذكر، يا رب، جميع الكنائس المحلية، والرعايا، والعائلات المسيحية، والجماعات الرسولية، وكل من يكرزون باسمك في أماكن الخدمة والإرساليات، وخاصة أولئك الذين يبشرون في ظروف صعبة، أو يعيشون الاضطهاد من أجل اسم المسيح. قوِّ عزيمتهم، واحفظهم في نعمتك، واجعل دموعهم زرعًا لكنيسة أكثر قداسة، وأكثر وحدة، وأكثر أمانة لإنجيلك.
 
  ونصلي إليك من أجل جميع المؤمنين، لكي يثبتوا في الإيمان، وينموا في الرجاء، ويكتملوا في المحبة، ويعيشوا دعوتهم إلى القداسة في تفاصيل حياتهم اليومية، في الأسرة، والعمل، والمجتمع، فيكون الإنجيل مقروءًا في حياتهم قبل أن يُقرأ في الكتب.
 
  ونصلي أيضًا من أجل الذين فقدوا الإيمان، أو ابتعدوا عن الكنيسة، أو جرفتهم تيارات هذا العالم بعيدًا عنك. لا تنظر إلى ضعفهم، بل إلى عطشك الأبوي لعودتهم، وابحث عنهم كما بحث الراعي الصالح عن الخروف الضال، وافتح قلوبهم من جديد لسماع صوتك، حتى يجدوا فيك السلام الذي لا يستطيع العالم أن يمنحه.
 
  يا رب، لقد خلقتنا لك، ولذلك ستبقى قلوبنا قلقة ما دامت بعيدة عنك، ولن تعرف الراحة الحقيقية إلا عندما تستريح فيك. فلا تسمح أن تستعبدنا الأشياء الزائلة، ولا أن تخدعنا أمجاد هذا العالم العابرة، بل اجذب قلوبنا دائمًا إلى الخير الذي لا يزول، وإلى الحق الذي لا يتغير، وإلى المحبة التي لا تنتهي، حتى يكون وجودنا كله مسيرة دائمة نحو وجهك، وسعينا كله شوقًا إلى ملكوتك.
 
  ونضع أمام قلبك الأقدس جميع المرضى، والمتألمين، والمنكسرين، والمسنين، والوحيدين، والفقراء، والمهمشين، واللاجئين، والسجناء، والعاطلين عن العمل، وكل من أنهكتهم قسوة الحياة. كن لهم أبًا، وطبيبًا، وراعيًا، ومعزيًا، وأرسل إليهم من يعكس لهم وجه رحمتك، ليشعروا أن محبتك لا تزال تعمل في العالم من خلال قلوب أبنائك.
 
  ونتوسل إليك، يا رب، من أجل كل من انتقلوا من هذا العالم على رجاء القيامة. اذكر جميع الراقدين الذين سبقونا بعلامة الإيمان، آباءنا وأمهاتنا، وإخوتنا وأخواتنا، وأقرباءنا وأصدقاءنا، ورعاتنا ومعلمينا، وكل من أحسنوا إلينا، وكل من أحببناهم، وكل من لم يجد من يذكره بالصلاة، وكل نفس ليس لها من يصلي عنها.
 
  اغفر لهم ما كان فيهم من ضعف بشري، وطهرهم بفيض رحمتك، وأدخلهم إلى الفردوس السماوي، حيث يعاينون وجهك في نور المجد، ويتمتعون بالشركة الكاملة مع المسيح القائم من بين الأموات، ومع جميع القديسين والملائكة، حيث لا موت بعد، ولا حزن، ولا صراخ، ولا وجع، لأن الأمور الأولى قد مضت، ولأن محبتك صارت كل شيء في الكل.
 
  وأعطنا نحن السائرين بعد في دروب هذه الحياة نعمة أن نعيش دائمًا في استعداد مقدس، فلا يفاجئنا لقاؤك إلا ونحن ساهرون بالإيمان، عاملون بالمحبة، ثابتون في الرجاء، حاملون مصابيحنا مضاءة بزيت النعمة، منتظرين مجيء العريس السماوي بقلوب مملوءة سلامًا وفرحًا.
 
  ونلتجئ، بثقة الأبناء، إلى شفاعة الطوباوية الدائمة البتولية، القديسة مريم، والدة الإله وأم الكنيسة، تلك التي قالت: «ليكن لي بحسب قولك»، فعاشت الطاعة الكاملة، ووقفت بثبات عند أقدام الصليب، وشاركت الرسل انتظار الروح القدس، وصارت علامة الرجاء الثابت لشعب الله السائر في التاريخ.
  يا مريم، يا أم الرحمة، ويا أم الرجاء، ويا معزية الحزانى، ويا باب السماء، صلّي من أجلنا، ومن أجل عائلاتنا، ومن أجل الكنيسة، ومن أجل العالم كله. احملي ضعفنا إلى ابنك، وعلّمينا أن نحفظ كلمته في قلوبنا، وأن نثق به في ساعات النور كما في ليالي الألم، حتى لا ينطفئ فينا الإيمان، ولا يضعف الرجاء، ولا تبرد المحبة.
 
  ونستودع ذواتنا أيضًا لشفاعة القديس يوسف، حارس الفادي وشفيع الكنيسة الجامعة، الرجل البار الذي عاش في صمت، وأتم رسالته بأمانة كاملة. ونسأل شفاعة الرسل الأطهار، والشهداء، والمعترفين، والرعاة القديسين، والقديس أغسطينوس، معلم النعمة، وطبيب الكنيسة، والباحث الذي لم يهدأ قلبه حتى استراح في الله، والذي علّم الأجيال أن الحقيقة ليست فكرةً مجردة، بل لقاءٌ حيّ مع المسيح؛ ونسأل أيضًا شفاعة القديسين والقديسات من كل زمان ومكان، ليعضدونا بصلواتهم، ويشفعوا فينا، حتى نسير على مثالهم في طريق القداسة، ونثبت في الإيمان، وننمو في المحبة، ونبلغ معهم يومًا إلى ملء الشركة معك في ملكوتك الأبدي.
 
  واجعلنا، يا رب، أعضاءً أمناء في شركة القديسين، متحدين بالمسيح رأس الكنيسة، وسائرين مع الكنيسة المجاهدة على الأرض، ومتشفعين بالكنيسة الظافرة في السماء، وممتلئين بالرجاء من أجل إخوتنا الراقدين الذين ينتظرون ملء رؤيتك، حتى يأتي اليوم الذي تجمع فيه أبناءك من المشارق والمغارب حول مائدة الحمل، فنسبحك مع الملائكة ورؤساء الملائكة، ومع الرسل والشهداء والمعترفين، ومع القديسة مريم أمنا، والقديس يوسف، والقديس أغسطينوس، وجميع القديسين، بصوت واحد وقلب واحد، قائلين: لك المجد، أيها الآب، والابن، والروح القدس، الإله الواحد، كما كان في البدء، والآن، وكل أوان، وإلى دهر الدهور. آمين.