بقلم/ هاني صبري - الخبير القانوني والمحامي بالنقض
أصبح التصالح الجنائي خلال السنوات الأخيرة أحد أهم الوسائل التي انتهجها المشرع المصري لتحقيق الصلح في الجرائم المنصوص عليها في المادة 18 مكرر أ من قانون الإجراءات الجنائية، وتخفيف العبء عن المحاكم، وإنهاء بعض المنازعات الجنائية التي يغلب عليها الطابع الشخصي أو المالي، إلا أن هذا الاتجاه التشريعي لم يكن مطلقًا، وإنما قُيِّد بضوابط صارمة، إذ استبعد المشرع طائفة من الجرائم التي تمثل اعتداءً على النظام العام أو أمن الدولة أو سلامة المجتمع، فلا يجوز فيها التصالح مهما كانت إرادة المجني عليه.
ومن ثم فإن الأصل في الدعوى الجنائية أنها تتعلق بحق المجتمع في العقاب، ولا يملك الأفراد إسقاطها إلا إذا أجاز القانون ذلك صراحة، لأن التصالح استثناء لا يجوز القياس عليه أو التوسع في تفسيره.
أولاً: الطبيعة القانونية للتصالح الجنائي.
التصالح الجنائي ليس عقدًا مدنيًا بين الجاني والمجني عليه، وإنما هو سبب قانوني استثنائي لانقضاء الدعوى الجنائية أو وقف تنفيذ العقوبة متى نص القانون على ذلك.
وقد استقرت محكمة النقض على أن أسباب انقضاء الدعوى الجنائية محددة على سبيل الحصر، ولا يجوز للمحاكم استحداث أسباب جديدة أو القياس عليها، لأن الدعوى الجنائية من النظام العام.
ولهذا فإن إرادة المجني عليه وحدها لا تكفي لإنهاء الدعوى الجنائية إلا إذا وجد نص قانوني يقرر هذا الأثر.
ثانيًا: الأساس التشريعي لعدم جواز التصالح؟
تنص المادة (18 مكرر “أ”) من قانون الإجراءات الجنائية على الجرائم التي يجوز فيها التصالح، كما أوردت قوانين خاصة صورًا أخرى للتصالح، مثل قانون الجمارك، وقانون الضرائب، وقانون الاستثمار، وقانون البناء.
ويترتب على ذلك أن: الأصل هو عدم جواز التصالح.
والاستثناء هو جوازه بنص صريح.
ومن ثم، فإن أي جريمة لم يرد بها نص يجيز التصالح تظل خاضعة للقواعد العامة، ولا يترتب على اتفاق المجني عليه مع المتهم أي أثر في انقضاء الدعوى الجنائية.
ثالثًا: الجرائم التي لا يجوز التصالح فيها؟
رغم تعدد الجرائم، فإنها يمكن تقسيمها إلى عدة مجموعات رئيسية.
أولاً: جرائم القتل… بين الصلح والتصالح
من أبرز المستجدات التي جاء بها قانون الإجراءات الجنائية الجديد استحداث نظام خاص للصلح في بعض جرائم القتل، وهو ما يمثل تطورًا تشريعيًا مهمًا يستوجب التمييز بين الصلح بوصفه سببًا لتخفيف العقوبة، وبين التصالح الجنائي الذي يترتب عليه انقضاء الدعوى الجنائية في الجرائم التي يحددها القانون.
فقد نصت المادة (22) من قانون الإجراءات الجنائية الجديد على أنه يجوز لورثة المجني عليه أو لوكيلهم الخاص إثبات الصلح في جرائم القتل المنصوص عليها في المواد (230)، و(233)، و(234/الفقرتين الأولى والثانية)، و(235)، و(236/الفقرة الأولى) من قانون العقوبات، وذلك في أي مرحلة من مراحل الدعوى وحتى صدور حكم بات.
إلا أن هذا الصلح لا يؤدي إلى انقضاء الدعوى الجنائية أو سقوط حق الدولة في العقاب، وإنما يقتصر أثره على تخفيف العقوبة وجوبًا، إذ تلتزم المحكمة بتطبيق حكم المادة (17) من قانون العقوبات والنزول بالعقوبة درجة أو درجتين بحسب الأحوال.
ويتضح من ذلك أن المشرع حافظ على حق المجتمع في ملاحقة مرتكب جريمة القتل، فلم يجعل إرادة ورثة المجني عليه سببًا لإنهاء الدعوى الجنائية، وإنما منح الصلح أثرًا قانونيًا يتمثل في التخفيف الإلزامي للعقوبة، تحقيقًا للتوازن بين اعتبارات العدالة الجنائية ومقتضيات الصلح الاجتماعي.
ومن ثم، فإن جرائم القتل لا تُعد من الجرائم التي ينقضي فيها الحق في الدعوى الجنائية بالتصالح، وإنما أصبحت من الجرائم التي يترتب فيها على الصلح أثر خاص يتمثل في تخفيف العقوبة دون المساس بحق الدولة في الاستمرار في الدعوى الجنائية حتى صدور حكم فيها.
ثانيًا: جرائم الإرهاب.
لا يجوز التصالح في جميع الجرائم الإرهابية المنصوص عليها بقانون مكافحة الإرهاب.
ويرجع ذلك إلى أن هذه الجرائم تمس أمن الدولة وسلامة المجتمع، وتجاوز آثارها حدود المجني عليه لتطال الأمن القومي بأسره.
ثالثًا: جرائم أمن الدولة
ومنها:
١- التجسس.
٢- إفشاء أسرار الدفاع.
٣- التخابر.
٤- الاعتداء على القوات المسلحة.
٥- الجرائم الماسة بالوحدة الوطنية إذا لم ينص القانون على خلاف ذلك.
وهذه الجرائم تتعلق بسيادة الدولة، ولذلك لا يملك أي فرد إنهاء الدعوى الجنائية بشأنها.
رابعًا: جرائم الرشوة
لا يجوز التصالح في جرائم:
١- الرشوة.
٢- استغلال النفوذ.
٤- الوساطة في الرشوة.
لأن هذه الجرائم تمثل اعتداءً على نزاهة الوظيفة العامة، ويقع ضررها على المجتمع كله.
وقد أكدت محكمة النقض أن جرائم الرشوة من الجرائم المخلة بالشرف والأمانة، وأن المصلحة المحمية فيها هي حسن سير المرافق العامة.
خامسًا: جرائم الاختلاس والعدوان على المال العام
لا يجوز التصالح في:
١- الاختلاس.
٢- الاستيلاء على المال العام.
٣- تسهيل الاستيلاء عليه.
٤- الإضرار العمدي بالمال العام.
إلا في الحدود التي أجاز فيها المشرع التصالح بنصوص خاصة وفي الأحوال والإجراءات التي رسمها القانون.
سادسًا: جرائم التزوير
لا يجوز التصالح في جرائم:
١- تزوير المحررات الرسمية.
٢- استعمال المحررات المزورة.
٤- تزوير الأختام.
٥- تقليد العلامات الحكومية.
لأن هذه الجرائم تمس الثقة العامة في المحررات الرسمية.
وقد قررت محكمة النقض أن الثقة العامة هي محل الحماية الجنائية في جرائم التزوير، وليس مجرد مصلحة شخص معين.
سابعًا: الجرائم المخلة بالعدالة
ومنها:
١- شهادة الزور.
٢- البلاغ الكاذب.
٣- التأثير على الشهود.
٤- إخفاء الأدلة.
إذ إن هذه الجرائم تمس حسن سير العدالة.
ثامنًا: الجرائم الجنسية
ومنها: الاغتصاب. وهتك العرض.
والتحرش الجنسي واستغلال الأطفال.
لأن المشرع اعتبرها من الجرائم التي تمس النظام العام والكرامة الإنسانية.
تاسعًا: جرائم المخدرات
الأصل عدم جواز التصالح في جرائم:
الاتجار. والجلب. والتصنيع.
والزراعة. والحيازة بقصد الاتجار.
نظرًا لما تمثله من خطر بالغ على المجتمع.
عاشرًا: الجرائم التي تمس أمن المجتمع
مثل:
١- غسل الأموال.
٢- تمويل الإرهاب.
٣- الاتجار بالبشر.
٤- تهريب المهاجرين.
٥- الجرائم الإلكترونية الجسيمة التي لم يقرر القانون فيها التصالح .
الحادي عشر: جرائم البلطجة واستعراض القوة والتلويح بالعنف.
تُعد جرائم البلطجة واستعراض القوة من أخطر الجرائم التي استحدث المشرع بشأنها حماية جنائية مشددة، لما تمثله من اعتداء مباشر على أمن المجتمع وسكينة المواطنين، إذ لا يقتصر أثرها على المجني عليه وحده، وإنما يمتد إلى بث الرعب وإشاعة الفوضى وفرض منطق القوة خارج إطار سيادة القانون.
وقد جرم المشرع هذه الأفعال بنص المادة (375 مكرر) من قانون العقوبات، التي تعاقب كل من يستعرض القوة أو يلوح بالعنف أو بالتهديد أو يستخدمه ضد شخص أو أكثر بقصد ترويعهم أو تخويفهم أو المساس بحرياتهم أو فرض السطوة عليهم أو التأثير في إرادتهم أو تعطيل تنفيذ القوانين أو اللوائح أو مقاومة السلطات أو تعريض الأمن أو السكينة العامة للخطر.
ويتضح من هذا النص أن المصلحة القانونية التي يحميها المشرع ليست مجرد حق فردي للمجني عليه، وإنما هي حماية النظام العام، وطمأنينة المجتمع، وحرية الأفراد في ممارسة حقوقهم دون رهبة أو إكراه. ولهذا السبب، لم يجعل المشرع هذه الجرائم من الجرائم القابلة للتصالح، إذ إن العدوان فيها ينصرف إلى المجتمع بأسره قبل أن ينصرف إلى شخص المجني عليه.
وقد استقر قضاء محكمة النقض على أن جرائم البلطجة من الجرائم التي تقوم على مجرد تحقق فعل استعراض القوة أو التهديد متى كان من شأنه إلقاء الرعب في نفس المجني عليه أو المساس بأمنه أو سكينته، ولا يشترط أن يترتب على ذلك وقوع إصابة فعلية أو خسارة مادية، لأن الخطر الذي أراد المشرع تجريمه يكمن في السلوك ذاته وما يحدثه من زعزعة للأمن العام.
كما قضت محكمة النقض بأن القصد الجنائي في هذه الجريمة يتحقق متى ثبت اتجاه إرادة الجاني إلى استعمال القوة أو التهديد لتحقيق إحدى الغايات التي حددها القانون، كإرهاب المجني عليه، أو فرض السيطرة عليه، أو حمله على الامتناع عن عمل أو القيام به، بصرف النظر عن الوسيلة المستخدمة أو النتيجة التي انتهت إليها الواقعة.
ومن ثم، فإن تنازل المجني عليه، أو تصالحه مع المتهم، أو إقراره بعدم رغبته في الاستمرار في الإجراءات، لا يترتب عليه انقضاء الدعوى الجنائية، لأن النيابة العامة لا تباشر هذه الدعوى حمايةً لمصلحة فردية، وإنما دفاعًا عن أمن المجتمع وهيبة الدولة وسيادة القانون.
ولعل الحكمة التشريعية من استبعاد جرائم البلطجة من نطاق التصالح تتمثل في منع الجناة من الإفلات من العقاب عن طريق الضغط على المجني عليهم أو إرغامهم على التنازل، وهو ما قد يؤدي إلى تقويض الثقة في العدالة الجنائية وتشجيع صور العدوان المنظم على الأفراد.
ومن ثم، فإن إخضاع هذه الجرائم للمساءلة الجنائية الإلزامية يجسد التزام الدولة بحماية الأمن العام، ويؤكد أن مواجهة البلطجة ليست دفاعًا عن حق فردي فحسب، وإنما هي دفاع عن المجتمع بأسره.
ويُستخلص من استقراء أحكام قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية أن معيار جواز التصالح لا يتوقف على جسامة العقوبة وحدها، وإنما يرتبط بطبيعة المصلحة القانونية المعتدى عليها. فكلما تجاوزت الجريمة حدود المصلحة الفردية إلى الاعتداء على النظام العام أو أمن الدولة أو الثقة العامة أو حسن سير العدالة، اتجه المشرع إلى استبعادها من نطاق التصالح، لأن المجتمع هو المجني عليه الحقيقي فيها، ولا يملك الأفراد إسقاط حقه في العقاب.
وقد استقرت أحكام محكمة النقض على عدة مبادئ مهمة، من أبرزها:
1. التصالح استثناء يفسر تفسيرًا ضيقًا، ولا يجوز القياس عليه.
2. التنازل المدني لا يؤدي بذاته إلى انقضاء الدعوى الجنائية إلا بنص.
3. النيابة العامة تباشر الدعوى الجنائية باسم المجتمع، وليس باسم المجني عليه.
4. الجرائم المتعلقة بالنظام العام لا تنقضي بإرادة الأفراد.
5. إذا خلا القانون من نص يجيز التصالح، وجب على المحكمة الاستمرار في نظر الدعوى حتى الفصل فيها.
وتؤكد هذه المبادئ أن العدالة الجنائية لا تقوم فقط على جبر ضرر المجني عليه، وإنما تهدف أيضًا إلى حماية المجتمع وصيانة الثقة في القانون.
ونرى إن التوسع التشريعي في إقرار التصالح الجنائي لا يعني إباحته في جميع الجرائم، بل يظل مقصورًا على الحالات التي نص عليها القانون صراحة. أما الجرائم التي تمس الحق العام أو أمن الدولة أو نزاهة الوظيفة العامة أو الثقة العامة أو سلامة المجتمع، فقد تعمد المشرع استبعادها من نطاق التصالح، إدراكًا لخطورتها ولأن أثرها يمتد إلى المجتمع بأسره.
ومن ثم، فإن أي اتفاق أو تنازل بين الجاني والمجني عليه في هذه الجرائم لا ينتج أثرًا في انقضاء الدعوى الجنائية، ما لم يوجد نص تشريعي صريح يقرر خلاف ذلك، وهو ما يتفق مع المبادئ المستقرة في قضاء محكمة النقض، التي تؤكد أن التصالح الجنائي استثناء محدود، وأن الأصل هو خضوع الدعوى الجنائية لسلطان القانون وحده.





