الكسندر سابا
من «الجماعة الدينية» إلى «الجماعة الوطنيّة»: قراءةٌ في نموذجٍ فكريّ، لا في خصومةٍ شخصيّة
تمهيد منهجي
تقوم هذه الدراسة على التمييز بين التاريخ الوصفي والتقويم المعياري؛ فهي لا تبحث في صلاح الأشخاص أو نياتهم، ولا في شرعية كل موقف سياسي اتخذته الكنيسة في ظروفه التاريخية، وإنما تحلل تطور نموذج التمثيل السياسي للأقباط كما ظهر في النصوص والوقائع المنشورة. ولذلك فإن كل حكم يرد في هذه الصفحات ينصرف إلى البنية التاريخية وآلياتها، لا إلى الضمائر أو المقاصد الشخصية. فالبحث هنا ليس محاكمةً للماضي، بل تفكيكًا لآليات تشكّله، واستخلاصًا لدروسٍ تمتد إلى الحاضر والمستقبل.
تمهيد: من يتكلّم باسم القبطيّ؟
لا تكمن أهميّة سمير مرقس في أنّه أضاف صوتًا جديدًا إلى الأصوات المدافعة عن حقوق الأقباط، بل في أنّه أعاد بناء السؤال نفسه: فبدلًا من أن يسأل مَن يمثّل الأقباط أمام الدولة، سأل كيف يحضر المصريّ المسيحيّ في الدولة بوصفه مواطنًا؛ وبدلًا من أن ينطلق من «الجماعة القبطيّة» باعتبارها وحدةً سياسيّةً متجانسة، انطلق من المواطن الفرد، المتعدّد الانتماءات والمصالح والمواقع الاجتماعيّة، والمنخرط مع غيره في جماعةٍ وطنيّة واحدة.
بهذا المعنى نقل مرقس «المسألة القبطيّة» من حقل الشكوى والتمثيل الطائفيّ إلى حقل النظريّة السياسيّة والاجتماعيّة، وصاغ لها جهازًا مفاهيميًّا يدور حول المواطنة، والاندماج الوطنيّ، والتعدّديّة، والمجال العامّ، والدولة الحديثة. غير أنّ هذه المواطنة لا تعني عنده ذوبان الانتماء المسيحيّ، ولا عزل المواطن عن مؤسّساته الأهليّة والدينيّة، بل تعني ألّا يتحوّل الانتماء الدينيّ إلى تفويضٍ سياسيّ دائم، وألّا تحتكر مؤسسةٌ واحدة حقّ التحدّث باسم مواطنين تختلف مواقعهم ومصالحهم واختياراتهم.
أولًا: التكوين والمسار
المواطنة من داخل الخبرة الكنسيّة
ينتمي سمير مرقس إلى جيلٍ من المثقّفين الأقباط الذين تكوّن وعيهم في تقاطع العمل الأهليّ، والتنمية المجتمعيّة، والحوار الإسلاميّ المسيحيّ، والبحث في علاقة الدين بالدولة الحديثة. ولم يتشكّل مشروعه خارج الكنيسة أو في خصومة معها؛ فقد عمل مستشارًا للبرنامج الشامل للتنمية في أسقفيّة الخدمات الاجتماعيّة، وأسهم في تأسيس المركز القبطيّ للدراسات الاجتماعيّة، ثم أسّس داخله وحدةً لدراسات المواطنة ووحدةً للحوار الإسلاميّ المسيحيّ على قاعدة المواطنة. وتولّى كذلك موقع الأمين العامّ المشارك لمجلس كنائس الشرق الأوسط. وهذه الخبرة تكشف أنّ نقده للتمثيل الطائفيّ لم يصدر عن رفض الكنيسة، بل عن محاولة تحريرها من أعباء الدور السياسيّ الذي تجاوز اختصاصها الأصليّ. (1)
واتّصل تكوينه اتصالًا مباشرًا بمدرسة المستشار وليم سليمان قلادة، الذي كان مرقس يصفه بـ«أستاذنا»، ويستعيد مشروعه في بناء المواطنة المصريّة وربطها بحركة المحكومين نحو المساواة والمشاركة. ولم تكن صلته بقلادة مجرّد إحالةٍ ثقافيّة، بل حوارًا فكريًّا ممتدًّا حول مقوّمات الجماعة الوطنيّة والدولة والتعدّديّة والتاريخ. ومن هذا الخطّ ورث مرقس الفكرة المركزيّة القائلة إنّ الأقباط ليسوا جماعةً سياسيّة موازية للأمّة، بل مكوّن أصيل في تاريخ تكوّنها الحديث. (2)
وامتدّ حضوره عبر مؤسّسات الحوار الأهليّ والمسكونيّ ومراكز البحث، ونال سنة ٢٠٠٤ الجائزة السنويّة و«دبلوما» الأكاديميّة النرويجيّة للآداب وحرّيّة التعبير، تقديرًا لإسهامه في بناء الجسور في العلاقات الإسلاميّة المسيحيّة. ثم انتقل مشروعه من المجال الفكريّ إلى اختبار المسؤوليّة العامّة: فعُيّن نائبًا لمحافظ القاهرة للمنطقة الشماليّة بين أغسطس ٢٠١١ وأغسطس ٢٠١٢، ثم اختير في ٢٧ أغسطس ٢٠١٢ مساعدًا لرئيس الجمهوريّة لملفّ التحوّل الديمقراطيّ، فكان أوّل مسيحيّ يتولّى منصب مساعد رئيس الجمهوريّة في مصر. (3)
وكان قد استقال قبل ذلك من الجمعيّة التأسيسيّة للدستور اعتراضًا على منطق الغلبة وطريقة التشكيل، ثم استقال في نوفمبر ٢٠١٢ من منصبه الرئاسيّ عقب الإعلان الدستوريّ الذي رأى فيه إخلالًا بالتوازن بين السلطات وتأسيسًا لسلطةٍ متغوّلة. وفي هاتين الاستقالتين ظهرت المواطنة عنده لا بوصفها شعارًا أخلاقيًّا، بل موقفًا دستوريًّا يقدّم المبدأ على الموقع. (4)
ثانيًا: الجهاز المفاهيميّ
المواطنة حركةٌ لا بطاقة هويّة
يقوم مشروع مرقس على أنّ المواطنة ليست منحةً تقدّمها الدولة لجماعةٍ دينيّة، ولا امتيازًا تتوسّط في طلبه قيادةٌ روحيّة، وليست كذلك مجرّد مساواةٍ نظريّة أمام القانون. إنّها، في تعريفه المتكرّر، حركة المواطن اليوميّة ومشاركته ونضاله من أجل حقوقه المدنيّة والسياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة، على قاعدة المساواة والاندماج في الوطن.
ومن هنا لا ينظر مرقس إلى المواطن باعتباره ذرّةً معزولة لا تربطها بالمجتمع روابط، بل باعتباره كائنًا مركّب الانتماء: فقد يكون مسيحيًّا في إيمانه، وعاملًا أو مهنيًّا في موقعه الاجتماعيّ، وعضوًا في حزب أو نقابة، ومنتميًا إلى طبقةٍ أو إقليمٍ أو مدرسة فكريّة. ولذلك لا يصحّ اختزال جميع الأقباط في مصلحةٍ سياسيّة واحدة؛ لأنّ وحدة الإيمان لا تنتج بالضرورة وحدة الموقف الاجتماعيّ أو الاقتصاديّ أو الحزبيّ.
وقد بسط مرقس هذه الرؤية في عددٍ من مؤلّفاته، منها: «الآخر… الحوار… المواطنة»، و«المواطنة والتغيير: دراسة أوليّة حول تأصيل المفهوم وتفعيل الممارسة»، و«المواطنة والهويّة: جدل النضال والإبداع في مصر»، فضلًا عن العبارة التي غدت تلخيصًا لمشروعه: «مواطنة بغير أوصياء أو وسطاء». (5)
غير أنّ رفض الوصاية لا يعني إلغاء الوسائط المؤسسيّة من الحياة السياسيّة؛ فالديمقراطيّة الحديثة لا تقوم على علاقةٍ عارية بين الفرد والدولة، بل على أحزابٍ ونقاباتٍ وجمعيّاتٍ ومؤسّسات مجتمعٍ مدنيّ. الفارق أنّ هذه الوسائط تعدّديّة، وطوعيّة، وقابلة للمساءلة والتغيير، ولا تستمدّ شرعيّتها من انتسابٍ دينيّ لا يختاره الفرد سياسيًّا. ولذلك فالمشكلة ليست في وجود وسيط، بل في احتكار وسيطٍ واحد تمثيل جماعةٍ دينيّة بأسرها.
ويعمل مفهوم الوصاية عند مرقس في اتجاهين متكاملين: فهو يرفض وصاية الدولة حين تتعامل مع الأقباط بوصفهم «ملفًّا» أمنيًّا أو طائفيًّا يُدار بالاحتواء والترضية، ويرفض في الوقت نفسه تحوّل المؤسسة الدينيّة إلى ممثّلٍ شامل للمواطنين في حقوقهم المدنيّة والسياسيّة. فحين تفاوض الدولة رأس الجماعة بدلًا من تطبيق القانون على أفرادها، تشتري هدوءًا مؤقّتًا، لكنها تؤجّل بناء المواطنة وتعيد إنتاج الطائفة.
وفي الدراسة المشتركة التي وضعها مع سامح فوزي بعنوان «إدارة التعدّديّة الدينيّة: الأقباط في مصر نموذجًا»، تحوّلت الحالة القبطيّة إلى مختبرٍ لسؤالٍ أعمّ: هل تُدار التعدّديّة بمنطق المساواة والاندماج، أم بمنطق الحماية والإدارة الفوقيّة؟ وفي كتاب «الحماية والعقاب: الغرب والمسألة الدينيّة في الشرق الأوسط» تتبّع الوجه الخارجيّ للمشكلة، حيث يمكن أن تتحوّل حماية الأقليّات إلى أداةٍ في الصراع الدوليّ، فتُفكّك الجماعة الوطنيّة باسم الدفاع عن أحد مكوّناتها. (6)
ثالثًا: تحولات التمثيل القبطي
من «اصطناع الأقلّيّة» إلى «اختراع الملّة»
يبلغ مشروع مرقس أكثر صيغه وضوحًا في نقده لما سمّاه «اختراع الملّة»: أي إعادة تكوين الأقباط بوصفهم كتلةً دينيّة متجانسة، لها ممثّلٌ واحد ومصالح واحدة ومجالٌ عامّ شبه مستقلّ، في صورةٍ تستعيد منطق التنظيم الملّيّ السابق على الدولة الحديثة.
ولا يقدّم مرقس هذا التحوّل بوصفه نتيجة نصٍّ لاهوتيّ أو مؤامرةٍ كنسيّة، بل بوصفه ثمرة مسارٍ سياسيّ. فقد أدّى حلّ الأحزاب في يناير ١٩٥٣، واختفاء العمل السياسي البرلماني المستقل، وتحوّل الرئيس إلى المصدر الوحيد للقرار والتفاوض، إلى تجفيف قنوات المشاركة المستقلّة. فتعاملت الدولة مع العمال عبر تنظيمهم الرسميّ، ومع القطاعات الاجتماعيّة عبر أجهزتها، ومع الأقباط تدريجيًّا عبر الكيان الدينيّ.
وقد صاغ مرقس هذه النقلة في مقاله المحوري "من اصطناع الأقلّية إلى اختراع الملة" (٢٠١٠) بعبارات واضحة: فبعد أن تعاملت الدولة مع الأقباط ككتلةٍ متماثلة، انتقلت في مرحلةٍ لاحقة إلى التعامل معهم «كجماعة دينيّة يتمّ التعامل معها عبر الكيان الدينيّ». وكان هذا التحول نتيجة تغير بنية الدولة أكثر مما كان نتيجة قرار كنسي منفرد. وهكذا اقتربت ممارسات الدولة، في بعض جوانبها، من إعادة إنتاج منطق الملّة العثمانية، وإن في سياق سياسي مختلف. وفي مواجهة ذلك قرّر مرقس قاعدته الحاسمة: «الأقباط مواطنون في المقام الأوّل وأعضاء في الجماعة الوطنيّة»، لا جماعةً مستقلّة ولا كتلةً مغلقة. (7)
بهذا التحليل لا تصبح الكنيسة هي العلّة الوحيدة في نشوء التمثيل الطائفيّ؛ فالنظام السياسي نفسه كان في حاجة إلى مخاطَبٍ واحد يسهّل الضبط والتفاوض، كما كان ضعف الأحزاب والمجتمع المدنيّ يدفع المواطنين إلى الاحتماء بأكثر المؤسسات تماسكًا واستمرارًا. وهكذا تكوَّنت معادلةٌ تاريخيةٌ أعادت توزيع أدوار الدولة والكنيسة والمواطن، فحققت استقرارًا نسبيًا على المدى القصير، لكنها نقلت الكلفة البنيوية إلى المواطن على المدى البعيد.
وقد ترسّخ هذا النموذج خلال العقود التي تزامنت مع قيادة البابا شنودة الثالث للكنيسة القبطية، في إطار عقدٍ ضمنيٍّ ثلاثي الأطراف، لم يصنعه طرفٌ واحد، وإنما تغذّتْه سياسات النظام السياسي، وضعفُ المشاركة، وحاجةُ المجتمع إلى الحماية في غياب قانونٍ عادل. ولذلك فإن الحديث هنا لا يدور حول مسؤولية فرد بعينه، بل حول الكيفية التي تتفاعل بها الدولة والمؤسسات الدينية والجماعات الاجتماعية في إنتاج أنماطٍ مستقرة من التمثيل السياسي. ولا يُقرأ هذا التحليل إنكارًا للدور الوطني الذي أدّته الكنيسة في مراحل تعرّض فيها الأقباط لضعف الحماية القانونية؛ فالغرض ليس محاكمة الاستجابات الطارئة بمعايير الأنظمة المستقرة، بل تتبّع تحوّل هذا الدور من استجابةٍ ظرفية إلى نموذجٍ دائمٍ للتمثيل السياسي، ومن دفاعٍ عن المضطهدين إلى ترسّخ وظيفة التمثيل السياسي العام.
ولا يعني ذلك إخراج الكنيسة من الشأن العامّ أو حرمانها حقّ الدفاع عن أبنائها حين يتعرّضون للاضطهاد؛ بل يعني التمييز بين نوعين من المسائل. فهناك شؤون ذات طبيعة كنسيّة أو دينيّة تتحدّث فيها المؤسسة بصفتها المختصّة، وهناك حقوق مدنيّة وسياسيّة ينبغي أن يمارسها المواطن المسيحيّ مع سائر المواطنين من خلال القانون والأحزاب والنقابات والحركات المدنيّة. وقد شدّد مرقس نفسه على التمييز بين المشكلات الدينيّة التي يمكن للكيان الدينيّ التحاور بشأنها، والمشكلات المدنيّة التي يتعرّض لها المسيحيّ في المجال العامّ بسبب انتمائه الدينيّ. (
رابعًا: الاقتصاد النفسيّ للحماية
يمكن استكمال تحليل مرقس بقراءةٍ نفسيّة اجتماعيّة لا تُنسب إليه نصًّا، لكنها تساعد على تفسير رسوخ النموذج الملّيّ. ففي المجتمعات التي يضعف فيها القانون وتضيق قنوات المشاركة، لا يكون الاحتماء بالجماعة الدينيّة مجرّد خطأ فكريّ؛ بل يصبح استجابةً دفاعيّةً للخوف وانعدام الأمان. فالمؤسسة المتماسكة تمنح الفرد معنى الانتماء، وشبكة الحماية، وصوتًا أعلى من صوته المنفرد.
ويعمل هذا النموذج على تخفيف «قلق المواطنة»: أي القلق الملازم للخروج إلى مجالٍ عامّ تنافسيّ، وتحمّل مسؤوليّة الاختيار، والتفاوض مع المختلف، واحتمال الفشل. فالوسيط الحامي يقدّم طمأنينةً نفسيّة، لكنه قد ينقل موضع الفاعليّة من الداخل إلى الخارج؛ فيعتاد المواطن انتظار الحلّ من الأب المؤسسيّ بدلًا من بناء أدوات حضوره بنفسه.
ولا تكون هذه الحماية زائفةً بالضرورة؛ فقد تنشأ استجابةً لاضطهادٍ واقعيّ وعجزٍ حقيقيّ في الدولة. غير أنّ الدفاع المؤقّت قد يتحوّل مع الزمن إلى بنية اعتمادٍ دائمة، فتصير الحماية بديلًا من الحقّ، والطمأنة بديلًا من المشاركة، والانتماء المحروس بديلًا من النضج المدنيّ.
ومن هنا كانت دعوة المواطنة بلا أوصياء شاقّة؛ لأنّها لا تطالب الدولة فقط بأن تطبّق القانون، ولا الكنيسة فقط بأن تضبط حدود دورها، بل تطالب المواطن نفسه بالانتقال من موقع المتلقّي المحميّ إلى موقع الفاعل المسؤول. إنّها لا تنتزع عنه انتماءه، بل تخرجه من سكون الانتماء إلى مخاطرة المشاركة.
خامسًا: سمير مرقس والبابا شنودة
ختلاف النموذج لا خصومة الأشخاص
في حدود النصوص والمواقف المنشورة التي يمكن التحقّق منها، لا يصحّ تقديم العلاقة بين سمير مرقس والبابا شنودة الثالث بوصفها خصومةً شخصيّة أو سجالًا معلنًا. لم يظهر في المادة التي راجعتها نصٌّ مباشر يهاجم فيه مرقس شخص البابا، أو واقعة قطيعةٍ موثّقة، أو نزاعٌ شخصيّ يصلح أساسًا لبناء الدراسة.
الأدقّ هو الحديث عن اختلافٍ بين منطقين. فتلك المرحلة التي تكرّس فيها هذا الدور، ولا سيما في عهد البابا شنودة الثالث، تزامنت مع رسوخ الدور العامّ للكنيسة بوصفها المخاطَب الأبرز للدولة في الشأن القبطيّ، ومع تنامي صورة البابا باعتباره الصوت الجامع للأقباط. أمّا نموذج مرقس فينطلق من أنّ المسيحيّ لا يُمثَّل سياسيًّا بسبب معموديّته، وأنّ وحدة العقيدة لا تنتج وحدةً حزبيّة أو اجتماعيّة، وأنّ الرأس الروحيّ لا يتحوّل تلقائيًّا إلى وكيلٍ سياسيّ عن جميع المؤمنين.
لكنّ هذا التعارض لا ينبغي تفسيره بوصفه اتهامًا للبابا باختراع البنية من العدم؛ فقد ورث البابا شنودة نظامًا سياسيًّا مغلقًا، ودولةً تفضّل مخاطبة القيادات المركزيّة، ومجتمعًا يشهد توتّرات دينيّة متكرّرة، وجمهورًا قبطيًّا يطلب الحماية. وقد أسهمت هذه الشروط كلّها في توسيع الدور البابويّ، حتى اختلط في الوعي العامّ التمثيل الروحيّ بالتمثيل السياسيّ.
ومن ثمّ فإنّ نقد مرقس يطال المعادلة بأطرافها الثلاثة: الدولة التي تستسهل الوسيط، والمؤسسة التي قد تتوسّع في شغل الفراغ، والمواطن الذي قد يستبدل بالمشاركة تفويضًا دائمًا. بل إنّ عمل مرقس نفسه داخل أسقفيّة الخدمات والمركز القبطيّ للدراسات الاجتماعيّة ومجلس كنائس الشرق الأوسط يكشف أنّه لم يرَ الكنيسة نقيضًا للمواطنة. كان السؤال عنده سؤال حدود: كيف تكون الكنيسة كنيسةً كاملة الحضور والرسالة، من غير أن تتحوّل إلى حزب؟ وكيف تدافع عن المظلوم، من غير أن تصادر صوته؟ وكيف تخدم المواطن، من غير أن تحلّ محلّه؟
سادسًا: الاختبار العمليّ
حين دخلت النظريّة إلى القصر
أتاحت التجربة السياسيّة لمرقس فرصةً نادرة لاختبار أفكاره. ولا شكّ في أنّ تعيين مسيحيّ مساعدًا لرئيسٍ ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين حمل دلالةً رمزيّة على التنوّع؛ لكنّ الملفّ الذي أُسند إليه لم يكن ملفًّا طائفيًّا، بل «التحوّل الديمقراطيّ». وهذه دلالة مهمّة: فقد دخل الموقع بوصفه صاحب اختصاصٍ سياسيّ، لا مسؤولًا عن «شؤون الأقباط».
وكان قبوله المنصب رهانًا على إمكان الانتقال من شرعيّة الغلبة إلى شراكةٍ دستوريّة. لكنّ الإعلان الدستوريّ الصادر في نوفمبر ٢٠١٢، وما تضمّنه من تحصين قرارات الرئيس وإضعاف الرقابة القضائيّة، أصاب القاعدة التي قام عليها هذا الرهان. وقد ذكر مرقس لاحقًا أنّ الإعلان لم يُعرض عليه رغم مسؤوليته عن ملفّ التحوّل الديمقراطيّ، وأنّه رأى فيه تأسيسًا لدولة اللون الواحد وشرعيّة الإكراه؛ فكتب استقالته وغادر الموقع. (9)
وتكشف الاستقالة عن جوهر مفهومه للمواطنة: فهي ليست مجرّد وصول المسيحيّ إلى المنصب، لأنّ الحضور الرمزيّ قد يتحوّل إلى زينةٍ للسلطة؛ بل هي قدرة شاغل المنصب على ممارسة مسؤوليته، والاعتراض، والمحاسبة، والخروج حين يصبح بقاؤه غطاءً لما يرفضه.
وكانت استقالته السابقة من الجمعيّة التأسيسيّة للدستور تحمل المنطق نفسه. فقد رفض أن تُكتب الوثيقة المؤسِّسة للجماعة الوطنيّة بمنطق الأكثريّة العدديّة والغلبة السياسيّة؛ لأنّ الدستور ليس برنامج حزبٍ منتصر، بل عقدٌ يؤمّن حقوق المختلفين ويحدّ السلطة قبل أن ينظّمها.
ثم اختير سنة ٢٠٢٢ عضوًا في مجلس أمناء الحوار الوطنيّ، مستعيدًا الموقع الذي لازم مشروعه: لا ممثّلًا دينيًّا عن الأقباط، بل باحثًا ومفكّرًا وشريكًا في إدارة حوارٍ يخصّ الجماعة الوطنيّة كلّها. (10)
سابعًا: تقويمٌ نقديّ
قوّة النموذج وحدوده
تكمن القوّة الأولى في مشروع مرقس في تغييره وحدة التحليل. فبدل أن يبدأ من «الأقباط» بوصفهم جسمًا متجانسًا، يبدأ من المواطن المتعدّد المواقع، وبذلك يخرج من ثنائيّة المظلوميّة والإنكار: فلا ينكر وجود تمييزٍ دينيّ، لكنه لا يحوّل ضحاياه إلى كيانٍ سياسيّ منفصل.
وتكمن قوّته الثانية في أنّه لا يختزل المواطنة في المساواة القانونيّة الشكليّة؛ بل يربطها بالمشاركة وتكافؤ الفرص والحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة. فالمواطن الذي يملك نصًّا دستوريًّا ولا يملك طريقًا إلى الوظيفة أو البرلمان أو المجال العامّ لم تكتمل مواطنته.
كما ينجح مرقس في التمييز بين الاعتراف بالتعدّديّة وتحويلها إلى نظامٍ طائفيّ. فالتعدّديّة تعترف بأنّ المجتمع يتكوّن من هويّاتٍ دينيّة وثقافيّة متنوّعة؛ أمّا الطائفيّة فتحوّل هذه الهويّات إلى وحداتٍ سياسيّة مغلقة، وتوزّع الحقوق والسلطة على أساسها.
لكنّ النموذج يواجه في الوقت نفسه سؤال الانتقال المؤسسيّ: كيف يمكن تفكيك احتكار التمثيل الكنسيّ في بيئةٍ لا توجد فيها أحزاب قويّة أو نقابات مستقلة أو ضمانات قانونيّة كافية؟ وكيف يُطلب من المواطن مغادرة الحِمى قبل أن تهيّئ له الدولة مجالًا عامًّا آمنًا؟ إنّ الدعوة إلى الاستقلال الفرديّ لا تكفي إن لم تُبنَ المؤسسات التي تجعل هذا الاستقلال قابلاً للحياة.
كما ينبغي الحذر من تحويل المقابلة بين «الجماعة الدينيّة» و«الجماعة الوطنيّة» إلى ثنائيّة إقصائيّة؛ فالمواطن لا يغادر جماعته الدينيّة لكي يدخل الوطن، ولا يتخلّى عن ذاكرته الكنسيّة لكي يكتسب حقوقه. المطلوب هو ترتيب دوائر الانتماء وترسيم اختصاصاتها: الكنيسة جماعة إيمانٍ وعبادةٍ وخدمة، والوطن جماعة مواطنةٍ وقانونٍ ومصيرٍ سياسيّ مشترك.
كذلك ليست كلّ وساطةٍ وصايةً؛ فالأحزاب والنقابات والجمعيّات وسائط ضروريّة لحماية الفرد من تغوّل الدولة. الوصاية تبدأ حين يصبح الوسيط إلزاميًّا، وحين يتحدّث باسم أشخاص لم يفوّضوه، وحين يستمدّ حقّه السياسيّ من سلطته الدينيّة، وحين لا يستطيع المواطن مخالفته من غير أن يُتَّهم في إيمانه أو انتمائه.
ومن ثمّ يظلّ مشروع مرقس مشروعًا تأسيسيًا يسبق اكتمال شروطه الواقعيّة. وليس هذا نقصًا خالصًا؛ فوظيفة الفكر ليست فقط وصف الممكن القائم، بل حفظ المعيار الذي يكشف مقدار انحراف الواقع. غير أنّ المعيار يحتاج دائمًا إلى برنامجٍ مؤسسيّ: قانونٍ عادل، وأحزابٍ حقيقيّة، وتعليمٍ مدنيّ، وإعلامٍ غير طائفيّ، ومؤسساتٍ دينيّة تدرك أنّ قوّتها الروحيّة تزداد حين تتحرّر من وظيفة التمثيل السياسيّ الشامل.
من يحمي المواطن من الحماية؟
يبقى سمير مرقس واحدًا من أكثر المفكّرين المصريّين اكتمالًا في صياغة الانتقال من القبطيّ بوصفه عضوًا في جماعةٍ دينيّة تُمثَّل من فوق، إلى القبطيّ بوصفه مواطنًا يشارك من الداخل. ولم يكن مشروعه دعوةً إلى تقليص الكنيسة أو تهميش الهويّة المسيحيّة، بل إلى تحرير الكنيسة من تحوّلها إلى حزب، وتحرير المواطن من اختزاله في رعيّة، وتحرير الدولة من إدارة التنوّع بمنطق التفاوض مع الرؤوس.
وعليه، فالمسافة بين مرقس وبين العصر الذي ترسخ فيه هذا النموذج التمثيلي، ولا سيما في عهد البابا شنودة الثالث، ليست — في حدود ما تثبته النصوص — خصومة شخصيّة بين مفكّر وبطريرك، بل توتّرٌ بين نموذج التمثيل الكنسيّ الجامع ونموذج المواطنة التعدّديّة. الأوّل نشأ استجابةً لفراغٍ سياسيّ وخوفٍ اجتماعيّ وحاجةٍ إلى الحماية؛ والثاني يطالب ببناء دولةٍ لا يحتاج فيها المواطن إلى الاحتماء بحقّه من الدولة بواسطة مؤسسةٍ أخرى.
ولعلّ السؤال الأعمق الذي يتركه مرقس ليس: مَن يدافع عن الأقباط؟ بل: ما النظام الذي يجعل الأقباط والمسلمين قادرين على الدفاع عن حقوقهم معًا؟ وليس: مَن يتكلّم باسم الجماعة؟ بل: كيف يُستعاد لكلّ مواطن صوته، من غير أن يفقد انتماءه أو يُترك وحيدًا أمام السلطة؟
في هذا الانتقال من الحماية إلى الحق، ومن التفويض إلى المشاركة، ومن الملّة إلى الجماعة الوطنية، تتجلّى القيمة الدائمة لمشروع سمير مرقس: أن يكون المسيحي كامل الانتماء إلى كنيسته، وكامل الأهليّة في وطنه، من غير أن تُبتلع الكنيسة في السياسة، أو يُبتلع المواطن في الجماعة. وهكذا يغدو مشروعه دعوةً إلى بناء المواطنة بوصفها شراكةً وطنيةً جامعة، لا تفاوضًا دائمًا بين جماعاتٍ مغلقة.
المراجع الأساسية
أولاً: مؤلفات سمير مرقس (مرتبة زمنياً)
- «الحماية والعقاب: الغرب والمسألة الدينية في الشرق الأوسط»، ميريت، ٢٠٠٠.
- «الإمبراطورية الأمريكية: ثلاثية الثروة والدين والقوة»، مكتبة الشروق الدولية، ٢٠٠٣.
- «الآخر… الحوار… المواطنة»، مكتبة الشروق الدولية، ٢٠٠٥.
- «المواطنة والتغيير: دراسة أوليّة حول تأصيل المفهوم وتفعيل الممارسة»، مكتبة الشروق الدولية، ٢٠٠٦.
- «من اصطناع الأقلية إلى اختراع الملة»، جريدة الشروق، ٥ مايو ٢٠١٠.
- «ما هي مشاكل الأقباط؟ ثانياً: المشاكل المدنية»، ٢٦ يناير ٢٠١١.
- (بالاشتراك مع سامح فوزي) «إدارة التعددية الدينية: الأقباط في مصر نموذجاً»، سلسلة مراصد، مكتبة الإسكندرية، ٢٠١٣.
- «مقومات الأوطان وروح الشعوب».
- «تسعينية وليم سليمان قلادة».
- «وليم سليمان قلادة: أيقونة المواطنة الحية».
- «المواطنة والهوية: جدل النضال والإبداع في مصر».
ثانياً: الدراسات المرجعية
- وليم سليمان قلادة، «مبدأ المواطنة».
- وليم سليمان قلادة، «المواطنة المصرية: حركة المحكومين نحو المساواة والمشاركة».
- السيرة الذاتية المنشورة على الموقع الرسمي لسمير مرقس.
- إعلان تشكيل الفريق الرئاسي، ٢٧ أغسطس ٢٠١٢.
- شهادة سمير مرقس حول استقالته من الجمعية التأسيسية للدستور (يونيو ٢٠٢٣).
- حوار سمير مرقس في جريدة «المصري اليوم» (٢٠١٣).
ثالثاً: المصادر الصحفية والوثائقية
- التغطيات المعاصرة لتعيين سمير مرقس مساعداً لرئيس الجمهورية (أغسطس ٢٠١٢).
- التغطيات المعاصرة لاستقالة سمير مرقس من منصب مساعد الرئيس (نوفمبر ٢٠١٢).
- إعلان تشكيل مجلس أمناء الحوار الوطني (يونيو ٢٠٢٢).
اعتمدت الدراسة على النصوص الأصلية المنشورة لسمير مرقس، مع الرجوع إلى الوثائق الرسمية والتغطيات المعاصرة في الوقائع التاريخية ذات الصلة.
ملخص الدراسة
تقدم هذه الدراسة قراءة تحليلية لمشروع سمير مرقس الفكري في إعادة تعريف المواطنة المصرية، من خلال تتبع تطور نموذج التمثيل السياسي للأقباط من «الجماعة الدينية» إلى «الجماعة الوطنية». تستند الدراسة إلى التمييز المنهجي بين نقد البنية ونقد الأشخاص، فتركز على تحليل الآليات التاريخية التي أنتجت نموذج التمثيل الكنسي الجامع، بدلاً من التركيز على الخصومة الشخصية المفترضة بين مرقس والبابا شنودة الثالث. وتخلص الدراسة إلى أن قيمة مشروع مرقس لا تكمن في معارضته نموذجاً بعينه، بل في محاولته إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والمؤسسة الدينية والدولة على أساس المواطنة لا الوصاية، وفي دعوته إلى بناء شراكة وطنية جامعة بدلاً من التفاوض الدائم بين جماعات مغلقة.





