الكسندر سابا
قبل مناقشة الاعتراض على القراءة المسيحية لقصة ذبيحة إسحاق لا بد أولًا من بيان طبيعة الرمز في النصوص الكتابية. فالرمز لا يعمل بمنطق المعادلة الحسابية المغلقة التي تقتضي أن يقابل كل شخص شخصًا واحدًا وأن تتكرر جميع تفاصيل الحدث الأول حرفيًا في الحدث اللاحق. الرمز الكتابي ليس نسخة مصغرة من المستقبل بل بنية سردية تحمل مجموعة من الدلالات ثم يكشف النص اللاحق اكتمالها في شخص المسيح وعمله. ولهذا قد تتوزع الحقيقة الواحدة على أكثر من عنصر داخل السردية نفسها فيجسد عنصر معنى البنوة ويجسد عنصر آخر معنى الذبيحة ويكشف عنصر ثالث معنى الموت أو القيامة.
ومن هنا فإن القول إن إسحاق إذا كان رمزًا للمسيح فلا يمكن أن يكون الكبش رمزًا له أيضًا يقوم على تصور ضيق للرمزية لا تعرفه النصوص الكتابية نفسها. ففي طقس يوم الكفارة في لاويين 16 يظهر تيسان ضمن عمل طقسي واحد. يُذبح أحدهما ويُقدَّم دمه للتكفير بينما توضع خطايا الشعب على الآخر ثم يُطلَق بعيدًا. لا يرمز التيسان إلى مسيحَين بل يكشفان جانبين من عمل المسيح الواحد. الأول يصور الذبيحة المسفوكة والثاني يصور حمل الخطايا وإبعادها. وفي طقس تطهير الأبرص في لاويين 14 يُذبح طائر بينما يُغمَس طائر حي في دمه ثم يُطلَق حرًا. وقد قرأت التقاليد المسيحية القديمة الطائر المذبوح بوصفه صورة للموت والطائر الحي بوصفه صورة للحياة والقيامة. فحين تعجز صورة واحدة عن تمثيل الموت والحياة معًا تتوزع الدلالة على عنصرين داخل الطقس الواحد.
وعلى هذا الأساس تُقرأ قصة تكوين 22. فإسحاق يرمز إلى المسيح من جهة البنوة. إنه الابن المحبوب وابن الموعد والذي يمضي مع أبيه إلى موضع التقدمة ويحمل حطب المحرقة ثم يُربط ويوضع على المذبح. ولهذا رأت القراءة المسيحية فيه صورة للابن الحبيب الذي حمل خشبة الصليب وقبل التقدمة. أما الكبش فيرمز إلى المسيح من جهة كونه الذبيحة التي قُدِّمت بالفعل وحملت الموت. إسحاق يكشف هوية الابن المقدَّم والكبش يكشف وظيفة الذبيحة المقدَّمة. ولا يوجد تناقض بين الأمرين لأن المسيح في الإيمان المسيحي هو الابن في علاقته بالآب وهو الحمل في علاقته بالخلاص. البنوة تصف هويته والذبيحة تصف عمله ولا تعارض بين الهوية والعمل.
أما الاعتراض القائل إن إسحاق نجا من القتل ولذلك كان ينبغي أن ينجو المسيح أيضًا فهو يتجاهل تفسير العهد الجديد نفسه للقصة. فرسالة العبرانيين تقول إن إبراهيم حسب أن الله قادر على إقامة إسحاق من الأموات وإنه أخذه أيضًا «في مثال» من بين الأموات. إبراهيم من جهة قصده وطاعته سلّم ابنه للموت ثم استعاده كأنه عاد من الموت. ولهذا لا ترمز نجاة إسحاق إلى أن المسيح لن يموت بل إلى أن الابن لا يبقى في الموت. المسار الرمزي ليس أن إسحاق لم يمت ولذلك لا يموت المسيح بل إن الابن سُلِّم للموت ثم أُعيد في مثال القيامة. فالقصة تجمع بين التقدمة والاستعادة وبين الموت في القصد والحياة في النهاية.
كذلك لا يصح الاعتراض بأن المسيح لا يمكن أن يكون الابن والخروف معًا. فالقول إن المسيح هو الابن لا ينفي أن يكون هو الذبيحة. العهد الجديد نفسه يصفه بأنه ابن الله ويصفه أيضًا بأنه حمل الله الذي يرفع خطية العالم. ويقول بولس إن المسيح أسلم نفسه لأجلنا قربانًا وذبيحة لله. فالمسيح ليس ابنًا بدلًا من أن يكون حملًا بل هو الابن الذي قدّم ذاته حملًا. إن الفصل بين الصفتين ناتج عن الخلط بين مستوى الهوية ومستوى الوظيفة. الابن يجيب عن سؤال من هو والمذبوح يجيب عن سؤال ماذا فعل.
أما القول إن إسحاق يرمز إلى البشرية وحدها لأن الكبش مات بدلًا منه فهو يحصر الرمز في مستوى واحد. إسحاق من جهة كونه ابنًا وحيدًا محبوبًا وابن الموعد وحاملًا للحطب ومقدَّمًا على المذبح يرمز إلى المسيح. ومن جهة كونه إنسانًا نجا بذبيحة بديلة يمكن أن يمثل الإنسان المفتدى. فالرمزية الكتابية قد تحمل أكثر من طبقة ولا تُختزل الشخصية في دلالة واحدة جامدة. ومع ذلك فإن البنية المسيانية الأساسية في القصة تظهر بوضوح في صورة الابن المحبوب الذي يُسلَّم للموت ثم يُستعاد في مثال القيامة.
ويبقى الاعتراض على قول المسيح «أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي فرأى وفرح» إذ يُسأل كيف يفرح إبراهيم بيوم يُقتل فيه المسيح. هذا السؤال يفصل الصليب عن القيامة ويختزل يوم المسيح في لحظة الألم وحدها. لكن الإيمان المسيحي لا يرى الصليب حادثة قتل منفصلة بل يراه جزءًا من حدث الخلاص الذي يكتمل بالقيامة. إبراهيم لم يفرح بالألم في ذاته بل بإتمام الوعد وانتصار الحياة على الموت. وقصة إسحاق نفسها لا تنتهي عند السكين ولا عند المذبح بل تنتهي بعودة الابن. لذلك فإن فرح إبراهيم يرتبط بيوم المسيح كله أي بمجيئه وتقديمه ذاته وقيامته وإتمام الوعد الذي قيل فيه إن الأمم تتبارك في نسل إبراهيم.
الاعتراض إذن يقوم على فرضية أن الرمز يجب أن يكون تطابقًا حرفيًا كاملًا وأن كل عنصر داخل القصة لا يجوز أن يحمل إلا دلالة واحدة. أما السرد الكتابي فيعمل بطريقة أكثر تركيبًا. إسحاق يرمز إلى المسيح بوصفه الابن المحبوب وابن الموعد والحامل للخشب والمسلَّم للموت والمستعاد في مثال القيامة. والكبش يرمز إلى المسيح بوصفه الذبيحة التي تُقدَّم وتحمل الموت. كلاهما لا يتنافسان على الرمز بل يكمل أحدهما الآخر. إسحاق يكشف من هو المقدَّم والكبش يكشف كيف تتم التقدمة. وفي المسيح يلتقي الاثنان لأنه هو الابن وهو الحمل وهو الذي يدخل الموت ولا يبقى فيه.





