بقلم: الأب أغسطينوس بالميلاد ميلاد سامي ميخائيل بطرس طوس
ما كرةُ القدم إلا أغنيةٌ تمشي على العشب، تعزفها أقدام البشر لتلتقي عندها القلوب قبل الأجساد. لم تولد لتقيم بين الناس أسوارًا، بل لتفتح بينهم نوافذ. ولم تُخلق ليقف الإنسان في وجه أخيه، بل ليقف إلى جواره، يصفق للمهارة، ويحترم المنافس، ويعود بعد صافرة النهاية أخًا كما كان قبلها.
ولكن ما أشد حزنها حين تمتد إليها يد السياسة لتلبسها ثوبًا ليس لها، أو حين يُستدعى الدين ليحمل ما لم يُخلق لحمله. عندئذٍ ينطفئ في الملاعب شيءٌ من نورها، ويذبل الفرح في عيون الأطفال، ويصبح الهتاف الذي وُلد للحياة صدىً للخصومة والانقسام.
ليس في الأرض منتخبٌ يحتكر السماء، ولا نادٍ يملك الحقيقة، ولا لاعبٌ تُقاس قيمته بما يعتقد، بل بما يغرسه في الملعب من شرف، وما يتركه في النفوس من احترام. فالكرة لا تسأل القدم التي تركلها: من أي دينٍ أنت؟ ولا العشب يسأل العابر فوقه: إلى أي حزبٍ تنتمي؟ إنهما يعرفان لغةً واحدة، هي لغة الإتقان واللعب النظيف.
وإن خدمة الوطن ليست وقفًا على دين، ولا حكرًا على طائفة، ولا امتيازًا تمنحه العقائد أو تسلبه. فمن كان مواطنًا مخلصًا، وأوتي الموهبة والكفاءة والقدرة، فهو أحق أن يمثل وطنه في الملعب، وأن يقوده من مقعد التدريب، أو من موقع الإدارة. فالرياضة، كما الطب والهندسة والعلوم وسائر ميادين البناء، لا تزدهر إلا إذا ارتفعت فيها الكفاءة فوق كل انتماء آخر، وصار ميزان الاختيار هو الجدارة وحدها. فالأوطان لا تنهض بالأسماء، بل بالعقول، ولا تُرفع راياتها بالشعارات، بل بسواعد أبنائها جميعًا، على اختلاف معتقداتهم، ما داموا أمناء لها ومخلصين في خدمتها.
وحين يُغذّى الجمهور بخبز التعصب بدل خبز المحبة، يتحول التشجيع إلى نارٍ تأكل أصحابها قبل خصومهم. ويغدو الانتصار غرورًا، والهزيمة إهانة، بينما هما في الحقيقة وجهان ليومٍ واحد، يتعاقبان كما يتعاقب الليل والنهار.
وإذا تسلل الفساد إلى الملاعب، ومال ميزان العدالة، وشُكِّكَ في الضمائر قبل القرارات، فإن الجرح لا يصيب فريقًا بعينه، بل يصيب روح اللعبة نفسها. فالعدالة هي القلب الذي يضخ الحياة في الرياضة، فإذا توقف نبضه، بقي الجسد قائمًا، لكنه فقد روحه.
ما أجمل أن يهتف الناس لمنتخبهم، وما أنبل أن يفرحوا بفوزه، ولكن الأجمل أن يبقى في القلب متسعٌ لاحترام المنافس. فخصم اليوم قد يصبح صديق الغد، والكأس التي ترفعها يدٌ اليوم قد ترفعها يدٌ أخرى غدًا، أما الكرامة الإنسانية فهي الكأس الوحيدة التي يجب ألا تسقط من يد أحد.
لقد جعلت الرياضة، في أزمنة كثيرة، ما عجزت عنه السياسة؛ مدت الجسور حيث ارتفعت الجدران، وأيقظت في الإنسان إنسانيته حين أوشكت الأحقاد أن تنسيه نفسه. فكيف نسمح لها أن تتحول من جسرٍ إلى متراس، ومن رسالة محبة إلى راية خصام؟
دعوا السياسة في ساحاتها، والدين في قدسيته التي تسكن الضمير وترتفع عن الخصومات، واتركوا لكرة القدم براءتها الأولى؛ فهي ليست حربًا تُخاض، بل عيدًا يلتقي فيه الغرباء فيصبحون، ولو لتسعين دقيقة، أبناء فرحٍ واحد.
فإذا ماتت هذه الرسالة في الملاعب، فلن يكون هناك غالبٌ ولا مغلوب؛ لأن الخاسر يومئذٍ لن يكون فريقًا ولا جمهورًا، بل الإنسان نفسه.
بقلم: الأب أغسطينوس بالميلاد ميلاد سامي ميخائيل بطرس طوس





