الأب أغسطينوس بالميلاد ميلاد سامي ميخائيل بطرس طوس
ليست كل العواصف تأتي من الغيو، فبعضها يأتي من أقدامٍ تعبر الحدود وهي تحمل في يدٍ راية، وفي اليد الأخرى ميزانًا لا يعرف إلا كفةً واحدة. وعندما يطول المقام بالعاصفة، ينسى كثيرون شكل السماء الأولى، ويظنون أن الريح هي القانون، وأن الغبار هو لون النهار.
كانت الأرض تعرف أسماء أبنائها، وكانت الحجارة تحفظ تراتيلهم، وكانت الأجراس والنخيل والنهر يتحدثون اللغة نفسها. ثم جاءت أيامٌ صار فيها الباب لا يُفتح إلا بمفتاحٍ جديد، وصار على الذاكرة أن ترتدي ثوبًا لا يشبهها كي تنجو من الشتاء.
لم تكن المشكلة في اختلاف الوجوه، فالأرض تتسع للعابر والمقيم، وإنما حين يطلب العابر من الشجرة أن تنكر جذورها، ومن النهر أن ينسى منبعه، ومن الطائر أن يعتذر عن أغنيته الأولى. عندها يصبح الصمت لغةً أخرى، وتغدو الهمسات أوطانًا صغيرة يختبئ فيها التاريخ.
ومع ذلك، فإن الذاكرة الحية لا تحتاج إلى صراخ. فالجذور لا تدخل في خصومة مع الريح؛ إنها تكتفي بأن تبقى أعمق منها. والحجر الذي شهد البدايات لا ينسى، حتى وإن غطّاه الطحلب، وحتى وإن مرّت فوقه مواكب لا تُحصى.
ولذلك، فإن محبة الوطن ليست خصومة مع أحد، بل وفاء للحقيقة، وإكرام لذاكرة الأرض، واحترام لكل إنسان يعيش عليها بسلام وعدل وحرية. فالأوطان تزدهر عندما لا يُكره أحد على ما يؤمن به، ولا يُحرم أحد من كرامته، ويكون اختلاف الناس سببًا للتعارف لا للتنازع.
قصيدة
يا موطني...
ما زال في كفِّ النخيلِ حكايةٌ
تأبى الرحيلْ.
مرَّت عليكَ مواسمٌ متعاقبة،
وتبدّلتْ أسماءُ ريحٍ بعد ريحْ،
لكنَّ وجهَ النيلِ
لم يتعلّمِ النسيان.
قالتْ حجارتُك القديمةُ للزمان:
قد يُخفى النقشُ،
لكنْ لا تموتُ الأصابعُ
التي كتبته.
وسيبقى الفجرُ
يعرفُ نافذتَه الأولى،
وتبقى الجذورُ
أصدقَ من ظلِّ الغصون.
فإذا تحدّثَ الصمتُ يومًا،
عرفتِ الأرضُ أبناءَها،
وعرفَ الأبناءُ
أن الحبَّ للوطن
لا يحتاجُ إلى ضجيج.





