دكتور بول غبريال - راعي الكنيسة العربية الكتابية - شيكاجو
قد تبدو كلمات الرب يسوع للوهلة الأولى وعدًا مفتوحًا بلا حدود: «وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ… فَذلِكَ أَفْعَلُهُ… إِنْ سَأَلْتُمْ شَيْئًا… فَإِنِّي أَفْعَلُهُ» (يوحنا 14: 13-14). ولو اقتطعنا هذه الكلمات من سياقها، لظننا أن المسيح يمنح المؤمنين وعدًا يشبه أسطورة “مصباح علاء الدين”، وأن كل ما يخطر على بال الإنسان سيناله بمجرد أن يطلبه.
لكن هذا الفهم ينشأ حين نقرأ الكتاب المقدس بعين رغباتنا، لا بعين الروح القدس الذي أوحى به.
فالآية الكاملة تقول: «وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ بِاسْمِي فَذلِكَ أَفْعَلُهُ، لِيَتَمَجَّدَ الآبُ بِالابْنِ. إِنْ سَأَلْتُمْ شَيْئًا بِاسْمِي فَإِنِّي أَفْعَلُهُ» (يوحنا 14: 13-14).
هنا يكشف الرب عن أمرين أساسيين: شرط الاستجابة، وهدفها.
فالشرط هو أن يكون الطلب باسم يسوع. وليس المقصود مجرد أن نختم صلاتنا بعبارة: “باسم يسوع المسيح”. فالصلاة باسمه تعني أن نصلي بما ينسجم مع شخصه، وإرادته، وتعاليمه، ومقاصده. إنها صلاة يرفعها قلب يسعى إلى ما يريده المسيح، لا إلى ما تشتهيه النفس فقط.
أما الهدف فهو ما يعلنه الرب بقوله: «لِيَتَمَجَّدَ الآبُ بِالابْنِ.» وهذه العبارة هي مفتاح فهم الوعد كله، لكنها كثيرًا ما تمر علينا مرورًا سريعًا. فالرب يعد بالاستجابة عندما تكون نتيجتها تمجيد الآب من خلال الابن، لا مجرد تحقيق رغباتنا الشخصية.
ولهذا يؤكد الرسول يوحنا هذا المبدأ بقوله: «وَهذِهِ هِيَ الثِّقَةُ الَّتِي لَنَا عِنْدَهُ: أَنَّهُ إِنْ طَلَبْنَا شَيْئًا حَسَبَ مَشِيئَتِهِ يَسْمَعُ لَنَا» (1 يوحنا 5: 14). فالاستجابة الإلهية مرتبطة بمشيئة الله، لا بمجرد قوة رغبتنا أو إلحاحنا في الطلب.
والرب يسوع نفسه قدَّم لنا المثال الكامل في بستان جثسيماني، إذ صلى قائلاً: «يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ، وَلَكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا، بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ» (متى 26: 39). ففي أسمى نموذج للصلاة، كانت مشيئة الآب هي الغاية النهائية.
إن الله ليس غرضه أن يحقق كل أمنيات الإنسان، لأن يسوع المسيح ليس “جنَّ المصباح السحري”، بل هو الابن الأزلي الذي يقود أولاده إلى ما هو صالح وخيِّر وأبدي. لذلك فهو يستجيب لكل ما يتفق مع مشيئته، ويُظهر مجده، ويخدم خلاص الإنسان، حتى وإن بدت بعض الطلبات الصادقة غير مستجابة في نظرنا.
لذلك، فالسؤال الحقيقي في الصلاة ليس: ماذا أريد أنا؟ بل: ما الذي يمجد الآب من خلال الابن؟ وعندما يصبح مجد الله هو غاية قلوبنا، نصلي بثقة وسلام، لأننا نعلم أن الرب أمين لوعده، وأنه يفعل دائمًا ما هو الأفضل، في الوقت الأفضل، وللمجد الأفضل.
«وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ بِاسْمِي فَذلِكَ أَفْعَلُهُ، لِيَتَمَجَّدَ الآبُ بِالابْنِ.» (يوحنا 14: 13)





