الأب أغسطينوس بالميلاد ميلاد سامي ميخائيل بطرس طوس
لم يكن الوطن يومًا قطعةً من تراب تحدها الخرائط، ولا اسمًا يكتبه المؤرخون في آخر الفصول، بل كان ذاكرةً تمشي على قدمين، وصلاةً تتردد في الحجر كما تتردد في القلب، ونهرًا يحفظ أسماء أبنائه كما تحفظ الأم أسماء أطفالها قبل أن يتعلموا النطق.
 
كان النيل يجري هادئًا، لا لأنه يجهل ما مر عليه، بل لأنه كان يعرف أن الماء لا يرفع صوته، ومع ذلك يصل إلى البحر. وكانت الحقول تحفظ أسماء الذين تعاقبوا عليها، وكانت الأشجار تميز بين اليد التي غرست، واليد التي قطفت، واليد التي اكتفت بالمرور.
 
وكانت الحجارة تعرف أن الزمن لا يقاس بالسنين، بل بما يبقى في الذاكرة بعد انقضاء السنين.
---
ثم جاءت على البلاد أيام لم تكن كغيرها.
لم تكن مجرد فصول تتبدل، ولا رياحًا تعبر ثم تمضي، بل كانت أيامًا أرادت أن تجعل الريح وطنًا، وأن تقنع الغبار بأنه أصل الجبل، وأن تطلب من الذاكرة أن تستأذن قبل أن تتكلم.
ومنذ ذلك اليوم...
لم تعد المدينة تنام كما كانت تنام.
وصار الجدار ينصت أكثر مما يتكلم.
وصارت النوافذ تتعلم الصمت.
وصارت الأبواب تعرف أن بعض الطارقين يبحثون عن مأوى، وبعضهم يبحث عن سلطان، أما البيت نفسه، فلم يكن يسأل أحدًا عن اسمه، بل كان ينتظر من يحفظه، ومن يصون حرمته.
---
رأيت شجرة جميز هرمة، تقف عند حافة الطريق.
قلت لها:
أما تعبت من الوقوف؟
قالت:
تعبت...
ولكن لو سقطت، فمن يشهد أن لهذه الأرض جذورًا أعمق من العواصف؟
إن الرياح مهما اشتدت لا تنبت جذورًا.
والغبار مهما ارتفع لا يصير سماء.
والظل مهما طال لا يقنع الشمس أن تغيب.
---
ثم جلست عند النيل.
قلت له:
أيها الشيخ العتيق...
لماذا تصمت؟
قال:
أنا لا أصمت.
أنا أروي كل يوم.
لكن الناس اعتادوا سماع خرير الماء، ونسوا أن للماء لغة.
كل موجة تحمل حكاية.
وكل انحناءة في مجراي تحفظ اسمًا، وصلواتٍ، ودموعًا، وآمالًا، وخيبات، ثم تمضي بها إلى البحر، حيث لا يضيع شيء مما حمله الصدق.
---
ومررت بباب قديم.
كان خشبه قد اسود من طول السنين.
قلت له:
كم رأيت؟
قال:
رأيت الداخلين والخارجين.
رأيت من حملوا خبزًا.
ورأيت من حملوا خوفًا.
ورأيت من ظنوا أن المفاتيح تمنحهم ملكية البيوت.
لكن الجميع رحلوا.
أما البيت...
فبقي.
---
وعرفت يومها أن الوطن يشبه الأم.
قد يختلف الأبناء.
وقد تتبدل الأزمنة.
وقد تتغير الأسماء.
لكن الأم لا تمحو أبناءها من قلبها.
ولا تطلب منهم أن ينسوا وجوه آبائهم.
---
إن أكثر ما يؤلم الأرض ليس تغير الوجوه.
فالوجوه تتبدل كما تتبدل الفصول.
ولكن الذي يثقل عليها أن يُطلب من الشجرة أن تنكر جذورها.
ومن النهر أن ينسى منبعه.
ومن الحجر أن يشهد بغير ما رأى.
ومن الإنسان أن يخجل من ذاكرته.
فالذاكرة ليست خصومة مع أحد.
إنها أمانة.
والحقيقة ليست سيفًا.
إنها نور.
والحرية ليست منحة يمنحها قوي لضعيف.
إنها الكرامة التي أودعها الله في كل إنسان.
---
رأيت مدنًا تغيرت ملامحها.
ورأيت طرقًا ما زالت تعرف أقدام أصحابها وإن غابوا.
ورأيت نوافذ تنتظر أصحابها كما تنتظر الأم ولدها الذي تأخر في السفر.
ورأيت أجراسًا تعلمت الصمت.
لا لأنها فقدت صوتها...
بل لأنها أدركت أن بعض الأصوات لا يسمعها إلا القلب.
---
وكان الليل يطول أحيانًا.
حتى يظن الناس أن الفجر نسي الطريق.
لكن الفجر لا ينسى.
إنه يجمع خيوطه في مكان لا تراه العيون.
ثم يأتي في اللحظة التي يظن فيها الجميع أنه لن يأتي.
---
وكانت الأرض أكثر حكمة من البشر.
لم تدخل في خصومة مع أحد.
كانت تمنح قمحها لكل من يزرع.
وتسقي كل عطشان.
وتفتح ذراعيها لكل من أحبها.
وكأنها تقول:
أنا لا أُورث لمن عبر فوقي.
بل لمن حفظ كرامة كل إنسان يعيش عليّ.
---
وحين سألت الحجارة:
لماذا صمتم كل هذا الزمن؟
قالت:
لأن الحقيقة لا تحتاج إلى ضجيج.
إنها تشبه البذرة.
تنام طويلًا.
لكنها لا تموت.
ويأتي يوم تشق فيه الصخر لتصير شجرة.
---
وعند الغروب، التفتُّ إلى النيل مرة أخرى.
كان يجري كما كان يجري منذ آلاف السنين.
فهمست:
هل ما زال في الناس رجاء؟
فابتسم الماء.
ولم يجب.
لأن ابتسامته كانت الجواب.
---
مرثية للنيل والذاكرة
يا موطني...
يا صفحةً كتبها النيل قبل أن يعرف الورق معنى الكتابة.
يا نخلةً تحفظ أسماء العابرين، ولا تسألهم من أين جاؤوا، بل ماذا تركوا في الأرض من خير.
يا حجرًا حمل فوق صدره صلوات البسطاء، وخطوات الآباء، ودموع الأمهات، ثم اختار الصمت، لأن الحقيقة لا تحتاج إلى صراخ.
---
قالت الأشجار:
لا تخف من الريح.
فالريح ترفع الغبار.
لكنها لا تخلق الجذور.
وقال النيل:
إذا رأيت الماء هادئًا،
فلا تظنه نسي.
إنه يحمل في أعماقه ما عجزت الكلمات عن حمله.
وقال الحجر:
تعلمت أن أصمت.
لكنني لم أتعلم كيف أنكر ما رأيت.
---
يا وطني...
كم مرة غابت الشمس،
وظن الناس أن الليل صار قدرًا!
لكن الفجر كان يجمع خيوطه في مكان لا تراه العيون.
---
أنا ابن نهرٍ يحفظ الأسماء ولو مُحيت من فوق الأبواب.
وأنا حفيد حجرٍ تعلم أن يصمت كي لا ينكسر، لكنه لم يتعلم كيف ينسى.
أنا ابن أرض تعرف أن الكرامة لا تُشترى.
وأن الحرية لا تُورثها السيوف.
وأن الحقيقة قد تتأخر،
لكنها لا تموت.
---
إذا ضاقت الطرق،
سأفتح في القلب نافذةً للرجاء.
وإذا تكلم الخوف،
سأدع النيل يتكلم عني.
فهو أقدم مني،
وأهدأ مني،
وأعرف مني
أن الوطن ليس ما نرثه فقط...
بل ما نحفظه بالعدل،
وبالرحمة،
وبالحرية،
وبالصدق،
وبالذاكرة التي لا تكره أحدًا،
ولا تسمح لأحد أن يطفئ نورها.
---
فسيبقى النيل يجري.
وستبقى الحجارة تتذكر.
وستبقى الأشجار تمد جذورها إلى الأعماق.
وسيأتي الطفل الذي لا يحفظ أسماء الحروب، لكنه يعرف أن الوطن بيتٌ يتسع لكل من يحرسه بالمحبة.
وسيأتي الفجر...
لا ليعيد الماضي،
بل ليصالح الذاكرة مع المستقبل.
وحينئذٍ،
لن تتكلم الحجارة وحدها...
بل ستتكلم القلوب أيضًا.